تعتبر كلمة الهجرة بمعناها الظاهري مستخرجة من كلمة هجر وهو شعور مؤلم يعصف بكيان الإنسان ويغير نظرته للحياة ويجعلها ظالمة ومظلمة إن كان من قبل إنسان آخر فكيف إن كان وطنًا؟

والمعنى الباطني هو نوع من المعاناة الأبدية كانسلاخ الإنسان عن وطنه أو هجره لمواقع وأماكن وجد فيها ذاته وهو يكون تحت ضغوطات الظروف المعيشية التي تجبره على التأقلم في غير محيطه وهي ظاهرة اجتماعية منتشرة بشكل واسع بين جميع الدول خاصة البلاد الفقيرة التي لا تستطع أن تؤمّن أبسط سبل العيش لساكنيها كما أنها من القضايا الشائعة التي يهتم بها الرأي العام لأنها تعتبر من القضايا العالمية. إنها عبارة عن نزوح أو انتقال الإنسان من وطنه الأم إلى بلد ثانٍ للعيش فيه بسبب عدة ظروف. فالهجرة تشبه بذورًا خصبة ولدت في أرض قاحلة وارتحلت لتنمو في أرض غريبة رغم اختلاف جذورها.

تكون الهجرة خارجية إلى بلاد خارج حدود الوطن الأم وممكن أن يكون هذا البلد متقاربًا في اللغة والعادات والتقاليد فيتجنب المغترب بذلك المعاناة كالتي يجدها في بلد مضاد لكل ما اعتاد عليه كانتقال من وعاء إلى آخر وهنا يحاول المهاجر أن يتأقلم في ذلك البلد ويعتبره بديلًا عن وطنه الأصلي.

وقد تكون الهجرة داخلية أي نزوح من منطقة إلى أخرى داخل حدود الوطن وهي أقل ضررًا نفسيًا على المهاجر لمعرفته أنه يستطيع العودة إلى منطقته في أوقات متقاربة أو متباعدة حسب ظروفه رغم تغيير المناخ إن كان النزوح من القرية إلى المدينة والعكس، فهناك بعض التغييرات التي سيواجهها ولو أنها ليست جذرية ولكنها تختلف عن العادات التي اعتاد اتباعها والتقيّد بها وأيضًا يبرز لدينا الهجرة القسرية، الإجبارية، الاختيارية، العلمية أو المؤقتة على أن لكل هجرة من هذه الهجرات مذاق مرّ لا يستطع المهاجر أن يتجاهلها. تكمن أسباب الهجرة وراء التدهور الاقتصادي الحاصل وعدم توفر بيئة مناسبة للشباب الصاعد وطموحاته التي لا تتقيد بحدود والضغوطات السياسية كما أن كثرة الحروب فتحت لشبابنا بابًا للهروب نحو عالم أفضل والأكثر شيوعًا وهو سراب الثراء والانبهار بالحرّيات المحرّمة في بلادهم والحياة الغربية الزائفة والمنفتحة على كل الآفاق دون رادع والتي يسعى إليها شبابنا الذي يفتقد الوعي.

الهجرة ذات وجهين أسوة بالعملة النقدية فالوجه السلبي فيها الابتعاد عن العائلة والأصدقاء مما يجعل العاطفة تحتضر بعيدًا عمن يحتويها ويهتم بها، وذلك يزعزع شعور المرء العاطفي والمعنوي بالاستقرار والأمان بالإضافة إلى اختلاف العادات التي تجعل بعض المهاجرين يتخلون عن بعض قيمهم ومبادئهم للتماشي مع المجتمع الجديد الذي يجبرهم أن يلحقوا بأذياله.

أخيرًا وليس آخرًا فإن عمل المغترب في بلد غير بلده يخفّض من مستوى الأيدي العاملة في وطنه ومن إنتاجيتها ولكننا لا نستطع أن نغض الطرف عن إيجابيات هذه الهجرة بما يعود على المهاجرين وعوائلهم من تحسن في المستوى المعيشي والدخل الفردي ولو على حساب اغترابه. نزيد على ذلك انخفاض نسبة الفقر والبطالة التي تعم مختلف المناطق لذا نستطيع أن نقول إنه من الممكن أن تمتزج الإيجابيات والسلبيات في وعاء واحد لتصنع تناغمًا يروي طموحاتنا وأحلامنا، رغم اقتناعنا أن القضاء على المحسوبيات والواسطة والاهتمام بمؤهلات الشباب سيكون له صدى كبير في إغلاق باب الهجرة. ويتحقق بذلك مبدأ العدل والمساواة وتفتح أبواب النجاح أمام العقول الطموحة وتتوفر فرص العمل للجميع على مختلف مستوياتهم وذلك عبر فتح أماكن استثمارية تستقطب أعدادًا كبيرة من المتعلمين والمؤهلين لاستلام مناصب من الممكن أن تغير مستقبل البلاد وتدفع به إلى واجهة العالم الحضاري.

وقد قال المتحدث باسم منظمة الهجرة الدولية جويل ميلمان إن عدد المهاجرين الذين وصلوا الى أوروبا منذ بداية 2018 بلغ أكثر من 32 ألف شخص وأفاد المتحدث باسم منظمة الهجرة الدولية بأن ٣٢ ألف مهاجر وصلوا إلى أوروبا عن طريق البحر خلال 150 يومًا من العام الحالي منهم 42% إلى إيطاليا و34% إلى اليونان و24% إلى إسبانيا. كما وصل خلال نفس الفترة من العام الماضي 2017 عدد كبير من المهاجرين بحدود 79870 مهاجر إلى الدول الأوروبية .أما عام 2016 فبلغ مجموع من وصل إلى أوروبا في نفس الفترة أكثر من 230 ألف مهاجر حسب المتحدث باسم المنظمة الدولية. المصدر: نوفوستي.

كل ما ذُكِر أعلاه لا يُفسر ما للهجرة من وقع نفسي وجسدي على المهاجر خاصة القرويين الذين تربوا على حب الأرض من خلال زرعها والاهتمام بها وجعلها قسمًا من حياتهم فأجبرتهم الظروف عن الانسلاخ عنها. الهجرة مؤلفة من أربعة أحرف ولكن كل حرف فيها يمثّل ألمًا، الهاء هجر، الجيم جمر البعد، الراء رعب، التاء توحّد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

مجتمع
عرض التعليقات
تحميل المزيد