في أواخر فبراير عام 1954 اشتدت وطأة الصراع بين عبد الناصر، ومحمد نجيب داخل مجلس قيادة الثورة، بسبب محاولة الضباط أن يجنوا ثمار نجاح الحركة ولو على حساب المبادئ والأخلاق، فكان أول شيء فعله ضباط القيادة أنهم غيروا سياراتهم الجيب وركبوا سيارات الصالون الفاخرة، وترك أحدهم شقته المتواضعة واستولى على قصر من قصور الأمراء حتى يكون قريبًا من إحدى الأميرات التي كان قصرها قريبًا من القصر الذي استولى عليه، وترك ضابط آخر من ضباط القيادة الحبل على الغارب لزوجته التي كانت تعرف كل ما يدور في مجلس القيادة، وتستغل هذا لصالحها ولصالحه، وطارد آخر ناهد رشاد زوجة الطبيب يوسف رشاد، حتى شاع بين الناس أن الثورة طردت ملكًا وجاءت بثلاثة عشر ملكًا، وصدمت هذه التصرفات باقي الضباط الأحرار الذين يتصفون بالمثالية، فحمل بعضهم هذه الفضائح وواجهوا بها ضباط القيادة، لكنهم سمعوهم وقرروا التخلص منهم مثلما حدث مع ضباط المدفعية.

كان أول خلاف حول محكمة الثورة التي تشكلت لمحاكمة زعماء العهد الملكي، ثم حدث خلاف ثانٍ بعد صدور نشرة باعتقال بعض الزعماء السياسيين الذين تولوا مناصب في عهد فاروق، وكان من بينهم مصطفى النحاس، فرفض نجيب اعتقال النحاس باشا ومحا اسمه من القائمة، لكنه فوجئ بعد توقيع الكشف بإضافة اسم النحاس، ثم أصدرت محكمة الثورة قرارات ضاعفت من كراهية الناس للثورة، ومنها مصادرة 322 فدانًا من أملاك زينب الوكيل حرم النحاس باشا، كما حكمت على أربعة من الصحفيين بالمؤبد وبمصادرة صحفهم بتهمة إفساد الحياة السياسية.

ويضاف إلى هذه القرارات قرارات أخرى صدرت رغم رفض محمد نجيب التوقيع عليها، منها القرار الجمهوري بسحب الجنسية المصرية من ستة من المصريين من الإخوان المسلمين، وزاد الصدام بينه وبين مجلس القيادة عندما اكتشف أنهم ينقلون الضباط دون مشورته، ورفض زكريا محيي الدين أن يؤدي اليمين الدستورية أمامه بعد تعيينه وزيرًا للداخلية، وكذلك رفض جمال سالم، وذكر في مذكراته أنه اكتشف أن رجال الثورة كانوا قد عقدوا العديد من الاجتماعات بدونه، كل هذه الأمور دفعته لكي يفكر جديًّا في تقديم استقالته.

لم تكن أزمة مارس مجرد صراع علني على السلطة بين اللواء محمد نجيب، وأعضاء مجلس قيادة الثورة، بل كانت الأزمة أكثر عمقًا، كانت صراعًا بين اتجاهين مختلفين، اتجاه يطالب بالديمقراطية والحياة النيابية السليمة تطبيقًا للمبدأ السادس للثورة وهو إقامة حياة ديمقراطية سليمة، واتجاه آخر يصر على تكريس الحكم الفردي وإلغاء الأحزاب وفرض الرقابة على الصحف، وكتب نجيب في مذكراته قائلًا: “لقد خرج الجيش من الثكنات.. وانتشر في كل المصالح والوزارات المدنية فوقعت الكارثة التي لا نزال نعاني منها إلى الآن في مصر، كان كل ضابط من ضباط القيادة يريد أن يكون قويًّا، فأصبح لكل منهم شلة وكانت هذه الشلة غالبًا من المنافقين الذين لم يلعبوا دورًا لا في التحضير للثورة ولا في القيام بها”.

في 24 فبراير 1954، فاجأ اللواء محمد نجيب رئيس جمهورية مصر مجلس قيادة الثورة باستقالته، وفي 25 فبراير، أصدر مجلس القيادة بيان إقالة محمد نجيب، وحاول البيان الانتقاص من دوره، وتشويه صورته أمام الجماهير، فقد أكد البيان أن محمد نجيب طلب سلطات أكبر من سلطات أعضاء المجلس، وأن يكون له حق الاعتراض على قرارات المجلس حتى ولو كانت هذه القرارات قد أخذت بالإجماع، وادعى البيان أنه اختير قائدًا للثورة قبل قيامها بشهرين، وأنه علم بقيام الثورة ليلة 23 يوليو من مكالمة هاتفية من وزير الداخلية فتحرك إلى مبنى القيادة وهناك تقابل مع عبد الناصر الذي وافق على ضمه وتنازل له عن رئاسة المجلس.

وفي الأيام التالية نشرت الصحف اتهامات مجلس القيادة لنجيب على لسان صلاح سالم وتعقد الموقف أكثر فأكثر، فقد أيد ضباط سلاح الفرسان محمد نجيب ولكن التأييد الأهم جاء من الشارع الذي تحرك فور إذاعة بيان إقالته على الملأ على نطاق واسع للمطالبة بعودته، وخرجت الجماهير في مظاهرات احتجاج قوية، وقد لعب الإخوان والشيوعيون – في التقاء مصالح مؤقت- دورًا كبيرًا في تحريك الشارع ضد عبد الناصر وقيادة الثورة، وانهالت البرقيات على المجلس ودور الصحف ترفض الاستقالة، واندلعت المظاهرات التلقائية في القاهرة والأقاليم لمدة ثلاثة أيام تؤيد نجيب، وكانت الجماهير تهتف “محمد نجيب أو الثورة”، وفي السودان اندلعت مظاهرات جارفة تهتف “لا وحدة بلا نجيب”، وانقسم الجيش بين مؤيد لعودة اللواء محمد نجيب وإقرار الحياة النيابية، وبين المناصرين لمجلس قيادة الثورة، وأشرفت البلاد على حرب أهلية.

تداركًا للموقف أصدر مجلس القيادة بيانًا في السادسة من مساء 27 فبراير 1954 جاء فيه “حفاظًا على وحدة الأمة يعلن مجلس قيادة الثورة عودة اللواء أركان حرب محمد نجيب رئيسًا للجمهورية وقد وافق سيادته على ذلك”.

وهكذا عاد محمد نجيب إلى الحكم محمولًا على أكتاف الجماهير التي خرجت في مظاهرات شعبية لم تعدها مصر من قبل، وبدء نجيب فور عودته إلي الحكم مشاوراته مع مجلس القيادة للتعجيل بعودة الحياة البرلمانية، وفي ليلة 5 مارس صدرت قرارات ركزت على ضرورة عقد جمعية لمناقشة الدستور الجديد وإقراره، وإلغاء الأحكام العرفية والرقابة على الصحف، والإفراج عن جميع المعتقلين السياسيين.

وفي اليوم التالي 28 فبراير خرجت مظاهرات إخوانية مؤيدة لنجيب، قوامها حوالى مائة وخمسين ألفًا تقريبًا من المتظاهرين، عرفت لاحقًا باسم “مظاهرات عابدين”، تهتف “إلى الثكنات إلى الثكنات.. إلى الثكنات رجال الجيش”، ليس بسبب مطالبتهم بالديموقراطية وإنما عداءً من عبد الناصر ومحاولة اقتناص أي مكاسب سياسية، وتحرك المتظاهرون من جامعة القاهرة إلى قصر عابدين، وكان يقود المظاهرة عبد القادر عودة لسبب غير مفهوم، لأن العلاقة بين عبد القادر عودة وعبد الناصر كانت حسنة جدًا، حتى إنها لم تتأثر باشتداد الخصومة والصراع بين عبد الناصر والهضيبي.

وحينما أصدر عبد الناصر قراره باعتقال قيادات الإخوان كان عبدالقادرعودة هو الوحيد من بينهم جميعًا الذي استثني من قرار الاعتقال، بل سمح له بزيارة السجن الحربي حيث كان الإخوان يمضون فترة الاعتقال، وكان عودة يحاول جاهدًا خلال زيارته، التقريب بين قيادات الإخوان وعبد الناصر سعيًا لعقد المصالحة بين الجانبين، وكان يقول ويكرر إنه لا يوجد مبرر للصدام مع عبد الناصر أو الثورة، قد يوجد مبرر للخلاف، ولكنه لا يرقى إلى مستوى الصدام، خاصة أن كل القرارات التي اتخذها عبد الناصر حتى الآن لها ما يسندها في الشريعة الإسلامية، هذا هو رأي عبد القادر عودة الذي كان يجاهر به في وجوه الإخوان في ذلك الوقت.

ويعتقد أن قيادة عودة للمظاهرات جاءت بسبب الخصومة التي حدثت بين عبد القادر عودة والهضيبي، لأن الهضيبي قد عزله من منصب وكيل الجماعة وجاء مكانه برجل آخر هو محمد خميس حميدة، فجاءت تلك المظاهرات فرصة لإثبات زعامته وشعبيته بين جموع الإخوان، وحين وصلت المظاهرة إلى ميدان عابدين، بدأت الهتافات في الهجوم على عبد الناصر، ورفعوا عودة على الأعناق، وتعالت الهتافات “الله أكبر ولله الحمد”، ثم حمل عودة بين أيديه قميصًا ملوثًا بدم أحد القتيلين اللذين كانا قد سقطا برصاص الجيش أثناء تصديه للمظاهرة عند كوبري قصر النيل وهي في طريقها إلى قصر عابدين، وتعالت هتافات عبد القادر عودة وهو يلوح بالقميص الملوث بالدم وهو يهتف “هذا عمل المفسدين.. هذا عمل المجرمين”.

وفي هذه الأثناء كان عبد الناصر في شرفة القصر ومعه عدد من أعضاء مجلس قيادة الثورة، متابعين للمظاهرات الإخوانية بقيادة عبد القادر عودة، وحينما اقترب عبدالناصر من عودة محاولًا مصافحته، أبى أن يصافح عبد الناصر أمام جمهور الإخوان حرصًا على كسب تأييدهم وثقتهم على حساب خصمه اللدود حسن الهضيبي، وأعتقد أنه برفضه مصافحة عبد الناصر أمام هذه الحشود الكبيرة، سوف يكسب ورقة يلعب بها مع الهضيبي على زعامة الإخوان وقيادتهم.

اشتعلت المظاهرة أكثر فأكثر، وخشى محمد نجيب أن تحدث مصادمات بين المتظاهرين، وبين قوات الجيش الموالية لعبد الناصر ورفاقه، فخرج محمد نجيب مع عبد الناصر من شرفة قصر عابدين محاولًا تهدئة المتظاهرين، وصاح بهم نجيب لمرات عديدة كي ينصرفوا دون جدوى، وبدا أن عبد الناصر فقد السيطرة على الشارع، فاستنجد محمد نجيب بعبد القادر عودة لكي يصرف الجماهير، ووافق عبد القادر عودة على أن ينضم إليهم في شرفة القصر بعد أن طلب منه محمد نجيب ذلك، ودخل نجيب داخل شرفة القصر، وغاب مع عودة بالداخل لدقائق معدودة، ثم عاد مرة أخرى مصطحبًا عودة، الذي وقف في شرفة قصر عابدين على مقربة من عبد الناصر ليخطب في المتظاهرين خطبة حماسية، وبعد أن أنتهى، أشار عودة بيده إلى المتظاهرين وقال لهم ثلاث كلمات فقط :
“انصرفوا دون هتاف”، فانصرف المتظاهرون الأخوان طائعين في دقائق معدودة. انتهت المظاهرة لكن لم ينسَ ناصر ما حدث قط.

بعد أقل من شهر على مظاهرة عابدين الشهيرة، وفي 20 مارس 1954 زار الملك سعود ملك السعودية مصر، وتوسط لدى عبد الناصر للإفراج عن الإخوان بناءً على طلبهم، كان عبد الناصر بعد استقالة نجيب القصيرة قد أصبح رئيسًا للوزراء مما سمح له بأحكام قبضته على الأمور وزمام الجيش، ولذلك بعد أن انتهت الأزمة، كان عبد الناصر هو المسيطر الحقيقي على الأحداث، فاستجاب عبد الناصر لطلب ملك السعودية وأصدر قراره بالإفراج عن جميع الإخوان المعتقلين بمن فيهم حسن الهضيبي في الخامس والعشرين من ذات الشهر وسط اندهاش الجميع.

وزاد المفاجأة وقعًا بأن توجه ناصر في مساء نفس يوم الإفراج إلى منزل الهضيبي ليزوره ويطيب خاطره، ولكن الهضيبي قابله باستعلاء تجلى واضحًا في لحظة مغادرة عبد الناصر لبيت الهضيبي فلم يكلف نفسه بمصاحبة عبد الناصر حتى باب المنزل، ونشرت صحيفة المصري في اليوم التالي أن عبد الناصر والهضيبي قد اتفقا على أن تعود الجماعة لممارسة نشاطها بحرية كاملة، وأن يفرج عن كل المعتقلين من أعضائها وأن يعلن مجلس قيادة الثورة أسباب حل الإخوان، وأكد الهضيبي أن الجماعة ستكون عونًا للحكومة على طرد الإنجليز، وبالطبع لم تكن تلك الأخبار مؤكدة.

وفي نفس يوم الإفراج عن الهضيبي 25 مارس 1954، اجتمع مجلس قيادة الثورة كاملًا، وانتهى الاجتماع إلى إصدار عدة قرارات خطيرة، ونشرت جريدة المصري بتاريخ 26 مارس 1954 تلك القرارات في مانشيتاتها الرئيسية “حل مجلس الثورة يوم 24 يوليو وتسليم البلاد لممثلي الشعب.. السماح بقيام الأحزاب.. مجلس الثورة لا يؤلف حزبًا.. رئيس الجمهورية تنتخبه الجمعية التأسيسية.. لا حرمان من الحقوق السياسية حتى لا تتأثر حرية الانتخابات”، وقال الخبر في تفاصيله أن مجلس الثورة قد عقد اجتماعًا طويلًا دام لمدة خمس ساعات كاملة بحث خلالها الموقف الداخلي، وبعد انتهاء الاجتماع خرج الصاغ كمال الدين حسين إلى الصحفيين وأذاع عليهم القرارات التاريخية الذي اتخذها المجلس واستجاب فيها لرغبات الشعب، ونص القرار على “قرر مجلس قيادة الثورة بجلسة اليوم 25 مارس 1954 على التالي:

أولًا: يسمح بقيام الأحزاب.

ثانيًا: المجلس لا يؤلف حزبًا.

ثالثًا: لا حرمان من الحقوق السياسية حتى لا يكون هناك تأثير على حرية الانتخابات.

رابعًا: تنتخب الجمعية التأسيسية انتخابًا حرًّا مباشرًا بدون أن يعين أي فرد ويكون لها السيادة الكاملة والسلطة الكاملة، وتكون لها سلطة البرلمان كاملة، وتكون الانتخابات حرة.

خامسًا: حل مجلس الثورة في 24 يوليو المقبل باعتبار الثورة قد انتهت، وتسليم البلاد لممثلي الأمة.

سادسًا: تنتخب الجمعية التأسيسية رئيس الجمهورية بمجرد انعقادها.

كانت تلك القرارات في ظاهرها إيجابية، لكن الحقيقة أن ذلك لم يكن إلا تراجعًا تكتيكيًّا من عبد الناصر ومجموعته لإزالة الاحتقان في البلاد.

ويقول محمد نجيب في مذكراته “كانت هذه القرارات في ظاهرها ديمقراطية وفي باطنها فتنة وتوتر، فقد أثارت الناس الذين لم يرق لهم أن تعود الأحزاب القديمة بكل ما توحي من فساد وتاريخ أسود، وبكل ما توحي لهم بنهاية الثورة التي عقدوا عليها كل آمالهم في التطهر والخلاص، وأثارت هذه القرارات ضباط الجيش الذين أحسوا أن نصيبهم من النفوذ والسلطة والمميزات الخاصة قد انتهى”.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عبدالناصر وأزمة مارس 1954 – عبد العظيم رمضان
- تحولات الإخوان المسلمين - حسام تمام.
- موسوعة الحركات الإسلامية الجزء السابع.. الإخوان المسلمون من حسن البنا إلى مهدي عاكف - عبد الرحيم علي.
- نهاية الجماعة - د. يوسف حسن يوسف.
- الفلول قصة المتحولين سياسيًّا من ثورة يوليو إلى ثورة يناير - مصطفى شحاتة.
- عبد الناصر والجماعة من الوفاق إلى الشقاق - المستشار الدمرداش العقالى.
- الملفات السرية للإخوان المسلمين - عبد الرحيم علي.
- الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ - محمود عبد الحليم.
- كنت رئيسًا لمصر – الرئيس محمد نجيب.
عرض التعليقات
تحميل المزيد