في 14 مايو (أيار) 2018 تم افتتاح السفارة الامريكية في القدس تماشيا مع ذكرى إعلان قيام دولة الاحتلال 1948. اختير ذلك التاريخ تحديدًا بما له من دلالات مأساوية كي تقام فيه أول صلاة مشتركة في بلاد العرب، للدعاء من أجل خلاص العالم من فيروس كورونا.. وذلك ببلدة المختارة في لبنان 2020، بناء على دعوة أطلقتها اللجنة العليا للأخوة الإنسانية، التي تتخذ من الإمارات مقرًا لها، تحت رعاية البابا فرنسيس، بابا الفاتيكان، وشيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب. وكان كل منهما قد وقع 2019 وثيقة الأخوة الإنسانية في الإمارات برعاية ولي عهد أبوظبي، والتي سوف يفتتح بها معبد الديانات الإبراهيمية الثلاث العام القادم بحسب ما صرح به مؤخرًا سفير الإمارات لدى روسيا.

في الأيام القليلة الماضية تبلورت تلك الفكرة حين أقيمت ما أسموها صلاة أبناء وبنات إبراهيم في ختام اللقاء بين الأديان في مدينة أور العراقية. وقد اختيرت المدينة باعتبارها مسقط رأس نبي الله إبراهيم كي تكون مهدًا لدينهم الجديد الذي أسموه بالإبراهيمية، ومحجًا لأتباعه. وتتضح معالم ذلك الدين الجديد من خلال تفاصيل الصلاة المشتركة التي ترأسها بابا الفاتيكان وشارك معه فيها اتباع اليهودية والإسلام الشيعي، وكذلك ممثلين عن الأيزيديين، والصابئة، والمندائيين. الجميع يؤمن على دعاء البابا وصلاته.

وكان شيخ الأزهر قد رحب بالزيارة التاريخية لبابا الفاتيكان إلى العراق معتبرًا أنها تعد تطبيقًا عمليًا لوثيقة الأخوة الإنسانية. في تلك الزيارة لم يلتق البابا أي من الرموز الدينية السنية، واكتفى بلقاء المرجع الشيعي على السيستاني، حيث ذهب لزيارته في النجف. غير أن السيستاني لم يوقع على وثيقة الأخوة كما فعل شيخ الأزهر؛ ومع ذلك شارك الشيعة في الصلاة الإبراهيمية. فهل يشارك أزهريون مستقبلًا في صلوات مماثلة؟

بدأ مصطلح الإبراهيمية يتردد بكثرة بعد اتفاقات التطبيع العربية الأخيرة مع الكيان الصهيوني، والتي يطلق عليها اتفاقات إبراهام، أو الاتفاقيات الإبراهيمية. وذلك ضمن إستراتيجية كبرى بدأ تنفيذها مع مطلع الألفية من خلال ما يعرف بالدبلوماسية الروحية (من بداية البحث حتى صفحة 70)، بأن تشارك رموز الديانة الجديدة إلى جانب الساسة بدعم مفاوضات السلام ورسم الخريطة السياسية وحل مشكلاتها وفق الرؤية الغربية.

مخطط يموله صندوق النقد والبنك الدولي من خلال برامج الأمم المتحدة للتنمية المستدامة.. وعاظ يتحدثون عن نشر التسامح والسلام وضرورة إعطاء الحق للشعوب الأصلية دون تحديد ماهية هذه الشعوب. بعدها يأتى دور الساسة ليشتركوا مع الكهان لإبراز أصحاب الحق باعتبارهم اليهود. وإعطاء مبررات دينية مكذوبة يتخذها الساسة مدخلًا لتنفيذ ما يسمى بالدولة الإبراهيمية! لذلك لا نستطيع الفصل بين الاتفاقات الإبراهيمية للسلام التي أبرمت حديثًا وما يبشرون به من دين عالمي جديد له أتباع ومريدون، شاهدنا جزءًا من صلاتهم، وربما نقرأ عن كتابهم المقدس.

سلام وتطبيع مع العدو تقوم به أنظمة عربية وإسلامية تصاحبه مشروعات تنموية وخدمية لترسيخ مفاهيم مغلوطة وخبيثة تحمل في ظاهرها معان الأخوة والتعايش والتسامح، بينما في باطنها تمكن لمغتصبي الأرض، وتمنحهم ما ليس ملكًا لهم. محاولات بائسة مستميتة تعمل على محو كلمة القدس من تاريخنا واستبدالها بمفهوم المدينة الإبراهيمية تمهيدًا لفرض واقع جديد على الأجيال الناشئة.

بعد ثورات الربيع العربي وانتشار الفوضى في المنطقة تم الترويج لموجة أكبر من العلمانية الشرسة صاحبها تضخيم ظواهر الإلحاد واللاأدرية والتشكيك في الدين بكل السبل، حتى ينفر الناس من الدين بإعتباره سببا لمعاناتهم وضلعًا أساسيًا في كل صراعاتهم.. ومن ثم يكون المستهدفون مهيئين لقبول فكرة الدين العالمى الجديد. فالإبراهيمية التي يروجون لها هي العلمانية في ذاتها، وفكرة عولمة الدين مقابل عالمية الإسلام – الصاعد رغم كل المؤمرات – ليست بجديدة.

في بداية القرن الثالث عشر الميلادى أراد جنكيزخان بعد توسيع إمبراطوريته أن يفرض الياسق على كل من فيها، والياسق هذا كتاب اخترعه يشمل قواعد من اليهودية، والمسيحية، والإسلام، طبقها قهرًا على كل مواطني الإمبراطورية، وطبقها من بعده بعض أبنائه، ومنهم من ادعى الإسلام. وقد حارب ابن تيمية هذا الكتاب، ومن يحتكمون إليه ووقف لهم بالمرصاد.. فهل ما نحن فيه هو محاولات لاستدعاء الياسق من جديد؟

فيا من تتدعون محبة نبي الله إبراهيم في قلوبكم، اعلموا أنه تلق من الله صحف أولى، ولم يدع أنه جاء ليبلغ دين اسمه الإبراهيمية، بل كان موحدًا حنيفًا «ما كان إبراهيم يهوديًا ولا نصرانيًا، ولكن كان حنيفًا مسلمًا وما كان من المشركين». هذا ما نعتقده كمسلمين، ولا يمكن أن نرتد بعده على أعقابنا خائبين. وإذا بحثتم صادقين عن السلام، والتكافل، والتسامح، وإعادة الحقوق لأصحابها فالقرآن يقدم لكم دعوة صريحة «قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ». فالتوحيد هو القاعدة التي انطلق منها إبراهيم عليه السلام، ومن بعده جميع الأنبياء والرسل، وصولًا إلى محمد عليه الصلاة والسلام، الذي أكمل الرسالة وأدى الأمانة. توحيد الألوهية هو المشترك الأبرز والأسمى بين الأنبياء جميعًا الذي تستمد منه الأخلاق القويمة والأخوة الحقيقية، أما ما دون ذلك فربما تجدونه عند فلاسفة الإغريق، واليونان، أو فلاسفة العرب، وليس عند الأنبياء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد