المتأمّل في أحوال العرب في جاهليتهم، يجد أنّ هناك مدخلات سلسة لقلوبهم تيسر للدّاعي هيمنته على عقولهم وأبدانهم، فالمدخل الأول أنّ الغساسنة في العراق وبلاد الشام وحمير في اليمن كانوا ملوكًا على أرض خصبة منتجة، وهم من العرب، لكنّ الروم والفرس الذين استعان بهم مشايخ حمير لطرد الأحباش تمكنوا منهم وأصبحت الغساسنة تابعة للروم وحمير تابعة للفرس، فكانت فرصة للنبي محمد أن يعلنها ثورة «قومية وطنية» – لتوحيد «العرق العربي» الذي أصبح كالنار تأكل بعضها إن لم تجد ما تأكله – على الأجنبي الغاصب المحتل لخيرات البلاد، ويعرض عليهم دينه بعد أن يدين له العرق العربي قاطبةً منشئًا الدولة العربية الكبرى، ثم يقر الناس على عقيدة التوحيد إرغامًا أو اختيارًا، فيذعن الناس للسلطان البشري قبل أن يذعنوا للسلطان الإلهي، وينتقلوا من سلطان بشري مختلف عنهم في اللغة واللون إلى سلطان بشري مشابه لهم في اللغة والأوصاف.

والمدخل الثاني أنّ مكة وبلاد العرب كانت غرقى بالعبيد، فما يخلو بيت من بيوت الأسياد إلا وبه عبيد أو جوار، تمتهن حقوقهم الإنسانية والمالية، فهم كالدّواب متى شاء مالكها أكلت أو مشت أو عملت أو تلذذ بها أو سكنت، فكل حركاتها وسكونها تردّ إلى سيدها، فمن شدة امتهان عنترة لنفسه يقول واصفًا أمّه:

وأنا ابن سوداء الجبين كأنّها ضبعٌ ترعرع في رسوم المنزل
الساق منها مثل ساق نعامةٍ والشّعر منها مثل حبّ الفلفل
والثغر من تحت اللثام كأنه برقٌ تلألأ في الظّلام المسدل

فلو دعا النبي محمد إلى ثورة إصلاحية وعدالة اجتماعية يتساوى العبيد مع الأسياد في الحقوق والمعاملة ويأخذ من مال الأسياد للعبيد، وأن لا فرق لأبيض على أسود ولا سيد على مملوك إلا بالعمل، لاستجاب له جلّ العبيد، ولما استطاع أسياد العرب مقاومتهم، فالعبيد أكثرية وهم عصب حياة الأسياد وبدونهم تشلّ مرافق الحياة ومتطلّباتها، بالإضافة إلى هذا كله، فإن العبيد كانت لديهم ثورة داخلية كامنة في نفوسهم على أوضائعهم البائسة في انتظار قائد يشعل هذه الثورة الكامنة في محيطهم فيلملم شتاتهم ويمدهم بالقوة.

فيقول عنترة:

قد طال عزُّكُم وذُلِّي في الهوَى .. ومن العَجائبِ عزُّكم وتذَلُّلي
لا تسقيني ماءَ الحياة بذلةٍ .. بل فاسقني بالعزَّ كاس الحنظل
ماءُ الحياة بذلةٍ كجهنم .. وجهنم بالعزَّ أطيبُ منزل

المدخل الثالث أنّ العرب تفشّى فيهم الظلم والتعصب الأعمى للقبيلة، فلم يكن هناك مصدر للاحتكام إليه إن أخطأ إنسان بحق إنسان، فها هي امرأة تدعى البسوس أشعلت حربًا دامت أربعين عامًا، بين قبيلتي بكر وتغلب، وأفنت آلافًا من البشر بسبب ناقة، وذاق مرارتها النبي محمد، عندما قالت:

لَعمرك لَو أصبحتُ في دارِ منقذٍ .. لَما ضيمَ سعدٌ وهو جارٌ لأبياتي
وَلَكنّني أَصبحتُ في دارِ غربةٍ .. مَتى يعدُ فيها الذئبُ يعدُ عَلى شاتي
فَيا سعدُ لا تغرر بِنَفسك واِرتَحل .. فَإنّك في قومٍ عنِ الجارِ أمواتِ
وَدونك أَذوادي فإنّي عنهمُ .. لَراحلةٌ لا يَفقدوني بنيّاتي

ويقول عنترة: «وإذا ظلمت فإن ظلمي باسلٌ .. مرٌ مذاقته كطعم العلقم».

وانتشرت الموبقات من شرب للخمور فها هو طرفة بن العبد يصف تعلّقه الشديد بالخمر:

وما زال تشرابي الخمور ولذَّتي .. وبَيعي وإنفاقي طَريفي ومُتلَدي
إلى أن تَحامَتني العَشيرة كلُّها ..  وأُفرِدتُ إفرادَ البَعيرِ المُعَبَّدِ

وانتشر الميسر والقمار وأكل الربا، ووأد البنات وقتل الأولاد ذكورًا وإناثًا خشية الإملاق، وهو الفقر، إذًا هي فرصة للنبي محمد أن يعلنها ثورةً قانونية على كل معتد وأن يؤسس قوانين يحتكم إليها في خلافهم، فلقد استعان أهل مكة بالنبي محمد في خلافهم لإعادة الحجر الأسود إلى الكعبة وكاد النزاع يدب بينهم، لكن النبي محمد أبدع في حل خلافهم ورضوا باقتراحه وكسب عقولهم وقلوبهم، وأيضًا كان له أن يعلنها ثورة  أخلاقية على كل ما يأنفه دامثي الخلق من العرب وأن يدعو إلى تحرير المرأة من ظلم أوليائها وأن المرأة هي أساس المجتمع، وأنّ اللّذة الذكورية بالمرأة ليست هي فقط الحكمة الإلهية من خلق المرأة، وأن الرزق بيد الله، والميسر والقمار إهدار للمال دون منفعة.

والمدخل الرابع أنّ العرب أهل تجارة وارتحال، فصيفًا إلى الشام وشتاءً إلى اليمن، ومنهم من كان شاهدًا على عظمة مدنيّة الحضارات المجاورة، وجمال معمارها، واستقرار سكانها، ويسر معيشتها، وأمن مواطنيها، فها هو عدي بن زيد أرسله كسرى رسولاً إلى إمبراطور الدولة الرومانية الشرقية بالقسطنطينية وأكرمه القيصر، وطاف به أرجاء مملكته وطاف به على دمشق فأنشد قائلًا:

ربّ دارٍ بأسفل الجزع من دومة .. أشهى إليّ من جيرون
وندامى لا يفرحون بما نالوا .. ولا يرهبون صرف المنون

إذًا هي فرصة للنبي محمد أن يعلنها ثورة مدنيّة تنتشل العرب من البداوة إلى الحضارة ومن الترحال إلى الاستقرار ومن كدّ العيش إلى رفاهية المدينة ومن ندرة الطعام إلى وفرته ومن الخيام إلى القلاع.

لا يعجز الناظر في أحوال العرب من إيجاد مدخلات كثيرة إلى عقولهم، فيسهل بها التحّكم في مجموعهم نظرًا لأحوالهم البائسة، لكن الحكمة الإلهية آثرت أن يكون المدخل الوحيد إلى قلوبهم هو «لا إله إلا الله»، مع أن هذا المدخل عسير على قلوبهم أن يفتح له أبوابها بعد أن صدأت أقفال قلوبهم بالأوثان والشرك برب الحنيفية المسلمة.

يتبع..

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد