ظلّ النبي محمد – صلى الله عليه وسلم – يكوّن في الجماعة التي تدعو ربها بالغداة والعشي يريدون وجهه ثلاث عشرة سنة في مكة، يؤصّل في قلوبهم وعقولهم قضية العقيدة، هذه القضية التي تجيب عن إلحاحٍ شديد يصاحب النفس أينما ولّتْ وجْهها، ما علاقة الإنسان بالوجود وما علاقة الوجود به؟ وما علاقة الإنسان بالإنسان؟ وما علاقة الإنسان والوجود بخالقهما؟ كيف وجد الإنسان من عدم؟ ما نتاج حركاته وسكناته وما مصيرهما؟ هل الوجود بما فيه منْ جماد وحياة خلق من أجل الإنسان أم خلق الإنسان من أجل الوجود؟ إلى أيْن سيغادر هذا الوجود ومنْ يتحكم في ميعاد مغادرته؟ وماذا بعد المغادرة؟ هل هناك رحلة انتقالية أم خلود؟

كل هذه الأسئلة لا يستطيع الإنسان أنْ يجيب عنها منْ تلقاء نفسه، فكان القرآن ينزّل متقطعًا على النبي محمد – صلى الله عليه وسلم – ثلاث عشرة سنة في مكة ليرسخ في عقول وقلوب الجماعة المسلمة جوابا شافيًا للقضية الكبرى، قضية الإنسان والوجود.

استطاع القرآن المكي أنْ يحدد العلاقة بين الألوهية والعبودية بعد أنْ كان كل إنسان له ربٌ مخْتلف وطريقة عبادة مختلفة، هذه العلاقة تكونت تحت إطار واضح وهو «لا إله إلا الله»، وأصبح جلّ تركيز القرآن المكي على غرس معنى حاكمية «لا إله إلا الله» في حياة الإنسان العربي، بعد أن كان متقلب الآلهة طبقًا للْقدر الذي يرافق ظروف تبركه بإلهه، وطبقًا للإله الذي يتوافق مع هوى نفسه.

يصور  لنا بعض ذلك أبو رجاء العطاردي – رضي الله عنه – فيقول كما في صحيح البخاري وغيره «كنّا نعْبد الْحجر فإذا وجدْنا حجرًا هو أخْير منْه ألْقيْناه وأخذْنا الْآخر، فإذا لمْ نجدْ حجرًا جمعْنا جثْوةً (كومة أو كثبة) منْ ترابٍ ثمّ جئْنا بالشّاة فحلبْناه عليْه ثمّ طفْنا به..»، ونقل الحافظ ابن حجر في «الفتح» عن القرطبي قوله: «إن أهل الجاهلية كانوا يعملون الأصنام من كل شيء حتى إن بعضهم عمل صنمه من عجوة (تمر) ثم جاع فأكله».

إذًا كان المحيط ونفْس الإنسان بميلها لشهواتها وملذاتها لها حاكمية على اختيار رب الإنسان، وهذا يدل على أن النفس لا تستطيع المداومة في الحياة إلا أنْ تأنس برب مهما كان هذا الرب، إلا أن  القرآن أنزل مؤنسًا وحاكمًا للإنسان، فالقرآن هو الضابط لإيقاع حياة المسلم روحًا وجسدًا مهما تغير المحيط وظروفه ومهما تغيرت عواطف الإنسان فرحًا أو حزنًا، إذًا توحيد الإله بعد أن كان عددًا أمر ليس هينًا، ولهذا شاءت الحكمة الإلهية أنْ ينْصبّ هدف القرآن المكي على ترسيخ العقيدة في قلوب العرب وعقولهم بعد أنْ شربت أرواحهم من بئر الجاهلية دهورًا.

العرب بلغوا منْ تمكنهم للغة أنْ أصبحوا حجة على اللغة، فهم المنبع الوحيد للغة وأساليبها، ولهذا لمّا أذّن النبي في أهل مكة صادعًا بـ«لا إله إلا الله»، تلقفتها آذان الإنسان العربي فهمًا بحاكميتها وسلطانها على نفسه ومحيطه، فهي حاكمة على الضمائر والعشائر والمال والقضاء بين الناس وواقعيات الحياة، وكل حركة وسكون فيه وفي محيطه، وهي ثورة على سلطان الأرض المغتصِب لأولى خصائص الألوهية، وعلى فرض سلطان هواه على الناس وبين الناس وتنظيم حياة الإنسان بما يلائم هوى السلطان الأرضي البشري المغتصب لحقوق أقرانه من البشر، ولهذا قاوم العرب هذه الدعوة مقاومة عنيفة كادت تؤدي إلى قتل مبْعثْ النور، والثورة على هذا الطغيان البشري الجاهلي الذي ما ترك مجالًا ولا مناسبة إلا واستغلها  لهدم ثقة الناس بالنبي محمد، فتنهار معنى لا إله إلا الله في نفوس المتلقين، إذ لم يكنْ مدْخلًا سهلًا يسيرًا لأفئدة العرب، فلقد دميت قدما النبي محمد الشريفتان بتحريض كبار أهل الطائف سفهاءهم عليه، بعد مكوثه أيامًا في الطائف للدعوة بلا إله إلا الله. يقول الله عز وجل «وَعَجِبُوا أَن جَاءَهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ ۖ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَٰذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (4) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (5) وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَىٰ آلِهَتِكُمْ ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (6) مَا سَمِعْنَا بِهَٰذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَٰذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (7) أَأُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا ۚ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي ۖ بَل لَّمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ».

يتبع..

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد