المدخل إلى قلب الإنسان بلا إله إلا الله مدخل عضال، فالله غيب لا محسوس، والأنس صفة لازمت الإنسان منذ خلق الوجود، فالإنسان بحاجة إلى دليل مادي يأنس به ويقاوم جريان الشيطان في دمه، هذا الشيطان الذي تحدّى الله بإغواء الإنسان بعد أن امتنع عن السجود للمعجزة التي تفاخر الله بصنعها بيده أمام جميع خلقه. يقول الله عز وجل: «قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ۖ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ».

والصلصال ذو الحمأ المسنون الذي خلق منه الإنسان هو شيء مركب من عدة مكونات، ولا يتكون منه إنسان بدون أن تمتزج مكوناته ببعضها بمقادير مختلفة علمها عند صانعها، ولهذا لا يستطيع الإنسان إكمال مسيرته وحيدًا دون أن يألف بمحسوس يستشرق له مستقبله ويقرأ له غيب الغد، فآدم علم أنّ الشيطان تعالى على مكوناته وشهد على حقده من مكانته عند خالقه، يقول الله عز وجل: «قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ»، لكنّه بالرغم مما رأى استسلم لأنس الشيطان.

وعلى العكس لم يرأف به الشيطان، بل فطن للمدخل الأيسر لقلب الإنسان فاستطاع أن يخدّر عقله بعرض لايستطيع أن يقاومه، وهو عرض البقاء، يقول الله عز وجل «قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَىٰ»، والحقيقة أنه لم يكن عرضًا، بل كان فخًّا، أخرجه من الخلود إلى الفناء، ومن رضا الصانع إلى غضبه يقول الله عز وجل: «فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ». هذا كله وآدم موقن بلا إله إلا الله، وبينه وبين الله اتصال بدون وحيٍ أو وسيط، يقول الله عز وجل: «وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ».

توارث بنو آدم صفات أبيهم وانتقلت من جيلٍ إلى جيل حتى تغلّب الشيطان بغيّه على قلوبهم وأبدانهم، فها هو قابيل بن آدم يؤمن بوحدانية الله، ولكنه خالف تعاليم لا إله إلا الله، واستسلم لهواه وإغواء الشيطان له.

يقول الله عز وجل: «وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ»، ومع تكرار مخالفة تعاليم لا إله إلا الله، ووجود الشيطان المقسم بعزة الله أن لا يدخل النار خالي الوفاض، وإنما يجّر معه فيض من بني آدم جرًا إلى قعر النار، استحدث من المعاصي ما يجعل الإنسان في حالة سكر دائم فيغوص في أعماق المعاصي وينتقل من عمقٍ إلى عمق أعمق، حتى استحال عليه رؤية شاطئ النجاة، وأيقن أن ابتكاراته وتطور أساليب حياته ما هي إلا تكرمًا من الطبيعة وببركة عابد زاهد.

فالطبيعة هي من تعطيه وبقدر ما يجتهد تهبه الطبيعة من فيضها، والعابد الزاهد هو سبب رحمة الخالق على من حوله، فما وجد الشيطان أيسر من مدخل الوفاء حتى تدوم النعم، فجعل الإنسان يوجب على نفسه شكر الطبيعة والعابد الزاهد، فأوجد جيلا لم يجد إيفاءً لشكرهم إلا بعبادتهم، فتوراث بني الإنسان إشراك غير الله في عبادته حتى أنساهم الشيطان ذكر الله، فهاهم قوم نوح يتمسكون بأربابهم، يقول الله عز وجل: «وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا».

وهاهم قوم عاد يخاطبون نبيهم، يقول الله عز وجل: «قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ»، وها هم قوم ثمود، يقول الله عز وجل: «قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ»، وها هم قوم إبراهيم، يقول الله عز وجل: «إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ. قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ»، وها هم قوم لوط، يقول الله عز وجل: «وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ»، وها هم قوم شعيب، يقول الله عز وجل: «قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِين»، وها هم قوم موسى، يقول الله عز وجل: «وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ»، وها هم قوم عيسى عليه السلام، يقول الله عز وجل: «يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا».

إذًا لماذا بعد كل هذا التعنت والصد من قبل بني الإنسان يرسل الله نبيه العدنان لدعوة الناس بلا إله إلا الله، ولم يرسله بدعوة «قومية أو وطنية أو إصلاحية أو أخلاقية أو مدنية أو حقوقية أو…. إلى آخره»، وهل أسقط الله الحجة على الإنسان وأوجد له دليلًا ماديًا محسوسًا يأنس به كلّما غوى؟

يتبع..

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد