مُنْذ أنْ خِلق الوجود وأُبْعِد الإنسان مِن دار الخلود، لا يستطيع مُمارسة حياته اليومية منفردًا دون جماعة مِن بني جنسه، يأنس بهم ويأنسون به، وتتبدل المهام فيما بينهم؛ لتَسْتقيم سبل معايشهم، فصفة العيش في جماعة صفة جُبِل عليها الإنسان ولا يقوى جسده – الضعيف مقارنة بالكائنات الحية الأخرى والطبيعة الذلول له خَرَاجها – على استخدام ما سَخَّر الله له منفردًا، وحتى الكائنات الحية تعيش في جماعات داخل الجنس الواحد منها، وكذا الطبيعة من جماد ونبات تكون مصفوفة بعضها بجوار بعض، فلا تجد شجرة من النوع ذاته تنمو بعيدة عن مثيلاتها منفردة دون تدخل خارجي، فصفة الوحدانية اختصها الله لنفسه، فالله واحد ولا يستقيم الكون بدون وحدانيته يقول الله، عز وجل: «لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ۚ فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ»، ويقول الله، عز وجل: «قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَّابْتَغَوْا إِلَىٰ ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا». ويقول الله، عز وجل: «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ».

ورث شَيْث بن آدم النبوة من آدم، عليهما السلام، موحدًا لله مقيمًا لشعائره بين إخوته وأبنائه، ثم ورث إدريس، عليه السلام، وهو من ولد شيث بن آدم النبوة سائرًا على مِنْهاج آبائه، حتى كثر ولد آدم في جزيرة العرب، وبدأت سنة الله تسري عليهم يقول الله عز وجل: «هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ۖ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ»، فارتحل بنو آدم في مجموعات، فمجموعة انتقلت إلى العراق، ثم واصلت مجموعات منهم إلى آسيا وأمريكا، ومجموعة أخرى انتقلت إلى الشام، ثم وَاصلت مجموعات منهم المكوث في مناطق البحر الأبيض المتوسط، ومجموعة أخرى انتقلت إلى اليمن، ثم وَاصلت مجموعة منهم الانتقال إلى أفريقيا وبلاد الهند، وهكذا انتشر بنو آدم في ربوع الأرض، لكن مع انتقالهم صعب التواصل مع مصدر الدعوة، حتى تمكن منهم الشيطان وأنساهم أمر الله، يقول الله، عز وجل: «كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ»، فأرسل الله نوحًا، عليه السلام، لكنَّ دعوة نوح لم تقم به وحده، وإنما قامت به وبأنصاره، يقول الله، عز وجل: «وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ ۚ قَالَ إِن تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونََ»، فلو كانت الدعوة قائمة به منفردًا لقال: «إن تسخروا مني»، ولكنّها قائمة على مجموعة تتعاون وتتآزر فيما بينها.

ثم بدأ بنو آدم في إدراك الفائدة العظيمة من كيان المجموعة، فأنشأوا الحضارة السومرية وعينوا ملوكًا عليهم، فصار أشهر ملك لهم هو سرجون، ومن أشهر مدنهم أور، هذه المدينة التي خرج منها سيدنا إبراهيم عليه السلام، غادرها بزوجته وابن أخيه سيدنا لوط، عليهم السلام، إلى بلاد الشام بعد أن دعا قومه إلى عبادة الله وترك عبادة الأوثان ومُحَاجَّته للنمرود، لكن دعوته لم تأت أكلها في العراق، بل قيدوه وألقوه في نار مستعرة، ولولا تدخل الله، عز وجل، لكان نسيًا منسيًّا، يقول الله عز وجل: «قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ».

إِذًا حتى ولو كان نبيًّا، فبدون عُصبة مِن بني جنسه لا يستطيع إكمال دعوته وإتمامها، وحتى مقاومة أعدائه، لأن الدعوة بلا إله إلا الله ليست مقتصرة على الأنبياء فقط، وإنما لبني آدم قاطبة، ولأن الداعي لا يواجه الناس فرادى، وإنما يجعلهم الشيطان يتكتلون على رغم اختلافهم لمواجهة الحق.

وها هو موسى، عليه  السلام، يأمره ربه بالذهاب إلى فرعون لينهاه عن علوه، يقول الله عز وجل: «اذهَبا إِلى فِرعَونَ إِنَّهُ طَغى ﴿٤٣﴾ فَقولا لَهُ قَولًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَو يَخشى ﴿٤٤﴾ قالا رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَن يَفرُطَ عَلَينا أَو أَن يَطغى ﴿٤٥﴾».

وعلى الرغم من أنه أمر من الله، فإنَّ موسى، عليه السلام، أول ما بدر إلى ذهنه أنه وأخاه وحيدان أمام عصبة متحدة يصعب على الإنسان مواجهتها وحيدًا، وها هو عيسى، عليه السلام، يخاطب حوارييه، قال تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ ۖ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ ۖ»، فمع أنه امتلك من المعجزات المادية التي تجعل الإنسان يذعن له دون مُجَاهدة أتباعه لنشر دعوته، ولكنها سنة الله، ولن تجد لسنة الله تبديلًا.

وها هو معلم البشرية ومبعث الضياء، يرسله الله للإنسانية كافة، ولديه من الدعم الإلهي ما يجعله يحرك الجبال ويُطْبِقها على من خالف تعاليم لا إله إلا الله، لكنه يجتمع في دار الأرقم بن الأرقم سرًّا، ويدعو أبا بكرٍ الصديق فقط من يثق فيه، حتى يُكَوّن النبي محمد، صلى الله عليه وسلم، العصبة والجماعة التي ستنفذ الأمر الرباني، وتكون سندًا وعونًا للنبي محمد، صلى الله عليه وسلم، حين يُؤْمر بِتنفيذ الأمر الإلهي. يقول الله، عز وجل: «فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ»، وفي بيعة العقبة الثانية اجتمع للنبي محمد، صلى الله عليه وسلم، سبعون رجلًا من الأنصار فقالوا له: يا رسول الله! علام نبايعك قال: «على السمع والطاعة في النشاط والكسل، وعلى النفقة في العسر واليسر، وعلى أن تقولوا في الله لا تأخذكم في الله لومة لائم، وعلى أن تنصروني إذا قدمت إليكم، وتمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم، ولكم الجنة»، قال: فقمنا إليه، فبايعناه، ثم قال، صلى الله عليه وسلم : «أخرجوا إليَّ منكم اثني عشر نقيبًا، ليكونوا على قومهم بما فيهم، فأخرجوا منهم اثني عشر نقيبًا، تسعة من الخزرج، وثلاثة من الأوس»، وقد طلب الرسول – صلى الله عليه وسلم – منهم الانصراف إلى رحالهم.

يتبع..

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد