ليست المشكلة في اليوتيوبر الجزائري «فاروق بوجملين» المعروف باسم «ريفكا» فهو شاب يدرك ما يقوم به، وقد اكتسب شهرة واسعة من خلال نشر فيديوهات عبر مواقع التواصل الاجتماعي يصفها معجبون به أنها كوميدية، مكنته في الآونة الأخيرة من حشد الآلاف من متابعيه في حفل عيد ميلاده بساحة «رياض الفتح» في الجزائر العاصمة.

وليست المشكلة في أن وزير الثقافة الشاعر «عز الدين ميهوبي» قد أشاد بـ«ريفكا» وأبدى كل الإعجاب به لا لكونه موهوبًا في التعبير عن نفسه، بل لقدرته على استقطاب الأعداد الهائلة من الشباب في بلاده. وهكذا فإن الوزير «ميهوبي» لم ينظر إلى «ريفكا» باعتباره مبدعًا، ولكن نظر إليه بوصفه شخصًا مشهورًا، وربما وجب استغلال شهرته، وهذا في حد ذاته، ليس سيئًا جدًا جدًا، وبالتالي فالمشكلة أيضًا ليست هنا؛ فأين تكمن يا ترى؟

في المدّة الأخيرة حدث جدل كبير في الجزائر حول استدعاء الممثل الفرنسي «جيرار ديبرديو» لتمثيل دور الداي حسين في فيلم «أحمد باي»، ولم يتم تبرير اختيار هذا الممثل إلا لكونه مشهورًا، (عالميًا) فيما يبدو «ريفكا» مشهورًا على المستوى المحلي فقط، وكل هذا يجري في غياب أي طرح فني يمكن أن يقدمه مخرج الفيلم «جمال شورجه» باتفاق مسبق مع المنتج فيما تكون الجهة الوصية (الوزارة) حريصة على تنفيذ المشروع على أكمل وجه.

سيقول قائل؛ إن «جيرار ديبرديو» فنان من الطراز الكبير، وهذا صحيح ولا مجال لنكرانه، ولكن من حقنا أن نفترض أن كاتب السيناريو كبير أيضا أو على الأقل مشهور، وهذا غير صحيح بالنظر إلى تصريح له سنورده لاحقًا.
إننا أمام حالة من الاختلال، وهذا يشبه تمامًا أن يكون لديك فريق كرة قدم يلعب في المستوى الأدنى، ثم تقوم بجلب لاعب كبير هو (ديبرديو) ومدير فني (المخرج) وتتوقع منهما أن يساعداك على ربح جميع المباريات وهذا هو الوهم بعينه.

مهما يكن فثمة احتمال يبرر إهمال الرؤية الفنية للفيلم باعتماد رؤية المنتجة (سميرة حاج جيلالي) التي صرحت لجريدة النصر الجزائرية يوم الأحد، 30 يوليو (تموز) 2017، بأنها اختارت مخرجًا إيرانيًا لإضفاء طابع العالمية على الفيلم. وفي الحوار ذاته أعلنت أنها في وقت سابق تحدثت مع المخرج التونسي «شوقي الماجري» «الذي كانت لديه ارتباطات تحول دون تفرغه..»… والسؤال هل تحدثت المنتجة أيضًا مع «الماجري» لإضفاء طابع العالمية على الفيلم؟

إذا كان الأمر كذلك فهي كلما تحدثت مع أي شخص غير جزائري فهي تفعل ذلك «لإضفاء طابع العالمية» على أي شيء يمكن إضفاء طابع العالمية عليه.

لكن مهلًا فثمة احتمال آخر يمكن أن يبرر إهمال الرؤية الفنية للفيلم (الذي سيمثل «ديبرديو» أحد أدواره وليس الفيلم المقترح على «ريفكا»)، أقول (احتمال آخر)، يقع تحت عنوان: تعميق التعاون السينمائي بين الجزائر وإيران.

نشر موقع قناة العالم الإيرانية يوم الأحد 5 أغسطس(آب) 2018، خبرًا عن الفيلم استند فيه المحرر إلى تصريحات كاتب السيناريو «رابح ظريف» الذي عبر عن سعادته «للاحتكاك بتجارب سينمائية أخرى»، فبعد تعامله مع المخرج السوري «باسل الخطيب» ها هو يتعامل «مع تجربة جديدة هي التجربة الإيرانية». وهكذا فمن الواضح أن الغاية من الفيلم (بالنسبة لـ«ظريف») هي تحقيق أكبر قدر ممكن من الاحتكاك، وتلك غاية شخصية عبر عنها بروح من التواضع، لتطوير موهبته، لكنها في كل الحالات لا تمت بصلة لموضوع (العالمية).

ثمة العشرات من الحجج التي تثبت غياب رؤية فنية إخراجية من خلال خطوة اختيار «جيرار ديبرديو» لتمثيل دور في فيلم «أحمد باي»، وغياب الهدف أيضًا، وكل ما يقال هو تبريرات متناقضة ومتضاربة. كما لا يوجد أي رؤية مسؤولة لاختيار مخرج إيراني، سواء كانت فنية أو حتى سياسية، إذا وضعنا في الحسبان معادلة الصراع بالمنطقة؛ (معسكر الممانعة من جهة ومعسكر التطبيع من جهة أخرى).

والحاصل لدينا، أن الفريق المكلف بإنجاز الفيلم سيحقق على الأرجح هدفًا واحدًا، وهو الحصول على المزيد من صور السيلفي مع ابتسامات السعادة اللزجة بالقرب من شخصيات مشهورة.
هيا نعد إلى السؤال بشأن «ريفكا»؛ أين تكمن المشكلة في اختياره؟

الجواب: المشكلة تكمن في كون الوزير يختار الممثلين دون اتباع المقاييس المتعارف عليها، وهو يكتفي باتخاذ خطوات عشوائية ارتجالية ويطلب من المنتج وكاتب السيناريو والممثلين والصحفيين الموالين له أن يدافعوا عن اختياره، وعندما يفشلون يرفعون شعار؛ (العالمية).
«ريفكا» المرح هنيئًا لك!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد