هو أحد أهم المستعربين الإسبان في القرن العشرين ومن أنجب تلاميذ العالمة ميجيل أسين بلاثيوس. ولد في 15 يناير (كانون الثاني) 1920 في مالاجاه، ودرس الفلسفة الإسلامية في جامعة غرناطة ونال الدكتوراة عن أطروحته عن القدرية عند ابن سينا بجامعة مدريد عام 1946، وهو الفيلسوف المسلم الذي جمع بشكل رائع بين الدين والفلسفة. بدا مدرسًا مساعدًا في جامعة غرناطة ثم انتقل سريعًا إلى جامعة سلامنكا حيث شغل كرسي الفلسفة وعلم النفس حتى انتقل إلى جامعة الأوتونوما بمدريد في 1976، حيث التحق بقسم الدراسات العربية والإسلامية المُؤسَّس حديثًا، مدرسًا للفكر الإسلامي، والذي ظل به حتى تقاعده في بداية عقد التسعينيات.

كان عضوًا في فترة مراهقته بمنظمة الشباب الاشتراكيين المتحدين. تقلد الكثير من المناصب أثناء فترة حكم الجنرال، ولهذا تم نعته بالعمدة الأحمر لفرانكو في إشارة إلى الحركة الشيوعية الإسبانية إبان الحرب الأهلية الإسبانية. من هذه المناصب، عمدة سلامنكا في الفترة من 1958 حتى 1962، ثم شغل منصب حاكم مدني لمدينة ألباثيتى من 1962 إلى 1968. كان لبعض هذه المناصب تأثير إيجابي كبير في علاقات إسبانيا في فترة فرانكو بالعالم العربي، خاصة منصبه نائبًا لرئيس المعهد العربي الإسباني للثقافة.

لم يتقيد بأية حواجز سواء في الفلسفة أو الاستعراب، وانتقل من الفلسفة الإسلامية الشرقية إلى الفلسفة الشرقية الغربية وخاصة الفلسفة الأندلسية وتحديدًا فلسفة ابن رشد مع تمييزه المستمر بين ما هو إسلامي قح وما هو فلسفي. ولهذا فإن الفلسفة الأفلاطونية والفيلسوف الفارسى المُلا سيدرا لهم مكان متميز في نظرته إلى الفكر الإسلامي نظرًا إلى تأثيرهما الكبير في العالم الصوفي والشيعي بشكل لا يمكن تجاهله. ومن هنا أيضًا أمكنه إعلان أن خابير ثوبيرى كان آخر المفكرين الغربيين بعد هوسيرل وهيدجر وروسيل. وبطريقة ميتافيزيقية أدخل اللاهوت وتاريخ الأديان إلى مجال الفلسفة والتغاضي عن الاختلافات والبحث عن شروحات متكاملة ثم الإقرار بأن الله هو وحِدة العالم مثلما يقول ابن عربي والتي تلخص عمله وحياته.

يُعد كتابه «تاريخ الفكر في العالم الإسلامي» الذي كتبه في عام 1981، ثم قام بتحديثه في 2011 في طبعاته الكثيرة لاحقًا أفضل أطروحة في هذا المجال، والذي تمت ترجمته إلى الفرنسية والإيطالية. يقع هذا العمل في ثلاثة مجلدات، وهو عبارة عن بانوراما على مجمل الإنتاج الفكري الإسلامي منذ القرن السابع وحتى الآن ولا يضاهيه في شموليته وغزارة مادته أي عمل آخر كُتب باللغة الإسبانية. يتضمن الكتاب دراسات متعمقة عن تاريخ الجزيرة العربية قبل الإسلام، ثم بعثة الرسول الكريم، ثم الفرق بين الإسلام والمسيحية واليهودية، ثم الخلاف السياسي بين المسلمين وظهور الفرق الشيعية وتفرقها إلى شيعة إمامية وإسماعيلية، وكذلك يتطرق لدراسة المعتزلة والأشاعرة، ثم ينتهي الجزء الثالث والأخير بدراسة الفلسفة الإسلامية في تياريها الشرقي والأندلسي. هذا العمل يعد ذا أهمية بالغة لمن يريد أن يرى ويدرس تاريخ الفكر الإسلامي بشكل مجمل وغير مخل في الوقت نفسه، ويظل الكتاب شاهدًا على الجهد الكبير الذي بذله المؤلف في قراءة كتب الفقه والعقيدة والفلسفة الإسلامية، علاوة على كتب الأدب واللغة والنحو العربي، كي يتمكن من تقديم كتاب موجز عن تطور الفكر الإسلامي عبر أربعة عشر قرنًا. وجاءت أحكامه في الغالب منصفة وبعيدة عن الأحكام السلبية المسبقة التي امتازت بها كتابات بعض المستشرقين. القرآن بالنسبة له هو أكثر الكتب المقدسة يقينًا وأقلها إثارة للجدل، بما تيسر له من الحفظ والكتابة. أشاد بالكثير من المفكرين المسلمين مثل ابن سينا، وابن رشد، وابن خلدون، وابن حزم. تم ترجمة هذا المجلد المهم إلى العربية على يد الأستاذ عبد العال صالح، ومراجعة المترجم الكبير الأستاذ جمال عبد الرحمن، من خلال المركز القومي للترجمة.

برع إيرنانديث أيضًا في مجال ترجمة الفلسفة الإسلامية إلى الإسبانية وهو التخصص الذي قارب على الانقراض الآن، والذي كان قد بدأ في العشرينيات من القرن الماضي على يد العلامة الكبير ميجيل أسين بالاثيوس بترجمة ابن حزم، ثم تبعه مانويل ألونسو بترجمة فلسفة الفارابي وابن رشد.

ترجم ميجيل كروث إيرنانديث شروح ابن رشد لجمهورية أفلاطون، وهو العمل الذي أشعره بالرضا الكبير سواء عن مستوى الترجمة أو الانتشار الذي ناله الكتاب، حيث تم طباعته في طبعات شعبية كثيرة. ذكر في إحدى المرات أن الضغط الذي يتعرض له الباحث من أجل وضع منهج جامعي وكذلك ثقافة الأوراق التي نحيا في غمارها ساعدا في فقد ذلك التدقيق الضروري، وأن لهما تأثيرًا ضارًّا فؤ مستقبل الثقافة.

توفي في 25 مارس 2020 بعد أن أتم مائة عام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد