نشرت بكتاب «الخازوق» - الجزء الثاني - صدر عن دار نشر ميريت فبراير 2018

الشك الذي ساور المصريين أثناء أيام الثورة، بشأن موقف القوات المسلحة وولائهم، نابع من كون مؤسسة الجيش المصري إحدى المؤسسات المصرية السيادية، التي لا تخضع لأي رقابة من أي نوع، فهو بمثابة إمبراطورية اقتصادية ضخمة، يحظى كبار قادتها بالعديد من المزايا، والإعفاءات الضريبيةـ والسيطرة على أراضي الدولةـ وتفاصيل ميزانية الجيش غير معلومة وسرية حتى لأعضاء البرلمان المصري، ولا يوجد أي حساب لميزانيته بحجة السرية، والجيش مدلل بالرغم من أنه لم يحارب، والواقع أن الجيش لم يطلق طلقة واحدة منذ توقيع معاهدة السلام مع إسرائيل.

ففي فترة قيادته الطويلة للجيش، استبدل المشير طنطاوي بفكرة الاعتماد على ميزانية الدولة في زيادة مرتبات ضباط الجيش، وسيلة أخرى أنفع، هي تعزيز النشاط الاقتصادي للقوات المسلحة، ومدّه ليدخل في كل الجوانب التي يمكن تصورها، لكي لا تظل كل المرافق التابعة للقوات المسلحة، من مستشفيات ونوادٍ اجتماعية ومنافذ خدمية، قاصرة على ضباط الجيش فقط، بل تتحول إلى مؤسسات تجارية، تحقق أرباحًا كبيرة، تصب في ميزانية الجيش، فمؤسسة الجيش تمتلك مزارع، ومصانع، وشركات للأعمال العامة، وشركات فندقية تمتلك عشرات الفنادق الفخمة، وعمالة مجانية تقدر بآلاف المجندين، بل إن شركة المياه المعدنية «صافي» التي يمتلكها الجيش، سُميت بهذا الاسم تيمنًا بـ«صافي» ابنة وزير الإنتاج الحربي وقتها، التابع لمؤسسة الجيش «سيد مشعل»، وكأنها ضيعته الخاصة، بل إن مؤسسة الجيش متذرعة بالأمن القومي تتحكم في مساحات واسعة من الأراضي في أفضل المناطق في قلب القاهرة نفسها، وباقي المحافظات، ويمكن وفقًا لما تضعه من قوانين أن تتنازل عنها مقابل أموال طائلة.

وفي دراسة مهمة بعنوان «جنرالات حسني مبارك- الوظائف الثانية والمكافآت المالية لنخبة مصر العسكرية»، يتحدث الباحث هشام بو ناصيف أستاذ العلوم السياسية المساعد في كلية كارلتون، عن الإمبراطورية الاقتصادية للقوات المسلحة، التي تتمثل في نشاطات وزارة الإنتاج الحربي والهيئة العربية للتصنيع، وجهاز مشروعات الخدمة الوطنية، التي تشغل حوالي 35 مصنعًا ومزرعة، مستشهدًا بالباحثة زينب أبو المجد التي تكشف أن نسبة 40% من إنتاج وزارة الإنتاج الحربي في فترة دراستها كان نشاطها منتجات غير عسكرية، كما أن نسبة 70% من منتجات الهيئة العربية للتصنيع كانت منتجات غير عسكرية، وكل هذا النشاط الاقتصادي، كما يقول بو ناصيف، يعمل خارج أي سيطرة مدنية، أو رقابية، إذ لا يحاسب الضباط الذين يديرون هذه الأجهزة أبدًا، وتعد المعلومات التي تخص أجهزتهم أسرارًا عسكرية، لا يمكن الكشف عنها للمدنيين، وهو ما يعلق عليه بو ناصيف قائلًا: «لذلك ليس من المدهش أو المستغرب، أنه في تركيبة وهيكلة كهذه، بعيدة عن المراقبة الخارجية، تنتشر ألاعيب وحيل مالية فجة، بين كبار الضباط الذين أصبحوا يجنون مبالغ فلكية للغاية، من عملهم في تلك الأنشطة الاقتصادية»، لتنشأ في مصر ما سماها الباحث المرموق «روبرت سبرنغبورغ Robert Springborg»: «الشركة العسكرية»، إذ تحققت أرباح هائلة، نتيجة امتيازات العمالة الرخيصة التي يقدمها جنود يتحولون إلى عمال، يعملون بدون مقابل تقريبًا خلال فترة تجنيدهم الإجبارية لصالح المؤسسة العسكرية.

بل إمعانًا في التمييز، يقيم ضباط الجيش داخل تقسيمات أراضي خاصة، ويتمتعون بنوادي رياضية، وأماكن اصطياف خاصة، أما اللواءات فيحظون بتقاعد شديد الربحية، من خلال وجودهم على رأس المؤسسات العامة، وتخضع رواتب العسكريين في مصر لأهواء القائد، فيمكن لأحد اللواءات أن يحصل على راتب 5000 جنيه مصري، ويمكن لأخر في سنه نفسها ومنصبه أن يحصل على خمسين ضعف هذا المبلغ، وهو ما جعل المشير طنطاوي، كما كتب الروائي أسامة الشاذلي، في شهادة له بحكم عمله ضابطًا في القوات المسلحة سابقًا، يعلن بفخر رفضه طلب زيادات في مرتبات الضباط من مبارك، قائلًا للضباط في مؤتمراته: «محدش يكلمني في زيادة مرتبات.. أنا مدخل عندكم فلوس عشان تعتبروا مرتباتكم بوكيت موني»، ويشير بو ناصيف في دراسته، إلى أن صغار الضباط وضباط المرتبة الوسطى لم يحققوا مكاسب في ظل عهد مبارك، مثل كبار الجنرالات، إذ وصل الراتب الشهري لرتبة ملازم أول في القوات المسلحة بحلول نهاية حكم مبارك، بالكاد إلى 2200 جنيه، لكن القوات المسلحة كانت تسد نقص الراتب بتوفير الرعاية الصحية، والمرافق السكنية التي يدفع الضباط ثمنها أقساطًا شهرية، مضيفًا: «لكن في حالة إذا ما بقي هؤلاء الضباط مخلصين أو على الأقل لا سياسيين، فيمكنهم الصعود في التسلسل الهرمي، والانضمام إلى دائرة كبار الضباط من أصحاب الامتيازات، بعبارة أخرى، يمكن أن يأتي دورهم إذا امتثلوا للنظام».

ففي نتائج دراسته، يلاحظ هشام بو ناصيف أن حكام مصر منذ ما بعد يوليو (تموز) 1952 تشاركوا جميعًا في إدراكهم حقيقة مهمة، هي أن بقاءهم في السلطة مرتبط بربط قادة أجهزة القوات المسلحة والشرطة بحكمهم، وهو أمر حققوه من خلال تحويل مصر إلى «مجتمع عسكري»، طبقًا للتعبير الذي صكه الدكتور أنور عبد الملك، إذ فتح جمال عبد الناصر أبواب العمل في الجهاز المدني للضباط، وبدأ أنور السادات في تأسيس إمبراطوريتهم الاقتصادية، وشجّع مبارك الضباط على دخول مجال الأعمال، مع الحفاظ على تقاليد عهد عبد الناصر، بتعيين كبار الضباط في مناصب مدنية مهمة، ومديرين للمؤسسات الاقتصادية، واستخدم مبارك زيادة الامتيازات المالية لكبار الضباط وسيلة ثابتة للتحكّم في القوات المسلحة، إذ ربط مبارك خلال ثلاثة عقود قضاها في السلطة، كبار الضباط بنظامه برابطة أبدية لا تنفصل، بتعزيز امتيازاتهم المادية والسماح لهم بالاستفادة والتربّح من مناصب ما بعد التقاعد، وتوغّل الضباط في المناصب المدنية أيضًا في شركات مملوكة للدولة، وظلت تُمنح الأفضلية لضباط الجيش المتقاعدين على غيرهم من المدنيين، مثلًا كان ضباط القوات البحرية الأرجح في الحصول على مناصب رفيعة في مجال النقل البحري، مقارنة بأقرانهم من المدنيين، فآخر ثلاثة قادة للقوات البحرية في عهد مبارك احتلوا المناصب القيادية في هيئة قناة السويس، كما عُيّن رؤساء الموانئ في الإسكندرية، وبور سعيد، ودمياط، والبحر الأحمر، وكذلك الحال في ما يخص رؤساء أقسام هذه الموانئ المختلفة الذين اختيروا دائمًا من ضباط البحرية السابقين، ولم يختلف الوضع كثيرًا في مجال الطيران المدني والمطارات، الذي يحتله ضباط القوات الجوية، وقطاع الاتصالات والمعلومات الذي ينتشر فيه ضباط سلاح الإشارة، فضلًا عن تعيين بعض كبار ضباط القوات الجوية، وقوات الدفاع الجوي في السلك الدبلوماسي، وحتى في هيئة الآثار المصرية عُين 88 لواءً سابقًا في وظائف قيادية فيها، وفي وزارة البيئة احتل كبار الضباط المتقاعدين 35 منصبًا من مراتبها العليا، فضلًا عن وجود نحو 173 لواءً و30 عميدًا وعقيدًا يشغلون مناصب رفيعة في وزارات الإسكان، والنقل والصناعة، والإعلام، والبترول، وجميعهم يحصلون على أعلى المخصصات المادية التي تقدمها الدولة لمن يشغلون مناصبها الرفيعة، إلى درجة أن اللواء متقاعد محمد الكاشف الذي كان نائبًا لإدارة مكافحة المخدرات المصرية يقول لبو ناصيف، في مقابلة أجراها معه، إن بعض الضباط الذين يشغلون مناصب غير عسكرية بعد التقاعد قد يصل مرتبهم الشهري إلى نصف مليون جنيه.
وفي استعراضه قائمة التعيينات في الحكم المحلي في عهد مبارك، يرصد بو ناصيف كيف تحولت وظيفة المحافظ إلى مكافأة للجنرالات الذين يرضى عنهم مبارك، فمن ضمن سبعة قادة للحرس الجمهوري، خدموا وتقاعدوا في عهده، عين أربعة محافظين، كما عين 11 من 21 جنرالًا من الذين قادوا الجيش الثاني الميداني والجيش الثالث الميداني. ويستعرض الباحث قضايا الفساد التي نشر ما يفيد تورط بعض هؤلاء المحافظين فيها، ليصل إلى أن مجرد احتمال بالحصول على ثروة باذخة بعد التقاعد أعطى كبار الضباط حافزًا لكسب رضا مبارك، خصوصًا أنه كان يوفر دائمًا الحماية من الملاحقة القضائية لأنشطة الجنرالات المتقاعدين غير المشروعة، طالما بقي هؤلاء موالين لنظام مبارك، ويلاحظ بو ناصيف أنه في حين بقيت نسبة لواءات الشرطة الذين يجري اختيارهم محافظين ثابتة طوال عقود حكم مبارك الثلاثة، فقد ارتفعت أعداد قادة الجيش الذين جرى اختيارهم محافظين، ما يؤكد أن مبارك كلما طال بقاؤه على الكرسي، تضاعفت حاجته إلى تأمين منصبه بعلاقات أكثر قوة مع ضباط الجيش بالتحديد؛ ففي العقد الأول لحكمه بلغ عدد ضباط الجيش الذين جرى اختيارهم محافظين تسعة فقط، ليبلغ عددهم في العقد الثاني 28 ضابطًا، وفي العقد الثالث 29، ولم تكن إدارة المحافظات وحدها المكافأة المتاحة؛ فكانت هناك أيضًا مناصب نواب المحافظين، ورؤساء المدن، ورؤساء الأحياء، وكلها مناصب كانت تشكل إغراءات مادية ومعنوية لضباط متقاعدين كثيرين، كان يستعان بهم، بدعوى توفير الضبط والربط، وهو زعم يسقط بمجرد السير في شوارع أيٍّ من أحياء مصر التي تشكل أحوالها دلائل حية متحركة على انتشار الفساد، وتحوله إلى أسلوب حياة في تلك الأجهزة التي كتبت عام 1995، متهكمًا، أنها سُمّيت بـ«المحليات»؛ لأن «لقمتها حلوة»، وعلى الرغم من تصاعد الشكاوى على مر السنين، من تدهور أوضاع المحليات وانتشار الفساد فيها، فإن الشكاوى لم تجد أذنًا صاغية لدى مبارك ورجاله، ففي العام الذي انتهت فيه فترة البحث في الدراسة، كان هناك 14 حيًّا يترأسها ضباط رفيعون من أصل 25 حيًّا، واحتل 11 ضابطًا رفيعًا وظائف مماثلة في الجيزة، وثمانية في الإسكندرية وثمانية في السويس، وتسعة في محافظة البحر الأحمر، فضلًا عن حوالي ألفي وظيفة في مختلف إدارات الحكم المحلي، شغلها كبار الضباط المتقاعدين.

ويستعرض الباحث هشام بو ناصيف قصة «علاوات الولاء»، أو «مكافآت الولاء»، أو الاسم الشعبي المفعم بالدلالات «أُظرُف الولاء»، والتي استحدثت في عصر مبارك، والتي لا يوجد لها اسم مسجل في الدفاتر الرسمية، ومع ذلك كانت حقيقة واقعة يدركها كثير من المتابعين لمجريات الأمور في مصر مبارك، ويعرّفها بو ناصيف على أنها «مدفوعات مالية نقدية مباشرة لكبار الضباط، نتيجة تلاعب الرئيس في صرف بعض مخصصات ميزانية الدولة»، وطبقًا لمقابلات أجراها مع عدد من المصادر، على رأسهم لواء بحرية متقاعد، يكشف بو ناصيف أن الموازنة العامة للدولة المصرية كانت تخصص مبالغ مالية كبيرة لإدارة الكوارث والاستجابة للطوارئ، بالإضافة إلى أنشطة أمنية طارئة، وهي مبالغ ينفقها الرئيس شخصيًّا، من دون رقابة من أحد، وقد ارتفع حجمها من حوالي 2.07 مليار جنيه في ميزانية 1991ـ 1992 إلى 16.5 مليار جنيه في ميزانية عام 2005ـ 2006، لتشكل حوالي 9% من إجمالي الميزانية لذلك العام.

ومن تلك الأموال تحديدًا، كان حسني مبارك يوزع علاوات الولاء على ضباط الجيش والشرطة، وفي حين كانت المبالغ تصرف فقط لأعلى الرتب في الجيش والشرطة، فقد بدأت، مع الوقت، تمتد إلى كبار الضباط، بدءًا من رتبة عميد، وبالطبع لم يخضع ذلك لأي رقابة أو مساءلة من أحد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد