إنني – وفي كثير من الأحيان – ألج بعض العوالم الكتابية متأخرة بعض الشيء، أدق الباب على استحياء، أحيانًا ينفتح لي الباب مصحوبًا بترحاب، وأحيانًا أخرى يوصد العالم بأكمله أمامي، كان عالم «ميلان كونديرا» بين بين؛ منذ الرواية الأخرى أخافني، أربكني عالمه، وخِفت شخصياته، كدوستويفسكي تشعر تمامًا حيال ميلان كونديرا، شعورًا عميقًا بالصداقة، ولكنه صديق ملحاح، كثير السؤال، يحلو له أن يعري حالات صديقه النفسية ويجلس ليتفرج عليه.

الرواية ككل ليست إلا استجوابًا طويلًا،استجوابًا تأمليًا،أو تأملا استجوابيًّا،هي القاعدة التي بَنَيّتُ عليها رواياتي كلها -ميلان كونديرا.

كان كونديرا يستجوبني في كل رواية بشكل مرعب، عن كل تلك الأشياء التي أخزنها في مكان بعيد وأغلق عليها، ولا أرغب في التفكير فيها، يظل ينكأ كل تلك الجروح الغائرة، والتساؤلات البعيدة بعد النسيان، وحين أوشك أن أبوح، يأخذ الدور مني عنوة، يتكلم كثيرًا ويؤرخ للمصطلحات، ويعيد الكرة في كل مرة، يقوم بتعرية أفكاره بمنتهى الصراحة التي قد تقشعر لها الروح، فاضحًا كل شيء وكل رغبة، ساخرًا في نفس الوقت، لا تملك إلا أن تبتلع كلماته.

«بَيْد أن الناس كافّة يأسفون لعدم تمكّنهم من عَيْش حيواتٍ أخرى غير عيشتهم الوحيدة الفريدة. أتريدون أنتم أيضًا أن تعيشوا كل حيواتكم الافتراضية التي لم تتحقق؟ كل حيواتكم الممكنة؟ فروايتنا تُشبهكم، هي أيضا تتوق لأن تكون رواياتٍ أخرى، تلك التي كان من المحتمل أن تكونها،و لم تَكُنْها» –ميلان كونديرا

دومًا كان مبدئي أن (الكاتب لابد أن يكون مجنونًا؛ الكتاب المجانين يكتبون جيدا)

وبهذه الجرأة التي يكتب بها ميلان، وهذا الجنون الذي يقول ما يريد قوله بلا مواربة، وبلا استئذان، والكتابة الجامحة التي لا تخجل شيئًا، وهذه الشذرات الفلسفية والأسلوب الساخر من كل شيء على الدوام، استحق كونديرا اللقب، على مضض بالطبع؛ إذ أجبرني على قراءته مندهشة بهذ الجاذبية، وبي بعض من التقزز في كثير من الأحيان.

لا بد أن يكون الكتاب كالفأس لبحر الجليد الذي يسكننا، هذا ما أؤمن به. -كافكا

في خمس روايات غير تقليدية البناء، قرأتها له تباعًا، كان السرد متماسكًا والبناء الأدبي محكمًا، وكانت الترجمة جيدة، أما ما لفتني فهو التكثيف الروائي، وهذا الحشد للمشاهد الروائية، كانت جميع النصوص متوترة، وإن كنت – بشكل شخصي – لم أستسغ النهايات، في كل مرة تصدمني بأرض صلبة بعد علو شاهق.

ما نحب ونخشى فقدانه، هاجس دائمًا يطرحه كونديرا في رواياته، كل شخصية لديها شيء تخاف من فقدانه وتتعذب حتى وهو بين يديها، مما يجعل تصرفاتها مشوبة بالحذر أحيانًا، محكومة بعقدة ذنب وهمية أحيانًا أخرى، خوف الفقد من أكثر المشاعر الصعبة التي قد يختبرها إنسان ويكون مجبرا على التعايش معها، كقارئة اختنقت بهذا التجسيد الدقيق بأسلوب صريح وأحيانًا فظ في أكثر من رواية لكونديرا.

كائن لا تحتمل خفته: هل الثقل حقا فظيع؟ وجميلة هي الخفة؟

الحياة الإنسانية لا تحدث إلا مرة واحدة،ولن يكون في وسعنا أبدًا أن نتحقق أي قرار هو الجيد وأي قرار هو السيئ، لأننا في كل الحالات لا يمكننا إلا أن نقرر مرة واحدة؛لأنه لم تعط لنا حياة ثانية أو ثالثة حتى نستطيع أن نقارن بين قرارات مختلفة.

ماذا علينا أن نختار؟ الخفة أم الثقل؟

هل يصير توماس أكثر خفة حين يتخلى طوعًا عن وظيفته، وطموحه، جراء موقفه السياسي، لينتهي به الأمر حاملًا «دلوًا وممسحة» ينظف بيوت براغ؟ هل كسب نفسه والخفة، أم خسرها ولم تفده الخفة بشيء.

تبرر شخصيات كونديرا دومًا لنفسها تصرفاتها، تبرر تيريزا لنفسها استدراجها لشفقة توماس، تبرر أنانيتها معه وحب السيطرة الذي يتملكها، جعلته الطرف الأضعف الذي يبرر دومًا ويخفي، ويواسي، ويقسم مخلصًا على صدق حبه، في حين كان توماس يهرب من كل ثقل في حياته، كانت تيريزا تثقله، تلك الطفلة التي أُلقيت في سلة على شاطئه كما يصورها دائمًا، فقدا حياتهما والمستقبل بسبب كل هذا ولم يفقدا وجودهما سويا، ولكن هل أسعدتها هذه الخفة؟

تترك هذه الرواية تساؤلات معلقة لا إجابة لها، هل حقا الخفة قد لا تُحتمل؟ وكيف نتأكد أن خياراتنا في هذه الحياة هي الصحيحة، وأننا لم نضيع الفرصة الوحيدة التي مُنحناها في حياتنا القصيرة؟ «فمأساتها ليست مأساة الثقل إنما مأساة الخفة. والحمل الذي سقط فوقها لم يكن حملًا بل كان خفة الكائن التي لا تطاق».

الهوية: الخيط الرفيع بين الذات والآخر

«لم يعد الرجال يلتفتون إليَّ»، هذه الجملة التقريرية التي تلقفها جان مارك من فم شانتال اليائس، هي ما صنعت الحبكة الروائية. تُطرح التساؤلات كعادة كونديرا عن الهوية الذاتية والقدرة على أداء الأدوار المختلفة، ومدى القدرة على التكيف مع المحيط الخارجي، من خلال قصة بسيطة مرنة استوعبت هذه الأسئلة ببساطة.

«أنا أتعقبك مثل جاسوس، أنت جميلة، جميلة جدًا». يقرر جان مارك أن يلعب دور العشيق المجهول، بأن يودع صندوق بريد شانتال رسائل غرامية تعيد لها الثقة بنفسها.

كانت اللعبة تقي أن يُرسل رسالة واحدة، ولكن توالت الرسائل تباعًا، وانقلبت حياة شانتال رأسًا على عقب، وتكدست الرسائل في خزانتها، الأمر الذي لم يحسب جان مارك له حسابًا.

– كيف نتألم من غياب شخص حاضر أمامنا؟ يمكن الشعور بألم الحنين مع وجود المحبوب إذا كنا نتوقع اختفاءه في المستقبل، إذا كان موته حاضرًا سلفًا في شكل ضمني.

كان هذا الخوف ما يحكم جان مارك، كان يتصور أن شانتال لن تعود موجودة في أي لحظة متوقعة قادمة، بدأت اللعبة محكومة بهذه المسلمة الخاطئة التي سيطرت على عقله، كانت ذاته تشعر بضعف نحو شانتال، كان يفكر كثيرًا في أنه نال فرصة لا يستحقها، هواجس عقله التي لم يجب عليها بشكل قاطع ومباشر سوى جملة شانتال الحنون في النهاية «لن أحول بصري عنك، سأنظر إليك من دون انقطاع، سأترك القنديل مضاء كل الليل، كل الليالي».

يتتبع كونديرا تفاصيل الحياة اليومية بمنتهى الدقة التي قد تصل إلى حد التقزز، كما يهتم بوصف المشاعر لا الملامح، أن ينفذ إلى عمق القصة مباشرة بلا تأجيل أو طول وصف.

حفلة التفاهة: حين تقع في حب التفاهة

«أدركنا منذ زمن طويل أنه لم يعد بالإمكان قلب هذا العالم، ولا تغييره للأفضل، ولا إيقاف جريانه البائس للأمام، لم يكن هناك سوى مقاومة وحيدة ممكنة، ألا نأخذه على محمل الجد».

يبدأ رواياته دائمًا بمفارقات غريبة، وتحليلات صادمة وأحيانًا يستغرق في شرح مصطلح لغوي، في هذه الرواية أفرد كونديرا مساحة كبيرة في بدايتها للمصادر الإيروتيكية للرجل، رابطاُ ما بين الإيروتيكية ومعاناة العالم، عبر «آلان» – الرجل المعتذر دوما، مدفوعًا بعقدة ذنب تلاحقه أينما سار – الذي كان يفضل «السرة» كمركز للإغواء الأنثوي، ولا يعلم لماذا، لنتبين فيما بعد عقدته مع أمه؛ التي نظرت إلى سرته وهو صغير يلعب طويلًا ثم مضت بغير رجعة، بنظرة فرويدية أو ربما هي سابقة له، يفسر كل آلام العالم بهذا الجزء «السرة».

تعتمد الرواية على الدمج بين الخيال والواقع في علاقة «آلان» المبتسرة بأمه، أحيانًا يبرر لها رحيلها المباغت، وأحيانًا أخرى يناصبها العداء، عبر حوارات متخيلة معها، فنرى نحن القراء الصورة بعين «آلان» فقط.

تتقاطع الشخصيات وتتمازج لنخلص في النهاية أن التفاهة هي جوهر الوجود أو هكذا يرى كونديرا؛ فهي حاضرة في كل الأماكن التي لا يرغب أن يراها أحد، في المعارك، في الفظائع، في أسوأ المصائب، ولهذا لابد أن نتعلم حبها، لأن التفاهة هي الحياة بذاتها، وإلا كيف يُرسل شخص إلى العالم بغير إرادته، فالتفاهة هي الأكثر منطقية بحسب برؤيته في قلب الجدية المفتعلة.

الجهل: إشكالية «الحنين» إلى الوطن

«الحنين ألم الجهل. أنت بعيد، ولا أعلم عنك شيئا. بلدي بعيد ولا أعرف ماذا يجري فيه»، يستغرق كونديرا في شرح تعبير «الجهل» اللغوي، ثم ينتقل للقصة التي تعبر عن مأساة المنفى من خلال شخصيتين محوريتين «إرينا، وجوزيف»، قُدر لهما أن ينفيهما الوطن والتاريخ، فتتحدد الإشكالية بوضوح «هل الوطن هو الوطن الذي ولدنا فيه، أم أن الوطن هو الذي يتحقق فيه الإنسان وتتحدد هويته الذاتية وعلاقته القوية بها؟».

«كلما كان الزمن الذي نخلفه وراءنا أكبر، كلما أصبح الصوت الذي يحثنا على العودة لا يقاوم»، نوستالجيا العودة واجترار الذكريات عامل مشترك بين كل المهاجرين جميعهم دون استثناء حتى ذلك الذي يدعي انسلاخًا كاذبًا عن الوطن، يظل يفكر في وطنه كيف صار، وهل عند عودته سيكون وطنه كما تركه، أم أن كل شيء سيتغير؟!

حين يقرران العودة ثانيةً للوطن بعد مضي كل هذا الوقت، تنتابهما مشاعر متناقضة، إرينا تشعر بأنها صارت غريبة عن وطنهما، كما صار من الصعب العودة لمحل هجرتها، الصورة المشوهة عن العودة نراها بوضوح هنا، الوحشة والاغتراب والخيبة، أن يعاملك مواطنوك كغريب، وبنوع من التباهي يتذكرون أشياء مضت، وعلى الغريب أن يلتزم الجهل، جهل بالماضي وبالتغيرات وبالأشخاص أنفسهم، تصير العلاقات جميعها هشة، ويصير الوطن منفىً آخر.

فالس الوداع: هل دومًا هناك فرصة أخرى لحياة أفضل؟!

تبدأ الرواية بروزينا الممرضة في مدينة مياه معدنية صغيرة في تشيكوسلوفاكيا، التي تكتشف حملها وترجح أنه من عازف شهير زار المدينة لمدة ليلة واحدة، حين تحاول الاتصال به يتهرب منها، إذ يحكمه عشقه المشوب بعقدة الذنب تجاه زوجته.

روزينا شخصية طموح، ولكنها لا تفكر إلا بنفسها فقط، تبدو للبعض قاسية من الخارج بلا مشاعر، ولكن هذا يجانب الحقيقة أيضًا، فروزينا واقعة في هذا الصراع الأبدي بين الوجه الجمالي والمادي للعالم، حين تقع في الحب حقًا وتقرر أن تتخلى عن حملها، وعن تهديدها للعازف، تكون هي نفسها اللحظة التي تتأزم فيها أحداث الرواية، وتتناول روزينا حبة السم الزرقاء ليتوقف مسار كل شيء، الحب والطموح، والمستقبل.

السؤال الأعمق في هذه الرواية الذي يجسد جزءًا من عذاباتنا الوجودية، «هل يجوز لنا أن نصدق أوهامنا، ونأمل أن تقودنا لحياة أفضل؟».

ما يميز هذه الرواية قدرة كونديرا على مزج الشخصيات ببعضها البعض، لتتشابك المصائر، وتؤثر كل شخصية في الأخرى بشكل أو بآخر.

قراءة كونديرا مرهقة جدا، مزعجة أشبه بكابوس، لكنه كابوس يغير حياتك كلها، ويجبرك على إعادة قراءة نفسك وهواجسك من جديد، أشبه بلحن خافت قادم من بعيد لكنه يتكرر باستمرار حتى أصابك بخدر خفيف، لا تملك أن توقفه كالقدر تمامًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد