لم يتوقف دور الجماعة المسلمة عند الحفاظ على المكتسبات التي حققها المخلصون للدعوة مِمن غادر دنياهم إلى جنان ربهم، بل استمروا ولم تفتر عزيمتهم، وانطلقوا بهمة نحو الفهم الصحيح لتعاليم «لا إله إلا الله» بعد الفتح المبين فتح مكة إلى فتح مدائن الدنيا، يقول الله عز وجل «وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ». دانت الدنيا لرجال الجماعة المسلمة بعدما عَمِلُوا بما عَلِمُوا، فهداهم الله لما لم يَعْلموا.

والهداية هي تمام المسير إلى الرشاد على صراط مستقيم، يقول الله عز وجل: «وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ»، ويقول الله عز وجل: «وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ. صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ»، وإذا ذكرت الهداية وسبيلها الجهاد لابد أن نَعْرج إلى بستان الإمام ابن القيم لنقطف زهورًا من زهوره الفواحه التي لا يتوقف أريجها.

ويقول الإمام ابن القيم فائدة: قال تعالى: «وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا». علق سبحانه الهداية بالجهاد، فأكمل الناس هداية أعظمهم جهادًا، وأفرض الجهاد جهاد النفس وجهاد الهوى، وجهاد الشيطان، وجهاد الدنيا. فمن جاهد هذه الأربعة في الله، هداه الله سبل رضاه الموصلة إلى جنته، ومن ترك الجهاد فاته من الهدى بحسب ما عطل من الجهاد. قال الجنيد: والذين جاهدوا أهواءهم فينا بالتوبة، لنهدينهم سبل الإخلاص، ولا يتمكن من جهاد عدوه في الظاهر، إلا من جاهد هذه الأعداء باطنًا، فمن نصر عليها نصر على عدوه، ومن نصرت عليه، نصر عليه عدوه».

هدى الله الجماعة المسلمة يوم حنين بعدما جاهدوا في الله حق جهاده، وحققوا تمام جهاد النفس، وجهاد الهوى، وجهاد الشيطان، وجهاد الدنيا، فنصرهم الله على أعدائهم، فما كان لهم من كبوة إلا جعلها الله صحوة تحقيق وإنجاز لوعده سبحانه وتعالى، يقول الله عز وجل: «لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ ۙ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ۙ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ. ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ».

يبرز دور رجال الجماعة المسلمة في وقت الأزمات، فكما ذكرنا سابقًا هم عصب الجسد، ولا تبرز أهمية العصب إلا إذا حُمِّل الجسد فوق طاقته. يعرض لنا العباس – رضي الله عنه – مشهد رجال الجماعة المسلمة يوم حنين، في عرض سنيمائي توثيقي يتَجلَّى فيه الدور الجسيم لرجال الجماعة المسلمة.

في صحيح مسلم أن العباس – رضي الله عنه – قال: «شهدت مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يوم حنين، فلزمت أنا وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم نفارقه، ورسول الله – صلى الله عليه وسلم – على بغلة له بيضاء، فلما التقى المسلمون والكفار، ولَّى المسلمون مدبرين، فطفق رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يركض بغلته قِبَلَ الكفار، فقال: أي عباس! نادِ أصحاب السَّ –مُرَة – أي: أصحاب بيعة العقبة، فقال عباس: أين أصحاب السمرة؟ قال: فوالله لكأَن عَطْفَتَهم حين سمعوا صوتي، عَطْفة البقر على أولادها – أي: أجابوا مسرعين – فقالوا: يا لبيك يا لبيك، قال: فاقتتلوا والكفار. فنظر رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وهو على بغلته كالمتطاول عليها إلى قتالهم، فقال: حمي الوطيس، قال: ثم أخذ رسول الله حصيات، فرمى بهن وجوه الكفار، ثم قال: انهزموا ورب محمد، قال: فذهبت أنظر، فوالله ما هو إلا أن رماهم بحصياته، فما زلت أرى حدهم كليلًا، وأمرهم مدبرًا – يعني قوتهم ضعيفة، وأمرهم في تراجع وهزيمة».

لاتستطيع الدعوة إكمال مسيرتها بدون رجال اجتمعوا على تعاليم «لا إله إلا الله» وتآلفوا فيما بينهم، وكانوا نموذجًا ساطعًا لتعاليم «لا إله إلا الله» لما حولهم من عامة المسلمين، فتكون الجماعة المسلمة درعًا حصينًا منيعًا مُحكمًا لعامة المسليمين من فتن الدنيا وتقلبات الدهر، وحنانًا وزكاةً لمجتمعها، ومتقية الله في أهلها، لا جبارةً عصيةً على حاضنتها، بل بارةً مؤثرة الأمة الإسلامية جميعها على نفسها، مُبْتغية وجه الله عز وجل ورضاه والسير على نهج مصطفاه صلى الله عليه وسلم، وأن تضع بين عينيها المشهد الرباني لتقسيم الغنائم بعد نصر الله يوم حنين.

يروي لنا ابن إسحاق، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال‏:‏

«لما أعطى رسول اللّه – صلى الله عليه وسلم – ما أعطى من تلك العطايا في قريش وفي قبائل العرب، ولم يكن في الأنصار منها شيء، وَجَدَ هذا الحي من الأنصار في أنفسهم، حتى كثرت فيهم القَالَةُ – يعني كثرة الكلام بين الناس – حتى قال قائلهم‏:‏ لقي – واللّه – رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قومه، فدخل عليه سعد بن عبادة، فقال‏:‏ يا رسول اللّه، إن هذا الحي من الأنصار قد وَجَدُوا عليك في أنفسهم، لما صنعت في هذا الفيء الذي أصبت، قسمت في قومك، وأعطيت عطايا عظامًا في قبائل العرب، ولم يك في هذا الحي من الأنصار منها شيء‏.‏
قال‏:‏ ‏«فأين أنت من ذلك يا سعد‏ ؟»، قال‏:‏ يا رسول اللّه، ما أنا إلا من قومي‏.‏ قال‏:‏ ‏«‏فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة‏».‏ فخرج سعد، فجمع الأنصار في تلك الحظيرة، فجاء رجال من المهاجرين، فتركهم، فدخلوا‏.‏ وجاء آخرون فردهم، فلما اجتمعوا له أتاه سعد، فقال‏:‏ لقد اجتمع لك هذا الحي من الأنصار، فأتاهم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فحمد اللّه، وأثنى عليه، ثم قال‏:‏ ‏«‏يا معشر الأنصار، ما قَالَة بلغتني عنكم، وَجِدَةٌ وجدتموها عليَّ في أنفسكم‏؟‏ ألم آتكم ضلالًا فهداكم اللّه‏؟‏ وعالة فأغناكم اللّه‏؟‏ وأعداء فألف اللّه بين قلوبكم ‏؟‏‏»، قالوا‏:‏ بلى، اللّه ورسولـه أمَنُّ وأفضل.

ثم قال‏:‏ ‏«ألا تجيبوني يا معشر الأنصار؟‏» قالوا‏:‏ بماذا نجيبك يا رسول اللّه‏؟‏ للّه ورسوله المن والفضل‏.‏ قال‏:‏ ‏«أما واللّه لو شئتم لقلتم، فصَدَقْتُمْ ولصُدِّقْتُمْ‏:‏ أتيتنا مُكَذَّبًا فصدقناك، ومخذولًا فنصرناك، وطريدًا فآويناك، وعائلًا فآسَيْنَاك. ‏أوَجَدْتُمْ يا معشر الأنصار في أنفسكم فيَّ لَعَاعَةٍ من الدنيا – يعني شيئًا تافهًا – تَألفَّتُ بها قومًا ليُسْلِمُوا، ووَكَلْتُكم إلى إسلامكم‏؟‏ ألا ترضون يا معشر الأنصار، أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وترجعوا برسول اللّه صلى الله عليه وسلم إلى رحالكم‏؟‏ فوالذي نفس محمد بيده، لولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار، ولو سلك الناس شِعْبًا، وسلكت الأنصار شعبًا لسلكتُ شِعب الأنصار. وإنكم ستلقون أثرة من بعدي، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض. اللّهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار» فبكي القوم حتى اخضلت – تبللت – لحاهم، وقالوا‏:‏ رضينا برسول اللّه صلى الله عليه وسلم قَسْمًا وحظًا، ثم انصرف رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، وتفرق الجمع‏» نهاية الحديث.

يتبع…

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد