ومِنْ صلاح هذا الدين واِنسجامه مع الفطرة السوية التي خُلِق الإِنْسان عَليها، أن الله بعث نبيه الكريم ليتمم مكارم الأخلاق وليس لهدم كل ما  هو قديم، فَتَجد أنَّ هذا الجيل القرآني لم يهدم كل القيم الحميدة والمعاملات اليومية التي لا تتعارض مع العقيدة الصافية، وإنما خلع عباءات الجاهلية التي الْتحف بها الإنسان بعد أنْ كان يرتدي عباءة الحنفية المسلمة، وكلما راودته جاهليته عن نفسها لَفَظها وتطهر منها، وشعر أنه وقع في إثم وخطيئة، وعاد إلى تمام مكارم الأخلاق.

إِذًا على المسلم أنْ يَنظر حوله وَيرى مُحيطه، هل الجاهلية القديمة تَطَوَرت مع تَطور حياة الإنسان وأخذت قوالب متعددة، وتزخرفت وأخذت أسماءً لتتَوارى خلفها، أم أن ما يعيشه هو تمام للأخلاق ويتماشى مع فطرته السوية، الإنسان هو من يستطيع تحديد ذلك فيرى نِتاج حياته، هل يصب في عبادة الله أم يصب في عبادة الدنيا وَزُخْرفها، فالحقيقة الملازمة لِسبب وجود الإنسان أن كل ما يخالف تعاليم «لا إله إلا الله» هو جاهلية شبيهة في سلوكها بجاهلية ما قبل البعثة المحمدية يَسْتوجب على المُسلم مُقَاوَمتها وَتَوْضِيحها مَهْما تَزَيَّنت وتَراقَصت وغرَّتْ.

إِذًا على المسلم  مقاومة وتوضيح هذا السلوك الجاهلي بِأن يتعايش الإنسان بتعاليم لا إله إلا الله، موقنًا بقلبه وعقله أنَّ عاداتنا وتَصوراتنا وموارد ثقافتنا، وفنوننا، وآدابنا، وقوانينا، وتعاملاتنا الاجتماعية إن خالفت تعاليم القرآن والسنة، فهي تَتَشبه بِجَاهلية ما قبل الإسلام، فما الفائدة مِنْ وَصْف المُسْلم بالإسلام وهو لم يسلم روحه وعقله وبدنه للقرآن وَسنة النبي محمد، على المسلم أن يستقيم النهج الرباني في نفسه ويجرد نفسه من هواها، مؤذنة في الناس أن المنهج الرباني المستمد من القرآن والسنة هو نهج شمولي للمسلم، يستند إليه ويتحاكم إليه في كل سكناته وحركاته، وفي أموره الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية وكل مقومات الحياة.

لا بد للمسلم أن يغير مجتمعه وَبِيئته المحيطَةِ بِه، وأنْ يكون صَلْب المراس في إظهار تعاليم عقيدته الربانية جلية واضحة لا مَائعة يحاول أن يسترضي من يتبع هواه وشيطانه ليصل معه عِنْد نُقطة مُشتركة، فيسقط في أفخاخ أَبَاليس الإنس والجن لأن هذه العقيدة سبب وجودها هو حماية الإنسان من هواه الذي يخدر العقل ويستعبد الجسد دون أنْ تشعر إِنْسانية الإِنسان أن الهوى يسرقها إلى جاهلية ما قبل الإسلام.

هذى الهوى المُسْتَعْبِد للإنسان يجعله يتذوق معاني تَنْفر منه فطرته البشريه فمثلاً الزنا؛ يُزَخرفه هذا السلوك الجاهلي في قالب اجتماعي وَيُطلق عَليه المُواعده، وأيضًا ترك المرأة لحجابها يبرزه هذا السلوك الجاهلي على أنه تحضر ورقي ولأن المرأة إنسانة لاينبغي أن يُحجب ضيائها بل وَتُقدَّم على الرجل جبرًا لضعفها و الحقيقة أن هذا الوصف هو سلوك جاهلي مَشِين يجعل المرأة مشاع بين الرجال ولا يحميها بقدر ما يجعل أصحاب النفوس الضعيفة تترصد لها كما يترصد الذئب لفريسته، وَيُوقعها في شباكه، فالإسلام مَافرض الحجاب على المرأة إلا صَوْنًا لها من هذه النتيجة أوغيرها التي تهدد كينونة المجتمع، فالغرب المتحضر الذي يتفاخر به بعض المسلمين هل تَقبَل فِطرةُ المُسلم السوية أنْ يحدث في أسرته الصغيرة ما يحدث من خيانات ووجود أولاد لُقَطاء لا أب ولا أم، وقد يتزوج الأخ أخته يومًا دون علم، فهو وهي لُقطاء لاعلم لهم بأصلهم.

أليس هذا سلوك جاهلي يَأْنَفه الإنسان؟ أليس هذا السلوك ذكرته أم المؤمنين عائشة بنت الصديق رضي الله عنهما؟ فعن عروة بن الزبير أن عائشة زوجَ النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته: «أَنَّ النِّكَاحَ فِي الجَاهِلِيَّةِ كَانَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَنْحَاءٍ:

فَنِكَاحٌ مِنْهَا نِكَاحُ النَّاسِ اليَوْمَ: يَخْطُبُ الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ وَلِيَّتَهُ أَوِ ابْنَتَهُ، فَيُصْدِقُهَا ثُمَّ يَنْكِحُهَا.

وَنِكَاحٌ آخَرُ: كَانَ الرَّجُلُ يَقُولُ لِامْرَأَتِهِ إِذَا طَهُرَتْ مِنْ طَمْثِهَا: أَرْسِلِي إِلَى فُلاَنٍ فَاسْتَبْضِعِي مِنْهُ، وَيَعْتَزِلُهَا زَوْجُهَا وَلاَ يَمَسُّهَا أَبَدًا، حَتَّى يَتَبَيَّنَ حَمْلُهَا مِنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي تَسْتَبْضِعُ مِنْهُ، فَإِذَا تَبَيَّنَ حَمْلُهَا أَصَابَهَا زَوْجُهَا إِذَا أَحَبَّ، وَإِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ رَغْبَةً فِي نَجَابَةِ الوَلَدِ، فَكَانَ هَذَا النِّكَاحُ نِكَاحَ الِاسْتِبْضَاعِ.

وَنِكَاحٌ آخَرُ: يَجْتَمِعُ الرَّهْطُ مَا دُونَ العَشَرَةِ، فَيَدْخُلُونَ عَلَى المَرْأَةِ، كُلُّهُمْ يُصِيبُهَا، فَإِذَا حَمَلَتْ وَوَضَعَتْ، وَمَرَّ عَلَيْهَا لَيَالٍ بَعْدَ أَنْ تَضَعَ حَمْلَهَا، أَرْسَلَتْ إِلَيْهِمْ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ رَجُلٌ مِنْهُمْ أَنْ يَمْتَنِعَ، حَتَّى يَجْتَمِعُوا عِنْدَهَا، تَقُولُ لَهُمْ: قَدْ عَرَفْتُمُ الَّذِي كَانَ مِنْ أَمْرِكُمْ وَقَدْ وَلَدْتُ، فَهُوَ ابْنُكَ يَا فُلاَنُ، تُسَمِّي مَنْ أَحَبَّتْ بِاسْمِهِ فَيَلْحَقُ بِهِ وَلَدُهَا، لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَمْتَنِعَ بِهِ الرَّجُلُ.

وَنِكَاحُ الرَّابِعِ: يَجْتَمِعُ النَّاسُ الكَثِيرُ، فَيَدْخُلُونَ عَلَى المَرْأَةِ، لاَ تَمْتَنِعُ مِمَّنْ جَاءَهَا، وَهُنَّ البَغَايَا، كُنَّ يَنْصِبْنَ عَلَى أَبْوَابِهِنَّ رَايَاتٍ تَكُونُ عَلَمًا، فَمَنْ أَرَادَهُنَّ دَخَلَ عَلَيْهِنَّ، فَإِذَا حَمَلَتْ إِحْدَاهُنَّ وَوَضَعَتْ حَمْلَهَا جُمِعُوا لَهَا، وَدَعَوْا لَهُمُ القَافَةَ، ثُمَّ أَلْحَقُوا وَلَدَهَا بِالَّذِي يَرَوْنَ، فَالْتَاطَ بِهِ، وَدُعِيَ ابْنَهُ، لاَ يَمْتَنِعُ مِنْ ذَلِكَ. فَلَمَّا بُعِثَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالحَقِّ، هَدَمَ نِكَاحَ الجَاهِلِيَّةِ كُلَّهُ إِلَّا نِكَاحَ النَّاسِ اليَوْمَ».

إذًا على المسلم أن يهدم كل مَا بَناه أَصحاب الهوى والشرك من قوالب معصية الله التي زُخْرفت واِزينت وَغُيِّر إسمها الحقيقي ليَسْهل إقتحام قلب وعقل الإنسان موضحا أن كل مايخالف تعاليم لا إله إلا الله هو سلوك جاهلي، فالإسلام أتى ليُبَدِل جاهلية الإنسان إلى تحضر ورقي.

إِنَّ التَحضر والرقي الحقيقي هو تَطْبيق تعاليم لا إله إلا الله كاملة شاملة، وليس أخذ مَا لا يتعارض مع هوى النفس وقبول أو مُمَايعة مَا يَتماشى مَع هوى النفس، على المسلم أنْ يَقْطع كل صلة بهذا السلوك الجاهلي من قيَمٍ وتصورات وألَّا تُعَدل قِيمنا وتصوراتنا قليلًا أو كثيرا لتصل جماهير الطريقين لكلمة سواء، فيستحيل الوصول إلى طريق سواء لأن هذا الدين أُنزل لِيبَدل هذا السلوك الجاهلي إلى سلوك إسلامي مُتحضر، لكنَّ هذا التحضر والرقي ليس يسيرًا على الإنسان الحصول عليه دون مُجاهدة هذا السلوك الجاهلي بِالصبر، فَرفِيق هذا الدرب هو المشقة والتضحية، يقول الله عز وجل: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا}.

يتبع..

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد