بدأ النبي محمد دعوته في عُصْبة مِنْ بني جنسه، فجعل جُلَّ تركيزه أن تكون هذه الجماعة المسلمة في كل حركاتها وسكناتها نموذجًا مُطَابقا لَهُ، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو كنتُ متَّخِذًا من أهل الأرض خليلًا، لاتَّخذتُ ابن أبي قحافة خليلًا، ولكن صاحبَكم خليل الله (يعني نفسَه صلى الله عليه وسلم)». رواه مسلم. وكان يقْصد أبا بكر الصديق رضي الله عنه، ويروي لنا عبد الله بن هشام رضي الله عنه، قال: كنا مع النبي وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب، فقال له عمر: يا رسول الله، لأنت أحب إليَّ من كل شيء إلا من نفسي! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا والذي نفسي بيده، حتى أكون أحب إليك من نفسك»، فقال له عمر: فإنه الآن والله لأنت أحب إلي من نفسي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الآن يا عمر». رواه البخاري. وعن جابر قال: قال رسول الله لسعد بن معاذ يوم مات وهو يدفن: «سبحان الله لهذا الصالح الذي تحرك له عرش الرحمن، وفتحت له أبواب السماء، شُدِّد عليه، ثم فرج الله عنه». رواه الإمام أحمد والنسائي.

هنا يدور سؤال كيف لإنسان دونَ أن يكون نبيًا مرسلًا أو ملكًا مقربًا أنْ يتحرك له عرش الرحمن وتُفتح له أبواب السماء؟

الجواب يكون فيما رواه سيدنا عبد الله بن هشام رضي الله عنه، وهو أنَّ النبي محمد آخذ بيد عمر بن الخطاب وليس عمر بن الخطاب هو المبادر بإمساك يد النبي صلى الله عليه، وآخِذ: فاعل مِنْ أَخَذَ وأَخَذَ الشيءَ: تناوله وحصل عليه، من هنا يتوهج قلب عمر بن الخطاب ويُنْطِقُ القلبُ اللسان دون أن يكون هناك سابق حوار بينهما، فيقول يا رسول الله، لَأنت أحب إليَّ من كل شيء إلا من نفسي! لكن عبقرية النبي محمد بعد ما أُلْهِم إياها من بارئه أبت على نفس عمر إلَّا أن تكون كما أمر الله عز وجل يقول الله عز وجل: «قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ»، فعبقرية رسول الله صلى الله عليه وسلم واختلافه عن غيره من بني الإنسان هو الإبداع في التربية وصناعة رجال الجماعة المسلمة، فالعرب صباح مساء تتغنى أسماعهم بكلام له حلاوة وعلية طلاوة، لكن سرعان ما تنسى آذانهم حلاوته وتغادر قلوبهم طلاوته إن ظهر غيره، لكنَّ النبي صلى الله عليه وسلم جعل كلام الله يسكن قلوبهم، فبدل أن يضخ القلب دمًا في الأوعية الدموية «بشرايينها وشعيراتها الدموية وأوردتها» يضخ أوامر «لا إله إلا الله»، فعن جابر بن عبد الله – رضي الله عنه – قال: لما استَوى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة، قال: «اجلِسوا»، فسَمِع ذلك ابن مسعود فجلَس على باب المسجد، فرآه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «تعالَ يا عبد الله بن مسعود»، وعن أنس – رضي الله عنه – قال: كنتُ أسقي أبا عُبيدة وأبا طَلحة وأُبيَّ بن كعب مِن فَضيخ زهر وتمْر، فجاءهم آتٍ فقال: إن الخمر قـد حُرِّمتْ، فقال أبو طلحة: قـم يا أنس فأَهرِقها، فأهرَقتُها، وعن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم خيبر: «لأُعطينَّ الراية رجلًا يحب الله ورسوله، يَفتح الله على يديه»، قال عمر بن الخطاب – رضي الله عنه: ما أحببت الإمارة إلا يومئذٍ، قال: فتساوَرتُ لها؛ رجاء أن أُدعَى لها، قال: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليَّ بن أبي طالب، فأعطاه إياها وقال: «امشِ ولا تَلتفِت حتى يَفتح الله عليك»، فسار عليٌّ شيئًا ثم وقَف ولم يَلتفِت، فصرخ: يا رسول الله، على ماذا أقاتل الناس؟ فقال: «قاتِلهم حتى يَشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فإذا فعلوا ذلك، فقد منَعوا منكَ دِماءهم وأموالهم إلا بحقِّها وحِسابُهم على الله»، وجاء في صحيح الإمام مسلم عن أبي بريدة عن أبيه – رضي الله عنه – قال: صلينا المغرب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قلنا: لو جلسنا حتى نصلى معه العشاء، قال: فجلسنا فخرج علينا فقال: «ما زلتم ههنا؟» قلنا: يا رسول الله صلينا معك المغرب ثم قلنا نجلس حتى نصلى معك العشاء قال: «أحسنتم أو أصبتم»، قال: فرفع رأسه إلى السماء وكان كثيرًا ما يرفع رأسه إلى السماء فقال: «النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون».

تحقق ما قال النبي محمد فظلت الجماعة المسلمة عصيَّة على الفتن ونبراسًا للحق، لكن سنة الله لابد وأن تسري لتختبر الجماعة المسلمة في صلابتها وتماسكها وتآزرها ووحدتها، ففتنت الجماعة المسلمة في قائدها وأمانها والمؤتمن عليها، فها هو رأس النفاق عبد الله بن أبي بن سلول يطير كالغربان ينعق في مدينة رسول الله ليعلو نعيقه على صفير بلبل المدينة سيدنا بلال بن رباح رضي الله عنه محدثا ضجيجًا تستلم له غالبية قلوب ساكني المدينة من المسلمين وغير المسلمين، لكن رجال الجماعة المسلمة أبت مسامعهم أن تستقبل هذا النعيق، ففي كتب السيرة أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بعد أن استشار عليًّا، وقال له ما قال، استشار عمر – رضي الله عنه – فقال له: يا رسول الله، مَن زوَّجكها؟ فقال: «الله»، فقال عمر: أتظن أن الله دنَّس عليك عِرْضَك؟

ثم قام رسول الله – صلى الله عليه وسلم – على المنبر يخطب، فقال: «أيها الناس، من يعذرني من رجلٍ قد بلغ أذاه في أهل بيتي؟ والله ما وجدتُ منها إلا خيرًا، وقد اتَّهموا رجلًا (صفوان بن المعطل) لم أجد منه إلا الخير»، وروى الإمام محمد بن إسحاق بن يسار، عن أبيه، عن بعض رجال بني النجار: أن أبا أيوب خالد بن زيد قالت له امرأته أم أيوب: يا أبا أيوب، أما تسمع ما يقول الناس في عائشة رضي الله عنها؟ قال: نعم، وذلك الكذب، أكنت فاعلة ذلك يا أم أيوب؟ قالت : لا والله ما كنت لأفعله، قال: فعائشة والله خير منك، لكنّ الله أراد أن يجعل للشرف شرفًا فكانت أم المؤمنين نموذجًا ربانيًا لمعنى الشرف، فإذا ذكر الشرف سبقته أمنا عائشة إلى الأذهان فلم يعد للشرف بوجودها اسم، وأنزل الله ماءً طهورًا اغتسلت به قلوب أهل المدينة جميعًا.

يقول الله عز وجل: «إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ. لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ»، ومن عظم موقف رجال الجماعة المسلمة أن أتبع الله ذكرهم قبل أن يستفيض في إنكار حادثة الإفك، لعظم أمر هذه العصبة الطاهرة التي حافظت على تماسك مجتمع المدينة في وقت اختبار الله لقلوب المسلمين. 

يتبع…

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد