قبل أن نغوص في أُسس بناء الجماعة المسلمة ومِنهاجها وسبل جهادها لتحقيق التصور العقدي لمِنهاجها لابد أن نستزيد من التضحيات التي قدمها رجال الجماعة المسلمة، التي لولا هذه الجماعة التي هي من مجموع أمة الإسلام لما كان لهذا الدين من قيامة، لتكون برهانًا وإعجازًا للإنسانية جميعها وحجة على الأمة جميعها فردًا فردًا وجماعة جماعة، فالله عز وجل تعهد بحفظ هذا الدين ومنبعه برجال الجماعة المسلمة، يقول الله عز وجل: «إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا ۚ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ».

الحكمة الآلهية أنْ يقوم دين آخر الزمان على الإنسان، الذي لأجله بُعِث الأنبياء والرسل، أراد الله عز وجل أن تكون مُعجزته في نصرة دينه على يد رجال الجماعة المسلمة لتكون نموذجًا حيًا لآياته ومعجزاته، فَبِمقدور الله أن يقول للشيء: كن؛ فيكون. فتتساقط رؤوس صناديد الكفر  بفعل فاعل أمام قلة عدد رجال الجماعة المسلمة، لكنَّ الله أراد أن يتحدث البشر فيما بينهم عن المعجزة التي جعلت الفرد بـ100 من عَدُوِّه، هذا الفرد الذي كان في يوم من الأيام بينهم يعرفونه حق المعرفة، لكنه لمّا أسلم نفسه إلى «لا إله إلا الله» تحول إلى معجزة كونية، يتحدث الناس عنها كما يتحدثون عن المعجزات المادية التي أرسلها الله مع أنبيائه، كناقة ثمود، وعصا موسى، وإحياء عيسى للموتى، ومشيه على الماء بإذن الله، فكانت معجزة نبي آخر الزمان رجال الجماعة المسلمة الذين تَجَّسد القران في حركاتهم وسكناتهم.

يروي لنا ابن عباس رضي الله عنه: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ، قَالَ: نَظَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَصْحَابِهِ وَهُمْ 300 وَنَيِّفٌ، وَنَظَرَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ فَإِذَا هُمْ أَلْفٌ، فَاسْتَقْبَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقِبْلَةَ، ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ، وَعَلَيْهِ رِدَاؤُهُ وَإِزَارُهُ، ثُمَّ قَالَ: «اللهُمَّ أَيْنَ مَا وَعَدْتَنِي؟ اللهُمَّ أَنْجِزْ مَا وَعَدْتَنِي، اللهُمَّ إِنَّكَ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلامِ، فَلا تُعْبَدْ فِي الْأَرْضِ أَبَدًا»، قَالَ: فَمَا زَالَ يَسْتَغِيثُ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَيَدْعُوهُ حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ، فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ، فَأَخَذَ رِدَاءَهُ، فَرَدَّاهُ ثُمَّ الْتَزَمَهُ مِنْ وَرَائِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ، كَفاكَ مُنَاشَدَتُكَ رَبَّكَ، فَإِنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ مَا وَعَدَكَ، وَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: «إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ»، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُئِذٍ، وَالْتَقَوْا، فَهَزَمَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ الْمُشْرِكِينَ، فَقُتِلَ مِنْهُمْ 70 رَجُلًا، وَأُسِرَ مِنْهُمْ 70 رَجُلًا. رواه مسلم.

هذه المعركة الخالدة «معركة بدر الكبرى» التي كانت بداية انطلاق «لا إله إلا الله» إلى العالمية، كانت بسبب العصابة المؤمنة المُكَونة بفهم  وجهد وعرق النبي صلى الله عليه، ومن شِدة خوف النبي على نِتاجه، يستعجل الله وعْده مَع تيَقُنه الشديد أن الله مُتّم وَعده، واشتراطه على الله بانتهاء أمره وخلو الأرض من عُبَّاده إن لم ينجز ما وعده، على الرغم من وجود أفراد مؤمنين ومؤمنات كثر في المدينة، لكنَّ هذه العصابة هي عَصب الدعوة التي بدونها لايقوى الجسد على الحركة حتى يُفْنَى، و أخرج أبو يعلى والبيهقي في الدلائل عن علي قال: ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد، ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي تحت الشجرة حتى أصبح.

وكما حافظت الجماعة المسلمة على الدعوة في بدايتها كان لها الفضل الكبير والعظيم في اِستمراريتها، ففي غزوة الخندق لا يوجد أفضل عرض سينمائي لمشهد الجماعة المسلمة وحالها من قول الله عز وجل: «إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا. هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا».

تَجَمع الأشقاء الأعداء من كل حدب وصوب ينسلون على التجمع النبوي الطاهر، أراد الظلام الدامس أن يطفئ شعلة النور المُتلألئة،  لَكِنّ الله عز وجل يقول: «وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ»، فكان سبب النصر هو التطبيق الحقيقي لتعاليم «لا إله إلا الله»، يقول الله عز وجل: «إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ»، فالإسلام دين يسع الجميع وتتساوى فيه الرؤوس، وأكرم الله الأمة الإسلامية بسلمان الفارسي الذي أبهر  مجتمع العرب المُنْكفئ على نفسه، بأسلوب عسكري استراتيجي لم يكن للعرب فيه نصيب من قبل، كان بيد الله عز وجل أن يرسل ريحًا عاتية تبعثر جمعهم وتَشُلَّ حركتهم، لكنه أراد أن يكون سبب إرسال الريح العاتية هو صبر وثبات المؤمنين يقول الله عز وجل: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا»، فعلم الله بحالهم وسمع ما أنشده سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم من  حلاوة لسان سيدنا عبد الله بن رواحه رضي الله عنه قائلًا:

اللهم لولا أنت ما اهتدينا … ولا تصدقنا ولا صلّينا
فأنزلن سكينة علينا … وثبّت الأقدام إن لاقينا
إن الألى قد بغوا علينا … وإن أرادوا فتنة أبينا
وَمَا أنشده رِجال الجماعة المسلمة مع احتدام الأزمات وضيق الحال بقولهم:
نحن الذين بايعوا محمدا … على الجهاد ما بقينا أبدًا
فيجيبهم النبي صلى الله عليه وسلم:
اللهم إن العيش عيش الآخرة … فاغفر للأنصار والمهاجرة

فكانت إشباعًا لجوعهم، وإرتواءًا لعطشهم، ودفئًا لبردهم، وسندًا لضعفهم، وعلى عكس ضعاف النفوس، ومثبطي العزوم، والمنافقين المبتغين من اتباع الجماعة المسلمة منصبًا أو جاه، فإذا احتدت الأزمات تعلقوا بالمادة وتناسوا أن الله هو صانع الأحداث ومدبرها يقول الله عز وجل: «وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا»، فاستأذن كثير منهم النبي العودة إلى ديارهم لأن بيوتهم مكشوفة، يقول الله عز وجل: «وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا ۚ وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ ۖ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا»، فهؤلاء الذين يتشبثون بالعقل مع إغفال التدخل الآلهي ما لهم من نصيب، يقول الله عز وجل: «قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا ۖ وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا. أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ ۖ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ ۖ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ ۚ أُولَٰئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا. يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا ۖ وَإِن يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُم بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنبَائِكُمْ ۖ وَلَوْ كَانُوا فِيكُم مَّا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا».

إلا أن رجال الجماعة المسلمة يَأَبوْن على أنفسهم إلا العزة، والتيقن من وعد الله مهما تَغيَّر المحيط وظروفه، يقول الله عز وجل: «وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ۚ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا»، فأكرمهم الله بتخليد ذكرهم أبد الآبدين واختصهم بوصف يَنْدر أن يوصفه الله لأحدٍ مِن عباده، يقول الله عز وجل: «مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا. لِّيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِن شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا».

يتبع…

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد