الإنسان سبَبٌ لِوجود الأرض ومَا حولها، ومَا كانت الأرض ومَا حوتْ سبَبًا لِوجود الإنسان، إنه الإنسان الذي مِن أَجْله مُهدت الأرض وجَرت الأنهار، ونَضُجت الثمار، ورَست الجبال، وَأَبحرت السفن في عبق البحار، وتغدو وتروح الرياح مُعْلِنة للإنسان أنَّ هناك دَيَّان له ولما حوله من الظواهر الطبيعية، التي لو أَمْعن قليلا في حَركتها بالعقل الذي وَهبه له الديان لرأى ملكوت السماوات والأرض يسير بحركة منتظمة يصعب على الكوكب إذا جَنَّ الليل أنْ يظل محافظًا على إشراقه دون أنْ يكون مِنَ الآفلين، فَكيف لرب يُسير هذه الطبيعة أنْ يختفي بَعد بُزوغ كَبزوغ القمر، وَكيف لرب بحجم الشمس الكبيرة صاحبةِ الضوء الذي يَقهر الظلام أنْ تَأفل في ميعاد لا تستطيع أنْ تحيد عنه وتسبح كباقي الكواكب الصغيرة والكبيرة في فَلك مُتقن النظام والحركة.

إنَّ هذا الإنسان يَحْتاج إلى قَلب وعقل حر مُتحرر مِن قيود الطبيعة، يوقن أنَّ البذرة ما كانت لتكون شجرة لولا تدخل خارجي يصعب أن يكون من المحيط نفسه الذي نَمت فيه هذه البذرة، فَكيف لصنم يعبده الإنسان يَرى قُرنائه من الأصنام  تُحَطم رؤوسهم ولا يملك حولًا ولا قوة للدفاع عنهم، أو حتى الصراخ لنجدتهم، أو حتى الإخبار بِمَن هَشَّم رأس الأصنام الرازقة الواهبة الحامية.

هذا الإنسان الذي يمتلك هذا القلب والعقل، يصعب تكراره في هذه الدنيا دون مَنهج يُخرجه مِن جاهليته البشرية المتكونة تَأثْرًا بالمحيط الذي يعيش عليه، فَيَصعب أنْ يَكون هناك نوح، أو إبراهيم، أومحمد، دون مَنهج يرشده وَيثير في عقله وقلبه مَن رب هذا الكون، وكيف تستقيم حياة الإنسان مع طبيعة هذا الكون دون الإصطدام مع طبيعة الكون القاسية، وفطرة الإنسان السوية التي جُبَل عَليها.

لِذا كان لا بدَّ للطريق مِنْ معالم يستنير بها الإنسان إنْ فَتنته زهرات الحياة الدنيا، وغَمْغَمَت على عينه مَفاتنها، وجذبته إلى عبوديتها، وَسَخَّر «ما كُرِّم وَصُوِّرَ في أَحسن تَصوير عنها» في إذلاله واستهلاك طاقته الروحية والبدنية في وهم البقاء، حتى إذا بلغ من العمر عتيًّا تخلت عنه وتركته وحيدًا يصارع بين وِدْيان الأشواك.

 يقول الله عز وجل؛ «وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً»، ويقول الله عز وجل «وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ»، خُلِق الإنسان ليقيم عبادة التحرر من نفسه وأقرانه ومن محيطه ليتفرد بدنه وروحه بعبادة خالقه، فتستوي النفس والبدن مع الهدف التي خلقت وخلق المحيط حولها من أجله، عبادة الله وحده لا شريك «لا إله إلا الله»، لتحقق الحكمة الإلهية من خلق الخلق، وهي التمايز بين عباده، فَمَن يَكُن ضمن قول الله عز وجل: «كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ»، وقوله سبحانه «وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا»، نَجا وفَلح وتَحَققت فيه الآية الكريمة «قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ».

هذا الفلاح لا يتحقق في الأمة العليلة التي تترك المنهاج الرباني الذي حررها من جاهليتها قبل الإسلام من عبادة للطبيعة المحيطة به، وعبادة لقرينه من البشر الذي لا يملك نفعًا ولا ضرًّا، لكن ما تزال هذه الجاهلية تُعَاوِد الكَرَّة مرة أخرى بِصور شتى، فَهذه المرة تعود الجاهلية في صورة استعباد الإنسان عن طريق فكرة من خياله استنتجها من المحيط المادي؛ فالشيوعية والقومية والوطنية هي مسميات لاستعباد الإنسان من أجل وهم اسمه الدولة، التي في النهاية يعود النفع على قلة يدعون أنهم هم الدولة ورمزها، وبدونهم وبدون فكرتهم يسقط الإنسان في غَيَابة الجُبِّ دَهْرًا، وهو في الحقيقة إنما يسقط في غَيَابة العبودية بِطُرقها المُلْتوِية التي ما تمكث أفكار الشيوعية والقومية والوطنية في حصاد ملايين الأرواح، وتنهار في عقول وقلوب البشر بعد النتيجة المريرة المهلكة، حتى تنتقل إلى فكرة الرأسمالية التي تجعل الأفضلية بين البشر فيمن يسبق الآلة في الإنتاج، ويستهلك وقته وبدنه من أجل أن يحصل على مالٍ أكثر فتحوله من عبودية إنسان غَيره إلى عبودية المال.

يتبع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد