«إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا» (التوبة: 40).

تعتبر الهجرة منعطفًا تاريخيًا من حيث إنها حركة إيجابية، وليست هروبية أو انسحابية؛ فهي جهاد ومواجهة للتعامل مع الواقع، فلا يستسلم المسلم لواقعه بحجة الاستضعاف، فلا بد من إعادة النظر في التطوير للوسائل والخطاب؛ فالهجرة طاعة لله، واستجابة لرسول الله – صلى الله عليه وسلم – وحفاظًا على الدين. وقد قال الفاروق عمر بن الخطاب: «إن لله رجالًا أحيوا الحق بذكره، وأماتوا الباطل بهجره». وقبل أن نبدأ في حديث الحلقة نثبت ما قيل في شأن اختيار المسلمين يوم الهجرة، باعتبارها تأريخًا للدولة الإسلامية، وقد قيل في ذلك ما يلي:

ترك أرض الشرك والفصل بين عهدين؛ عهد الظلام، وعهد النور، ولو اُتُّخذ مولد الرسول – صلى الله عليه وسلم – لهذا التقويم لما كان في الاستدلال بالمولد غير دلالة عاطفية بحتة، وكذلك في الاستدلال بوفاة النبي – صلى الله عليه وسلم -، والاستدلال بالهجرة تضمن تشخيصًا إيجابيًا أقوى دلالة. «عبد الكريم عثمان». ومن قال إن التقويم إجراء من كيانات الأمم، بل من شعائرها الدينية، وتقويمنا الهجري يأخذ من هذا المعنى أعمق دلالاته. «عبد القادر أحمد عبد القادر». ومن قال إن التقويم بالوفاة يدل على العاطفة، وهو حادث عادي من سنن الكون، لا يخص الرسول – صلى الله عليه وسلم – وحده، كما إن الإسلام في جوهر أساسه يلغي عبادة الشخصية. «طه المولي». ونحن نرى أنه لا بد أن يتسق ويتوازن التقويم مع فكرة التوحيد، التي تقوم عليها الدولة الناشئة، بعيدًا عن أي شبهة شرك أو وثنية. ونحن هنا نناقش هل كانت الهجرة هروبًا من الواقع، وطلبًا للراحة والسلامة؟

لا لم تكن الهجرة كذلك لعدة اعتبارات؛ إنسانية، ونفسية، ودعوية، وواقعية؛ فنفسية الرسول – صلى الله عليه وسلم – وأتباعه تمنعه من الهروب، أو الخوف، أو البحث عن السكن والراحة؛ حيث إنه بصفته عربيًا فهو يمتلك عزة النفس، وتمام الشخصية، ما يجعله رجل صدق ووفاء، لا يغلبه إنسان أو تذله رهبة من أحد، وهذا للداعية، أما الأتباع فهم أناس طُبعوا على ألف الصعاب، وقلة المبالاة بالشدائد، وعند مواجهة الموت يواجهونه ببسالة ورضا، أو رغبةً وابتسامًا، كما إن التخلي الذاتي عن الأرض تعتبر تخليًا عن الرسالة ذاتها.

والرسول – صلى الله عليه وسلم – اختصه واصطفاه بالرسالة «بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ». إن الرسول – صلى الله عليه وسلم – كان يعلم أنه سوف يخرج من مكة كما أخبره «ورقة بن نوفل»؛ ولذلك لم تكن مفاجأة له، وقد خرج مُكرهًا؛ فقد قال عليه الصلاة والسلام: « أَمَا وَاللَّهِ لأَخْرُجُ مِنْكِ، وَإِنِّي لأَعْلَمُ أَنَّكِ أَحَبُّ بِلادِ اللَّهِ إِلَيَّ وَأَكْرَمُهُ عَلَى اللَّهِ، وَلَوْلا أَنَّ أَهْلَكِ أَخْرَجُونِي مَا خَرَجْتُ». نعم فهي الأرض الحبيبة، ولا يهرب الحبيب من حبيبه، فهي أرض المولد، والمنبت، ملعب الصبا، ومهوى الفؤاد؛ حيث المسجد الحرام، ومنزل الوحي حيث غار حراء. فلم تكن الهجرة استسلامًا للعدو، ولكنها تدبير للإحاطة بالعدو وقهره، بدليل قول الله تعالى: «إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ». وقد قال د. «فهمي الشناوي» في شأن الهجرة إنها انسحاب تكتيكي، فهو رأي وجيه، وله من السيرة ما يؤيده؛ فقد انسحب سيف الله المسلول بالجيش في معركة مؤتة، ولم يُعتبر هروبًا، حيث رضي الرسول – صلى الله عليه وسلم – عن هذا الفعل، ومن المهم أن نعلم أن الهجرة كانت بأمر الله – سبحانه وتعالى – إلى رسوله حيث قال: « وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ».

لم تكن الهجرة هروبًا من التعذيب والمشقة التي يلاقيها الأتباع، ولا من الحصار الاقتصادي الذي فرضته قريش بالقوة؛ لأنه ببساطة كان يستطيع إعلان الثورة على الملأ من قريش، وما فعله بهم في بدر كان يستطيع أن يفعله في مكة؛ ليكسر من كبرياء قريش، ويحد من سطوتها، لكنه لم يفعل؛ لأنه كان يأمر أتباعه بالصبر على البلاء؛ ولهم إحدى الحُسنيين إما النصر أو الشهادة، ومن ناحية أخرى والأهم أنه لم يأمر بقتال في مكة، قال «سعد بن عبادة»: «يا رسول الله، والذي بعثك بالحق لئن شئت لنميلن على أهل منى غدًا بأسيافنا. فقال: إنا لم نؤمر بذلك».

والثالثة هي أنه لا يريد حرب شوارع تراق فيها الدماء على الهوية؛ ليظل المسجد الحرام والبلد الحرام آمنًا، لا يرفع فيه سلاح، ولا تنزل على أرضه قطرة دم؛ والدليل على ذلك إنه عند دخوله مكة فاتحًا منتصرًا، لم تخرجه نشوة النصر عن تواضعه وحلمه، فلما قال أحد الصحابة اليوم يوم الملحمة، رد النبي – صلى الله عليه وسلم -: اليوم يوم المرحمة. ولقد قابل أعداءه بالصفح والتسامح، وهو المنتصر، ولا يحدث ذلك إلا من نبي ورسول؛ حيث وقف يسأل أهل مكة ما تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا أخ كريم وابن أخ كريم فقال – صلى الله عليه وسلم – اذهبوا فأنتم الطلقاء.

الهجرة درس في العظمة، وتوجيه النفوس؛ ليتعلم المسلمون منها التضحية في سبيل نصرة الحق، وليعرفوا بها معنى الجهاد في سبيل الدين الحنيف؛ فهي في جملتها قصة صراع بين الحق والباطل، أو بين العدل والظلم، أو بين الشرك والتوحيد، وهي ليست بحثًا عن مكان آمن؛ لأنه لو أراد ذلك لهاجر قبل أو مع أصحابه إلى الحبشة، حيث الملك الذي لا يُظلم عنده أحد.

إن الهجرة والإيمان والجهاد عدة النصر؛ لسيادة الحق، ودفع الباطل، بما يعطوه من الصبر على البلاء، والثبات عند المحن والفتن، ولا بد من العلم بأن الهجرة ليست الانغلاق، والبعد عن الناس، والقعود والابتعاد عن المجتمع؛ حيث قال الرسول – صلى الله عليه وسلم – في دعوته إلى الإسلام: «المسلم الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم» والصبر المطلوب هو إسلام القلب والوجه، ومغالبة الهوى والشهوة، والاستقامة على الدين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد