أن تأتي متأخرًا خيرٌ من ألَّا تأتي على الإطلاق. هل هذا ما رمى إليه جورباتشوف؟ ولماذا تهاوى الاتحاد السوفيتي ميتًا بين يدي طبيبه جورباتشوف؟

في ظروف غامضة قُتِلَ، كولاكوف، الرجل الذي كان يتأهب لتسلُّم مهامه سكرتيرًا في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي. طُرِح اسم ميخائيل جورباتشوف على الفور، وبتزكية من يوري أندروبوف رئيس المخابرات بالاتحاد السوفيتي بديلًا عن كولاكوف. كان أندروبوف قد التقى جورباتشوف قبل ذلك غير مرة، وقد تملَّكه الإعجاب بهذا الشاب المثقف المرن في تناوله للقضايا المتباينة.

لقد استقر في نفس أندروبوف منذ المرة الأولى التي التقيا فيها عام 1978 أن جورباتشوف -هذا الشاب الذي لا يعرفه الكثيرون خارج ستافروبول- سيصبح رجل المرحلة قريبًا. خلال هذا التعارف كان جورباتشوف يشغل منصف رئيس الحزب الشيوعي في ستافروبول، وكان أندروبوف ساخطًا على تصرفات بريجينيف، ويرى أنه سيسقط من عرش الشيوعية قريبًا؛ فأخذ يلمِّعُ نجم جورباتشوف استشرافًا لما سيجري في الأيام القادمة.

جاء جورباتشوف من أسرة تمتهن الزراعة؛ فكان يهتم بالزراعة وينتقد الطرق البدائية التي تُجهِد الفلاحين، وطالب غير مرة بتحسين أوضاعهم، والاهتمام بتزويدهم بالأسمدة والمخصبات التي ترفع إنتاجية محاصيلهم. كتب جورباتشوف مذكرة نارية تحوي عددًا من النقاط التي من شأنها إصلاح النظام الزراعي في الاتحاد السوفيتي، انتقد الإسراف الذي يتبعه بعض المسؤولين في غير محله، ووبخهم لاستغلال البعض لنفوذه في مجاملة الأهل والأقارب وإن كانوا غير مؤهلين، وأوعز إليهم بانتشار روائح العفن والفساد المالي والإداري من مكاتب كبار المسؤولين في اللجنة المركزية. فعل جورباتشوف كل هذا ولم يطرق بابه زوار الفجر؛ لأنه كان قد حاز على إعجاب رئيس المخابرات مما أمدَّه بحصانة قوية.

صناعة النجوم أمر ليس بالصعوبة التي يتوهمها الكثيرون، فكما أن بعض التافهين يُصدِّرهم لنا الإعلام؛ ليصبحوا قدوات ويحتذي بهم الشباب، كذلك فإن الموهوبين إذا ما وجدوا تربةً خصبةً تحتضن مواهبهم يصبح في طوقهم الوصول لمرحلة النجومية، ولست بذلك أساوي بين الفريقين؛ إنما أدلِّلُ على أهمية مساندة الكبار وأهل الخبرة للشباب الطموح الذي يستحق أن يجد مكانًا له في الساحة، ربما هضمه التافهون دون وجه حق. ولأن أندروبوف رأى في جورباتشوف الأمل الذي ينتظره الاتحاد السوفيتي؛ فقد أرشد أندروبوف لدراسة العلاقات الخارجية وسبل تطويرها مع العالم كله، والقوى العظمى المنافسة على وجه الخصوص. تأسيسًا على نصائح أندروبوف عكف جورباتشوف على قراءة وتحليل الأوضاع القائمة وسبل تحسينها، ثم خرج في رحلات لعدد من الدول الأوروبية.

رحل بريجينيف في نوفمبر 1982 وقد صدقت نبؤة أندروبوف؛ واتجهت الأنظار لجورباتشوف وبقوةٍ أكبر مما كانت عليه من قبل. المكتب السياسي للحزب الشيوعي يضم تسعين عضوًا، ولكن جورباتشوف كان يملك كاريزما لم تتوافر لأغلب من ينافسونه في هذا المكتب، كما امتاز بقوة الإقناع والمرونة التي افتقدها زملاؤه في المكتب؛ مما ساعده على اقتناص منصب السكرتير العام للحزب الشيوعي عام 1985، وتواترت الأحداث على النسق جزئيًّا كما أراد لها أندروبوف. كانت التحديات الكبيرة في استقبال جورباتشوف، ولكنه قد أعد نفسه للتعامل مع أشد الأوضاع السياسية سوءًا؛ فانبرى يشجع على حرية الرأي، وحارب البيروقراطية، وشارك في تهيئة الرأي العام للتغيير، وكانت أوروبا تنظر لتحركاته على أنها انفراجٌ في تاريخ الشيوعية المقيت.

عزز جورباتشوف الانطباع العام العالمي حول انفتاحه على العالم من خلال رسائل ضمنية عديدة؛ فقد كان يفتخر بأنه يرتدي ملابسه من لندن، وتتربع على معصم يده ساعة ذهبية، ويفضل ماء الكولونيا الألمانية، والجوارب الإيطالية، ورباط العنق الأمريكي.

ثم كتب جورباتشوف نهاية الاتحاد السوفيتي للأبد، وأحدث تغييرًا جذريًّا في النظام الشيوعي العالمي، وإن كان المتربصون بالدول العربية والناقمون على الإسلام يبحثون في عزمٍ لا يلين عمن يوكلون إليه مهمة تدمير البيت من داخله، وقطع الشجرة بأحد أغصانها؛ فإن جورباتشوف يعد المثال الأكثر إيلامًا في تاريخ الشيوعية. كان جورباتشوف الرجل الشيوعي الذي صفع الشيوعية، تمامًا كما صفع أنتوني فلو الملحدين في العالم كله، بعدما قادهم إلى الهاوية ثم قال لهم بلسان حاله قبيل مغادرته للدنيا: «إني بريء منكم». ففي الوقت الذي كانت الدول المنضوية تحت لواء الشيوعية ترزح وتئن من الظلم والقهر، وكانت تصرخ في صمت من حكم الفرد المستعبد لكل هؤلاء، وهو يغتصب كرامتهم بشعاراتٍ يدوسه بأقدامه، ويرسُفُ في أغلال النعيم والترف دون أن يعبأ بما يكابدونه من أهوال.

كان إريك هنري الشيوعي الذي عصر ألمانية الشرقية وأجهض خيرها، وفرض عليها حائطًا كتم به أنفاسها، وقصم به ظهرها ليفصل ألمانيا نصفين في الثالث من أغسطس 1961، ورأى بأم عينيه من المآسي والمخازي ما يعجز عن وصفها البيان. كل ذلك وقع للألمانيين والرجل الذي صدع قلوبهم وأدمغتهم بالحديث عن العدل والمساواة، هو نفسه تاجر المخدرات والمليونير في ثياب الشيوعي المنقذ! كانت رومانيا تحتضر في سرير شاوشيسكو وهو يقدِّم لها العلاج الهزلي من خلال عرض المسرحيات، وإقامة المهرجانات التي استنزفت جيوب البسطاء! لم تستنزف المسرحيات التي تمجد شاوشيسكو خزينة الدولة؛ فكانت اختلاسات كبار رجالات الدولة تضمن ذلك، وكانت أحذية السيدة الأولى في رومانيا تتكفل بذلك.

تأسف جورباتشوف لما آلت إليه أحوال الأراضي التي صبغتها الشيوعية بالذل والفقر والعجز قبل أن تصبغها بلون البلشفية الأحمر، وكأن لسان حاله وهو يرى ذلك: «أينما وجهت بصرك في ظل الشيوعية لا ترى خيرًا»، ولأنه قد درس السياسة الخارجية جيدًا كما أوصاه أندروبوف؛ فقد لاحت في أفق عقله فكرةٌ ربما تنقذ ما يمكن إنقاذه، فصبَّ جُلَّ اهتمامه بإصلاح سياسة الاتحاد السوفيتي، وتوطيد علاقاته مع العالم من حوله. لخص جورباتشوف سياسيته الإصلاحية في كلمتين، أو إن شئت فقل: فلسفتين؛ الأولى «البروسترويكا» وتعني إعادة البناء أو الإصلاح، والثانية «الجلاسنوست» وهي الشفافية أو الوضوح والمصارحة.

جاءت فلسفة جورباتشوف في اللحظات الأخيرة من احتضار جسد الشيوعية؛ فلم تنتفع الشيوعية بالبروسترويكا والجلاسنوست، رسم جورباتشوف خطته الإصلاحية بعدما اتَّسعَ الخرق على الراتق.

ساق جورباتشوف فلسفتيه للرأي العام عبر كتابٍ حمل عنوان «البروسترويكا»، وذاع صيت الكتاب في العالم أجمع؛ حتى طبع في مائة دولة، وفي أمريكا تولت دار نشر ذائعة الصيت ترجمته وطباعته. بلغت عدد النسخ المطبوعة من كتاب جورباتشوف مليوني نسخة خلال أشهرٍ قليلة من إصداره، وقد خصص جورباتشوف إيرادات الكتاب لميزانية الحزب الشيوعي، وتحسين الأوضاع الاجتماعية، وأرسل مساعداتٍ لضحايا زلزال أرمينيا وطاجيكستان، وشيد حديقة للأطفال في موسكو. فعل كل ذلك بعدما تكاثرت الظباءُ على خراشٍ، وقد أعطى الجمهور ظهره للمسرح؛ فلم يعد بإمكان جورباتشوف تحقيق ما أراده، الإصلاح إن جاء متأخرًا جدًّا فلا طائل منه.

ارتكز جورباتشوف في كتابه على ثلاثة مبادئ: التعاون الدولي، والكفاءة الاقتصادية، والديمقراطية السياسية. كان يبحث عن تغيير حقيقي، التغيير الذي انتهجه جورباتشوف يتسق مع ما يعتنقه من فكر، وليس شعار حزب يمثله. فقبل سنوات أرسلت الشيوعية سيلًا من الجيش الأحمر ليؤدب حركة ربيع 1968 التي مرقت عن المنهج الشيوعي في براغ، ثم أردفت بإرسال 73 ألف جندي مدجج بالسلاج لإرغام تشيكوسلوفاكيا على الخنوع والخضوع للبلاشفة، أما جورباتشوف فقد خفَّضَ من عدد القوات الشيوعية في أوروبا ووضع توقيتًا لانسحابها الكامل والتزم به، وسحب قواته من الصين وأفغانستان، وأجريت بمباركته انتخابات في بولندا، وهُزِمَ الحزب الشيوعي في المجر، ومزقت رومانيا الاشتراكية وأسقطتها من التعريف الرسمي للدولة، وأثبتَ جورباتشوف للعالم أن كتابه لم يكن للاستهلاك المحلي، ولم يكن كتابه مخدِّرًا موضعيًّا، بل كان منهجًا ساعد العالم على تخطي محنة كابدتها أجيال منذ أن كتب كارل ماركس كتابه المأفون.

ينظر العالم لميخائيل جورباتشوف على أنه أسطورة؛ لأنه قدَّم للدنيا مثالًا في تحقيق مصلحة الشعوب على المجد الشخصي الذي يروق للزعماء والقادة الآخرين. البعض ينتشي إذا ما زادت رقعة دولته في عهده بجزيرةٍ أو جزيرتين، وقد يحارب أخاه الذي استنجد به يومًا لطرد عدوٍ مشترك؛ فإذا به يُجهزُ عليه ويحتل أرضه! كالمستجيرِ بعمروٍ عند كربته! لم يطرب جورباتشوف لسخافة الحفاظ على تمدُّدِ الاتحاد السوفيتي التي هوست من قبله، وآثر حقوق الناس على أن يقترن اسمه بسابقيه ممن فرضوا حيلهم وحبالهم على مصائر العالم. لم يكن جورباتشوف ملاكًا، ولست من أنصاره ولا من أنصار الشيوعية، ولكن التاريخ لا يغفر للظالمين، وينصف المقسطين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد