هناك سؤال يدور في خلد المتأمل في دعوة الأنبياء، لماذا تطابقت دعوة الأنبياء جميعهم بالدعوة بـ«لا إله إلا الله»، واِختلفت في طريقة وأسلوب الدعوة بـ«لا إله إلا الله»؟

الحقيقة التي يَجِب أنْ لا تَغيب عن عين الإنسان كما لايغيب ضوء الشمس عن الكون أنه ومحيطه وما فوق الأراضين وما تحتها وما في السماوات وما بينها وما بين السماء والأرض وِجَد بسبب كلمة لا إله إلا الله، فبدون كلمة «لا إله إلا الله» سيكون كل الوجود عدم، ولهذا كيف للإنسان أن يحقق عزته وهو لم يفهم سبب وجوده، وهل عزته تكون بانتصار عرقه على الأعراق الأخرى؟ أم تكون في مُجاهدته لنفسه وللشيطان بالإذعان لكلمة «لا إله إلا الله»؟ فمَنْ خلقه وخلق الأعراق الأخرى؟ أليس صاحب كلمة «لا إله إلا الله»؟ وحتى ولو انتصر عرقه وساد الدنيا أليس في داخل هذا العرق سيتولد منطق العبودية، ويكون هناك سيد العرق وعبيدٌ لسيد العرق؟

إذًا «لا إله إلا الله» وجدت ليرد كل أمرٍ إلى صانعه، ولهذا ففكرة القومية أو الوطنية والالتصاق بالطين والتراب وجعل الطين والتراب مقدمًا على الإنسان، هي فكرة مُخَالِفة لوجود كلمة «لا إله إلا الله»، فكيف لإنسان أن يعتقد أن أرضًا، أيًا كان موقعها من الدنيا، هي السبب في رزقه و رقيه واستقراره وأمنه وأمانه؟ وكيف لا يوقن أن كلمة «لا إله إلا الله» هي السبب الأول والأخير لرزقه ورقيه واستقراره وأمنه وأمانه؟ وأن القومية والوطنية، أو أيًا كان مسماها، ما هي إلا وسيلة لتحقيق الرزق والرقي والاستقرار والأمن والأمان تحت كلمة لا إله إلا الله؟ فإن خالفت تعاليم «لا إله إلا الله» فهي باطلة باطلة باطلة، أيا كان منطقها أو فلسفتها، ولن تؤدي إلا إلى ما يُهلك الإنسان في دنياه.

أليس رب مصر هو رب الشام ورب أوروبا ورب أمريكا ورب كل ما في الأرض وما عليها؟ إذًا مَن يهب الأمن والرزق والاستقرار وكل هذا، أليس  الله؟ بلى، و صلاحُ أوروبا وأمريكا دنيويًا ليس سببه الرئيسي أنهم حافظوا على بلدانهم، وقدموا أوطانهم على ساكنيها، بَلِ اتبعوا جزءًا من تعاليم «لا إله إلا الله» في الحفاظ على الإنسان وتقديمه على الطين وعلى التراب، وأصبح الإنسان هو الهدف الرئيسي لدى مجموع الأمة بحمايته وتوفير سبل الحياة الكريمة.

كذلك، فتمام الأخلاق وحسنها مصدرها ومنبعها هو: لا إله إلا الله، فالبشرية فُطرت على الإسلام، فآدم وذريته من الأنبياء أسلموا أرواحهم وأبدانهم وعقولهم وقلوبهم إلى «لا إله إلا الله»، ومكارم الأخلاق في جاهلية العرب ما هي إلا البقية الباقية من إسلام أجدادهم بـ«لا إله إلا الله»، فأي خُلق خالف تعاليم لا إله إلا الله يستحيل أن يكون خلقًا حسنًا، بل هو خلق قبيح باطل مُهْلِك.

إذًا كان لا بد للحكمة الآلهية أن تكون الدعوة بـ«لا إله إلا الله»، لأنها المنبع الوحيد لاستمرارية حياة الإنسان ونجاته دون أن يُهْلَك ما دام حيًا في دنياه ومُخلدًا في أخِرته، فهي شجرة طيبة باسقةْ، أَصلها ثابت وفروعها في السماء، متشابكة أغصانها، كثير وردها، صالح هوائها، يانعة ثمارها، طيب ريحها، مُصْلحة لِما تحتها، تعلو ولا يعلى عليها، ولذلك فَفُروعها تتمدد وتنتشر في الهواء بقدر ماتغوص جذورها في أعماق قلوب بني الإنسان، فكلما غاص الجذر عمقًا كلما تَجَذرت «لا إله إلا الله» في قلب الإنسان، وكلما علت وامتدت وتشابكت أغصانها وأينعت ثمارها.

لكنْ سنة الله في الكون أنْ لا تَنموَ شجرة بدون ماء، فأنزل القرآن ليكون ماء صافيا زلالا، وتعهد الله بحفظ هذا النبع الزُّلال إلى أنْ يَأذن بفناء الدنيا، فكان حجة على الإنسان، يَأْنَس به كلما استوحش الدنيا، وكلما ضَاقت عليه الأرض بما رحبت.

أمّا اختلاف أساليب الدعوة فهي من رحمة الخالق بصناعته، فالصانع قد يشكل صنعته كيفما يشاء وحِكمة الصانع أن يختلف الناس شعوبا وقبائل، ليبحث كل عن الآخر ويتعارف ويندمج معه ليتحقق مراد الله عز وجل.

يقول الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}، وباختلاف الصنعة كان لا بد من اختلاف أسلوب الدعوة، وحتى في الدعوة نفسها تجد من يسلم لها بالسلم ومن يسلم لها بالحرب ومن يسلم لها بالمعاملة ومن يسلم لها بالاقتناع ومن يسلم لها بالفخر.

هنا وجب على الإنسان أنْ يعلم أنَّ «لا إله إلا الله» هي الجسد، وأن ماءها هو القرآن والسنة، فبدونهما يأسن الجسد ويهلك سريعًا.

يقول الله عز وجل: {وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا}، فالقرآن بعدما أُحْكم وَفُصِّل وَبُيّن من قبل الله، رتله النبي محمد، وفي رواية أخرى فَرَّقْنَاه، أي أُنْزل آية بعد آية، وشيئًا بعد شيء، وقصة بعد قصة، ليرتله النبي محمد على مُكث حتى يترسخ في عقول الصحابة وقلوبهم، ثم يظهر ذلك كله على حركاتهم وسكناتهم، فقد قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «كنا لا نتجاوز عشر آيات حتى نتعلمهن ونعمل بهن، ونعلمهن، ونعلم حلالهن وحرامهن، فأوتينا العلم والعمل».

إذًا وجب على الإنسان أن يعلنها في داخله وخارجه «ثورة إسلامية»، على كل رواسب الجاهلية التي تقتات على هواه كما تقتات الطفيلات على جوانب النهر، ولا يزيلها إلا تدفق غزير للمياه من منبع النهر، أشبه بفيضان يجعل النهر يثور على نفسه، وهذه الثورة الإسلامية لا يستطيع أن يحدثها الإنسان بمفرده، كما النهر لا يستطيع أن يفيض دون عوامل تساعده، فالثورة الإسلامية تحتاج تجمعًا حركيًّا، وأن يكون التجمع الحركي في الوقت ذاته تمثيلًا صحيحًا وترجمة حقيقية للتصور الاعتقادي للإنسان، وهذا الاعتقاد لا بد أن يكون إقرارًا بعقيدة «لا إله إلا الله» بتمامها، وهو رد الحاكمية لله في الأمور كلها يقول الله عز وجل: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ}، ومن هذا التجمع الحركي المنصهر في عقيدته تنشأ الجماعة المسلمة المُكَوَّنة بناءها من القران، والتي لا غنى للثورة الإسلامية عنها لإزالة رواسب الجاهلية بتصوراتها واعتقادتها وسلوكها الواقعي من بني الإنسان.

يتبع..

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد