الغربة الأصلية – غربة الإنسان

الغربة ليست فقط غربة المهاجر من مكان ما في الأرض إلى مكان آخر، بل هي إحدى صور الغربة داخل مفهوم أعم وأشمل للغربة.

فالإنسان موطنه الجنة، غريب في هذه الدنيا، فهو في هجرة إلى الله عز وجل منذ ولادته وحتى مماته، فاستخلاف الله للإنسان في الأرض هو بمثابة تكليف له مدة محددة لا يعلمها إلا المولى سبحانه وتعالى، ثم تكون العودة إلى الله ويكون الحساب على ما قدم الإنسان فيما استُخلف فيه وكُلف به، وتلك غربة تشمل كل البشرية.

غربة المؤمنين

ليس كل البشر يؤمنون بهذا التكليف، وليس كل البشر يعلمون أنهم في غربة فقد اتخذ بعضهم الأرض موطنا أصليا ودار استقرار حتى الموت.
والمؤمن هو كل من آمن بتلك الغربة وبحتمية هذه الهجرة التي تنتهي بموته ليرجع إلى ربه ويحاسب على عمله.

وليس كل من آمن يستهدي بنور الله ومنهاجه أثناء هجرته، ولعل غربة المؤمنين بين إخوانهم المؤمنين -ممن عموا وضلوا عن النور الإلهي- أشد من غربتهم بين غير المؤمنين.

إذا فالغربة ليست فقط غربة التارك لوطنه الذي ولد فيه، المفارق لأهله وأصدقائه، بل هي أيضا غربة الإيمان والهداية بين الكفر والضلال.

الغرباء هم أولئك الذين يخالفون مجتمعاتهم، يخالفونها في تصوراتها وعاداتها وتقاليدها مخالفة قد تصل إلى حد العداء، إلى درجة قد تؤدي إلى البطش بهم ومحاولة القضاء عليهم وعلى أفكارهم ومنعها من الانتشار.
لكن متى يضطر هؤلاء الغرباء إلى الهجرة؟ متى يضطرون إلى ترك مجتمعاتهم وبيوتهم التي ترعرعوا فيها؟

الاستضعاف

يقول الله عز وجل في كتابه:

{إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ ۖ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ۚ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ۚ فَأُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا}، (97) ~ النساء.

الآية نزلت في ناس من أهل مكة تكلموا بالإسلام ولم يهاجروا للمدينة، فلما خرج المشركون إلى بدر خرجوا معهم فقتلوا مع الكفار، (قالوا فيم كنتم) أي: في ماذا كنتم؟ أو في أي الفريقين كنتم؟ أفي المسلمين؟ أم في المشركين؟ سؤال توبيخ، فاعتذروا بالضعف عن مقاومة أهل الشرك، و(قالوا كنا مستضعفين) عاجزين، (في الأرض) يعني أرض مكة، (قالوا) يعني:
الملائكة (ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها) يعني: إلى المدينة وتخرجون من مكة، من بين أهل الشرك؟ فأكذبهم الله تعالى وأعلمنا بكذبهم. افتتنوا في دينهم فقُتلوا على الردة. (من تفسير البغوي والقرطبي).

{إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (98) فَأُولَٰئِكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (99) ۞ وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً ۚ وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا}، (100) ~ النساء.
أما أولئك الذين صدق إيمانهم واستُضعفوا في الأرض فلم يجدوا سبيلا للمقاومة أو الفرار، فالله سبحانه وتعالى أعلم بهم وبحالهم وسيجزيهم أجر صبرهم على ما أصابهم إن شاء الله.

هجرة الحبشة

عندما أمر الرسول بعض المسلمين بالهجرة من مكة إلى الحبشة لم يأمر المستضعفين منهم بل أمر القرشيين الذين يتمتعون بعصبية وقبلية تستطيع أن توفر لهم الحماية، هاجر الأشراف أصحاب المنعة ولم يهاجر المستضعفون. وذلك الأمر يستدعي وقفة لنتأمل أسباب تلك الهجرة ودوافعها:
– لم يأمر الرسول المستضعفين بالهجرة وهم الأكثر عرضة للتعذيب والتنكيل والهلاك، بل أمر عصبة من الأشراف منهم وأصحاب المنعة وذلك لأن الهدف من تلك الهجرة كان حماية الدعوة بالدرجة الأولى.

– لم يهاجر المؤمنون سعيًا وراء الرزق، بل إن ظاهر الأمر أنهم سيفتقدون الرزق، وذلك لأنهم سيتركون أعمالهم ويهاجرون إلى بلد قد لا يتوافر فيه العمل المناسب، وهنا يعدهم الله بالرزق الحسن في الجنة، فعلى أسوأ الفروض في حسابات البشر أن هؤلاء المهاجرين سيُقتلون أو يموتون، وقد وعدهم الله أنهم لو قتلوا أو ماتوا أثناء هجرتهم هذه ليرزقنهم الله رزقًا حسنًا.

{وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ * لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ}، [الحج: 58، 59].

الهجرة إلى أين؟

ذكرنا في بداية كلامنا أن الإنسان في هجرة إلى ربه حتى يتوفاه المولى عز وجل، إذا فأي هجرة أخرى تُنسي الإنسان هذا الأصل وهذه الحقيقة؟ أي هجرة تُبعده عن النور الإلهي وتُلهيه عن التكليف الرباني له؟ أي هجرة تقطع صلته بربه أو تُضعفها؟ فبمقاييس الهجرة الكبرى هي هجرة خاسرة قد يُؤتَى الإنسان ما أراد منها في الدنيا ويخسر في الآخرة، وتكون أيضا خسرانًا لمن امتنع عن الهجرة وهي خير له لكي يحفظ دينه ونفسه.
اليوم، أرى أن الهجرة أمر خاص جدا يختلف من شخص إلى آخر، قد يكون الخيار الأنسب لك ولا يكون كذلك لغيرك، كل حسب حالته وظروفه، والأهم من (إلى أين تكون الهجرة)؟ هو المعيار الذي يقرر المرء بناء عليه إذا كان الوقت قد حان للهجرة وإلى أين.
الهجرة بمعنى الانتقال للعيش في بلد آخر مجرد وسيلة وليست غاية، فليراجع كل منا غايته وليسأل كل منا نفسه، إلام تسعى؟

قال صلى الله عليه وسلم:

“إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه”، متفق عليه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار, غربة, هجرة
عرض التعليقات
تحميل المزيد