الصراعات السياسية دائمًا ما تستحوذ على انتباهنا لما لها من سطوة تجعلنا ننغمس تمامًا فيها، وفي الوقت نفسه نغفل عن الأبعاد المعرفية الأهم والتي تمكننا من استقراء الماضي وتحليل معطيات الحاضر واستشراف المستقبل.

وقبل الخوض في إيضاح الفكرة نود أن نؤكد أن ذلك اجتهادٌ معرفي وليس تحليلًا سياسيًا على الإطلاق، فنحن لا نساوي أبدًا بين الجلاد والضحية، ولا نتخذ موقفًا محايدًا من المجازر التي ارتُكبت، والأعراض التي انتُهكت، والدماء التي سالت.

إنما نحن ننظر للمسألة في هذا المقال من منظور معرفي يحاول الوصول إلى مستويات عميقة لا تطفو على السطح ولكنها تحركه في الخفاء.

وهو اجتهاد نراه صوابًا لكنه يحتمل الخطأ.

عندما سُئل هتلر عن سبب معاداته لليهود قال: «لا يمكن أن يكون هناك شعبان مختاران، ونحن وحدنا شعب الله المختار».

قام المفكر الدكتور عبد الوهاب المسيري – رحمه الله – في كتابه «الصهيونية والنازية ونهاية التاريخ» – والذي سنعتمد عليه بالكامل في هذه الورقة – بتناول الظاهرة النازية، انطلاقًا من مستوى تحليلي حضاري معرفي، يتجاوز السرد التاريخي والمستوى السياسي المباشر ومنطق مراكمة المعلومات والحقائق، وتعامل معها مستخدمًا منهج دراسة الظواهر التاريخية الحضارية من خلال النماذج التفسيرية، التي تتبدى من خلالها الأسس والمعايير الحضارية والأهداف والغايات النهائية التي تساهم في تحديد سلوك الإنسان.

وقد توصل – رحمه الله – إلى أن هناك مجموعة من الأفكار المشتركة بين الرؤيتين النازية والصهيونية التي تشكل الإطار الحاكم لكلٍ منهما:-

  • القومية العضوية
  • النظريات العرقية
  • تقديس الدولة
  • النزعة الداروينية النتشوية

وقال إن كلًّا من الصهيونية والنازية حولتا النزعة الأرضية والدنيوية، وهما من الأمور المادية؛ إلى كيانات ميتافيزيقية أي إلى دين.

فتدوران حول قيمة مطلقة تحيطها القداسة الدينية، الدم والتربة، فكلتا الحركتين ضرب من ضروب المشحانية السياسية (الأخروية العلمانية) التي تحول الدنيوي المدنس إلى مقدس.

وقد قمنا بوضع فرضية موازية لفرضية المسيري تحاول أن تطبق نفس هذا النموذج التاريخي على واقعنا المعاصر.

والصهيونية والنازية كلاهما كان جزءًا لا يتجزأ من تاريخ الفكر والحضارة الغربية، وبالتالي لا يمكن دراستهما بمعزل عن المنظور المعرفي الشامل لها.

ذلك عن الصهيونية والنازية فماذا عن العسكر والإخوان؟!

أصبح العسكر والإخوان جزءًا من نظام عالمي غربي ليسوا بمعزل عنه أيضًا بل تأثر كل منهما به بشكل ما أو بآخر.

وينبغي التأكيد على أننا نركز بحثنا هنا على جوانب التشابه بين سلوك بعض أعضاء أو مؤيدي الإخوان، وكذلك بعض أعضاء أو مؤيدي العسكر، مع الصهيونية والنازية بوصفهما أيديولوجية.

ولا نرى بأي حال من الأحوال تطابق فكر الإخوان مع الصهيونية، ولا فكر العسكر مع النازية. نحن نتكلم عن تأثر البعض بالعلمنة الشاملة، وعمليات الترشيد، والحداثة والنفعية، على المستوى الفردي والإجرائي فقط.

القومية العضوية

تتلخص فكرة القومية العضوية ببساطة في كونها نسقًا مغلقًا، لا يسمح بأي شكل من أشكال عدم التجانس ويفصل بحدة بين جماعته وبين المجموعات الأخرى، وهو مفهوم يلغي إرادة الإنسان الفرد وحريته.

وهنا نجد أن العسكر والإخوان أو بعض مؤيديهم يتبنون هذا المفهوم، فهم كيان منغلق على نفسه بيروقراطي هرمي، لا يسمح بأي نوع من الاختلاف أو عدم التجانس، ويفصل بينه وبين جميع مكونات الشعب الأخرى، ولا يملك فيه الفرد إرادة أو حرية أو قدرة على الاختلاف تحت مبررات شتى كالحفاظ على الوطن أو عدم شق الصف الثوري.

النظريات العرقية

من الأفكار المتشابهة أيضًا هو مفهوم النقاء العرقي، فكل من العسكر والإخوان يقدمون أنفسهم بحسبهم النموذج الذي لابد أن يُحتذى به من قبل الجميع.

فالعسكر ينظرون لأنفسهم أنهم نموذج الوطنية والالتزام والدقة في الإدارة والذي عليه مهمة قيادة قاطرة الوطن وعلى الجميع أن يسير خلفهم بنفس الدقة والالتزام!

وبعض الإخوان ومؤيديهم ينظرون لأنفسهم أنهم نموذج التدين والدفاع عن الحق وبذل الغالي والنفيس لخدمة الإسلام، وأنهم من يقود قاطرة الحق وعلى الجميع الاصطفاف خلفهم.

تقديس الدولة

يصل التطابق لمداه في قضية الدولة، فالعسكر ينظرون لأنفسهم كونهم الدولة وأن بقاءهم في الحكم هو بقاء للدولة ذاتها، ولا يختلف الأمر كثيرًا عند الإخوان الذين ينظرون للدولة كونها حجر الأساس في مشروعهم، والتي تحولت من مجرد وسيلة إلى غاية في حد ذاتها.

فتصور كليهما عن التغيير والإصلاح المنشود لا يتجاوز تسليم الناس لأدوات القوة للدولة كي تحميهم من أنفسهم، فهي رؤية تماثل القومية الحديثة من حيث البطش والإقصاء، واختراق كل المساحات، والهيمنة على الأفراد، واحتكار الرشد، والحديث باسم الأخلاق، وفرض التقوى، وتقنين المعروف، ومصادرة قوة المجتمع، وقدرات الأفراد.

النزعة الداروينية النيتشوية

داخل هذه المنظومة ينقسم العالم وبحدة إلى مجموعة من السادة الأقوياء من أعضاء الشعب المختار، ومجموعة العبيد الضعفاء الذين لم يقع عليهم الاختيار وينتمون إلى الفريق الآخر، والسادة الأقوياء لهم حقوق مطلقة فهم يجسدون المبدأ الواحد. أما الفريق الآخر فمآلهم إلى الاختفاء عن طريق الإقصاء والإبادة (المادية أو المعنوية).

وسنجد أن كلًّا من العسكر والإخوان تحول إلى كيان مقدس يكتفي بذاته يحوي مركزه داخله ولا يمكن الحكم عليه بأي معايير أخلاقية متجاوزة له.

وهم لا يقبلون أن يجعلوا واجبهم «المقدس» نحو تجسيد النموذج الراقي واجبًا لكل الأفراد، ففي هذا خفض لمستواه وتدن له، وبالتالي هم لا يشركون الآخرين في المسؤولية.

فبين «ثمن الشرعية حياتي أنا» وبين «أنا خدت الضربة في صدري» يظهر تصور الإنسان الأعلى Superman الذي تكلم عنه نيتشه الذي يحسم الاختلاف بالقوة.

فأصحاب تلك المنظومة يجسدون المطلق وتصبح إرادتهم هي الحق المطلق ذاته وهم مرجعية ذواتهم وهذا هو جوهر كل المنظومات العلمانية المعرفية والخُلقية، فأي زخارف أخلاقية ستظل زخارف وديباجات لا علاقة لها بمنطق النسق العام بينما يظل العنف والقوة والسطوة هو الجوهر والمحك.

وتصبح الحياة بالنسبة لهم توسعًا ونموًا واستيلاءً على الآخر وهزيمة له، ومعاداة للفكر واحتقارًا له، وتمجيدًا للفعل المباشر ولأخلاق السادة الأقوياء.

وتصل النيتشوية أقصاها عندما يتحد الإله معهم ليكونوا نظامًا مقدسًا دائريًا مغلقًا عضويًا، يهلك كل من يقع خارجه، هنا لن يقبلوا لك حتى مجرد أن تتفق معهم في نقاط وتختلف في أخرى. إنهم يبحثون عن التطابق الكامل، وعن اليقين الجازم، وعن الموقف الحاسم.

فإن أخفقت في واحدة منهم فأنت خارج دائرة القداسة ولن يشفع لك شيء ولا حتى الموت نفسه فسيتتبعونك حتى باب قبرك!

ولعل ما يربط الجميع هو سيطرة فكرة الحل النهائي الشامل الجذري ووهم التحكم الكامل.

فهذه التنظيمات ومؤيدوها تؤمن بإمكانية المعرفة الكاملة واليقينية والتي من خلالها يمكن التحكم الكامل في الواقع، ووضع الحلول النهائية لكل المشاكل التي يعانيها المجتمع والإنسان بشكل شامل، ومن ثم إعلان نهاية التاريخ أو أستاذية العالم أو مصر التي ستكون «قد الدنيا»!

يصبح كل شيء واضحًا لا لبس فيه أبيض/ أسود، حق/ باطل، وتوضع الحلول النهائية لجميع المشاكل ويتم التحكم في كل شيء وتفسير كل شيء في إطار قانون عام واحد. فلا توجد ثنائيات ولا مطلقات ويختفي الإنسان حتى نصل إلى الفردوس الأرضي.

يتضح ذلك جليًا في مفهوم نهاية التاريخ والفرق بينه وبين مفهوم يوم القيامة.

فيوم القيامة هو نقطة خارج الزمن تقع في العالم الآخر وهو ما يعني أن الزمان التاريخي الممتد لن يصبح في يوم من الأيام خاليًا من التدافع أو خاليًا من الظلم والشر، أي أن ثمة ثنائية لا تُمحى ولا تُرد إلى غيرها. أما نهاية التاريخ فتتحقق داخل الزمن الإنساني وعلى الأرض حين يؤسس الإنسان الفردوس الأرضي الذي تختفي فيه الثنائيات ويسوده الخير والحق والعدل المطلق، والذي يجسده قطعًا صاحب القوة والسوط!

لماذا نبحث عن أوجه التشابه بين الصهيونية والنازية وما علاقة ذلك بالصراع الدائر بين العسكر والإخوان؟!

يقول الباحث توباياس ستون لا تدرك الجماهير ولا زعماؤهم الشعبويون في البداية مآلات أفعالهم الكارثية كما ندركها نحن بعد دراسة التاريخ، بل يرون أنهم على حق، فتنطلق الجماهير الغاضبة في التهليل لأولئك الزعماء الشعبويين الذين بدورهم يتغذون على عاطفة وغضب الجماهير. كما أنهم يحقرون كل رأي منتقد لتلك الموجة من التأييد والانقياد. إن مثل ذلك السلوك يحدث لأن الجماهير وقادتهم الشعبويين ينظرون لحاضرهم فقط متجاهلين الماضي والمستقبل، إضافة إلى أن تركيزهم ينصب على واقعهم المحلي دون محاولة إدراك كيف تترابط الأحداث العالمية، فضلًا عن أن السواد الأعظم منهم لا يقرؤون ولا يسمعون للآراء المخالفة لهم.

وتلك هي الإجابة أملًا في تحاشي الكارثة قبل وقوعها.

والله أعلم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد