جعلت عبودية المال من أوروبا متقدمة في الحضارة ورفاهية إنسانها، وحررته من قيود المجتمعات التي كان يؤمن بها، ويعيش من أجلها، فهو إنسان هدفه العيش بلا قيود، يعيش من أجل تحدي الطبيعة المحيطة به ليذلل صعابها ويحطم قسوتها، إلّا أنّ التكنولوجيا التي طورها الإنسان الغربي المتحرر بدلًا من أن تيسر له حياته وتضيف إلى وقته أوقاتًا ليمارس طقوسه الاجتماعية، جعلته حبيسًا لها مستهلكة لجل وقته، ومزاحمة له في رزقه، فالإنسان مطالب في نظام الرأسمالية أن ينتج أفضل وأكثر من الآلة، وإلا فإن الآلة هي البديل للإنسان، فجني المال هو الهدف وليس الإنسان، هذا النظام يجعل قليلًا من البشر يستعبدون معظم البشر، إذًا فما الحل؟

هل الحل أن يبحث البشر عن نظام آخر أكثر عدلًا ويعلي قيمة الإنسان عن المحيط الذي يستزيد منه لرحلته؟

الحقيقة المبكية أنّ البشر من لدن آدم لم يتوقفوا عن البحث عن حل لهذه المشكلة التي استهلكت ملايين الأرواح، لكنهم لم يجدوا نظامًا صالحًا يستطيع أن يكون ذا ديمومة تتناقله الأجيال جيلًا بعد جيل دون الاصطدام بقوانين الطبيعة التي لا  ترحم أحدًا، إلا أن الله من رحمته على عباده أنزل لهم نظامًا ربانيًّا يلين قساوة الطبيعة ويكشف زيف مفاتنها، ويكون حاميًا للخلق من عقوبة مخالفة قوانين الطبيعة، فهذه الطبيعة هي من صنع الله، وقوانينها الفيزيائية من صنع الله، يقول الله عز وجل «وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ ۚ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ۚ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ». فيستحيل أن يتعارض النظام الرباني المنزل من قبل الله ولو هنيهة من الزمن مع صنع الله.

إذًا لكي يستمر الإنسان في إبداعه المادي المستمد من الطبيعة، ولا تندثر حضارته، لا بد من منهج يقوّم سلوك الحضارة إذا فتنت الأمة بالغرور، وظنّت أنّ حضارتها صنعٌ من عقلها البشري واجتهادات جسدها، دون أن تكون هناك إلهامات من صانع الكون الذي أتقن كل شيء وما يفعله الإنسان هو به خبير.

فأين العصر الحديدي والحضارة السومرية في بلاد الرافدين، والحضارة الرومانية، وحضارة وادي السند، واليونانية، والفارسية، والمصرية الفرعونية، والصينية، وحضارة العصر الذهبي للإسلام؟ وأين الإمبراطوريات البريطانية، والفرنسية، والبرتغالية، والهولندية؟ كلّها أفلت بعد صعود مدوي هز أركان الدنيا، نحن نعيش العصر  الذهبي للإمبراطورية الأمريكية لكنها لن تستطيع أن تتحايل على سنة الله التي لا تتبدل بالاستمرارية والصعود دون الهبوط والعودة إلى الأفول.

هنا لا بد أن تعود الإنسانية إلى مصدر الاستمرارية، وهو جيل الخلافة الراشدة، هذا الجيل الذي سُقي ماء العقيدة الصافي من نبع النبي محمد، صلى الله عليه وسلم، هذا النبع الذي لا يتوقف هدير مائه وعذوبة طعمه، إنه نبع القرآن، فهذا القرآن الذي غرس في قلوب جيل الصحابة، ففتحت قلوبهم وعقولهم الدنيا، وأقاموا حضارة لم يسبق لها مثيل في العدل والازدهار، ونقل الإنسانية نقلة نوعية من عبادة الإنسان إلى التحرر، هذا المفهوم الذي لم يكن يستوعبه عقل ولا يتخيله إنسان، كيف لمجموعة من البشر أن يكون سيدهم خادمهم؟ كيف لسيد أن يكون ثوبه مرقعًا ويمتلك كنوزًا لا حصر لها؟ كيف لسيد يحمل على ظهره كيسًا من الدقيق لإطعام إنسان من رعيته؟ كيف لسيد أن يسأله شعبه عن بغلة تعثرت في أبعد مدينة من حكمه؟ كيف لسيد أن يسمح بحوار مع رعية من رعاياه؟ فعن سفيان بن عيينة عن موسى بن أبي عيسى قال: أتى عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – مشربة بن حارثة فوجد محمد بن مسلمة فقال عمر: كيف تراني يا محمد؟ فقال: أراك والله كما أحب، وكما يحب من يحب لك الخير، أراك قويًّا على جمع المال، عفيفًا عنه، عادلًا في قسمه، ولو ملت عدلناك كما يعدل السهم في الثقاف، فقال عمر: هاه، فقال: ولو ملت عدلناك كما يعدل السهم في الثقاف، فقال: الحمد لله الذي جعلني في قوم إذا ملت عدلوني.

أليست آلية الحكم التي تتفاخر بها الأمة الأمريكية سبقها بها الجيل القرآني بـ1300 عام، هذه الآلية التي كانت سببًا في صعود الأمة الأمريكية قمة الحضارة الإنسانية.

إنه جيل القرآن الذي فتح الدنيا وترك أثرًا صعدت به الأمة إلى قمم السحاب، لكن هذه الأمة لمّا تأثرت بالحضارات المجاورة لها في سلوكها لم يدم عزها ورخاء إنسانها فها هي الدولة الأموية،  العباسية، والأندلسية، والمملوكية، والعثمانية ما تلبث أن تصعد قمة الجبل حتى تعاود الهبوط إلى سفحه، وأصبحت الأمة كما الأمم السابقة تائهة بلا منهج يعيد مجدها ويدوم عزها، لكنّ أمة الإسلام نبتٌ طيب له جذور تعهد الله بحفظها، وعلى الأمة أن تعود وتعيد الدنيا إلى سلوك هذا الجيل الرباني، «جيل القرآن».

يتبع…

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد