لم يسبق أن طرح احتمال اندلاع مواجهة عسكرية بين المغرب والجزائر، وبقوة كما يطرح الآن، في ظل التصعيد بين البلدين، والذي بلغ أعلى مستوياته في السنتين الأخيرتين.

فرغم أن العلاقات المغربية الجزائرية لم تكن يومًا على ما يرام منذ استقلال البلدين عن الاستعمار الفرنسي، إلا أن توتر العلاقات بينهما لم يتعد التصريحات الكلامية من هنا ومن هناك، سواء على مستوى وسائل الإعلام الرسمية أو على مستوى المحافل والمنابر الدولية والإقليمية.

غير أن الخطوات التصعيدية الجزائرية الأخيرة تجاه المغرب، آخرها تحميل هذا الأخير مسؤولية مقتل ثلاثة من الرعايا الجزائريين جراء قصف مغربي مزمع، استهدف شاحناتهم أثناء تنقلهم على المحور الرابط بين نواكشوط وورقلة، حسب ما جاء في بيان لرئاسة الجمهورية الجزائرية، وتلويح الجزائر بالرد على الحادث، أعاد التخوف من إمكانية نشوب حرب ضروس بين الطرفين.

وفي وقت نفت فيه السلطات الموريتانية وقوع أي حادث من هذا النوع على أراضيها، ذهب محللون إلى القول أن العقل السياسي الجزائري قد أصابه الخرف، فقد سبق للسلطات الجزائرية أن اتهمت المغرب بافتعال حرائق تيزي وزو، جاعلة من نفسها أضحوكة عالمية ونظرية جديدة في الدبلوماسية الدولية تستحق حقًا تسجيلها في موسوعة غينيس كأغبى نظرية تفسيرية للفعل الدولي، تجاوزت نظريات المؤامرة بأشواط مضاعفة.

وقبلها بأيام أعلنت الجزائر وقف العمل بأنبوب الغاز المغاربي الأوروبي الذي يربط الجزائر بإسبانيا مرورا بالأراضي المغربية، في خطوة اعتبرها الكثيرون استعدادًا جزائريًا للحرب، خاصة بعد فشل كل محاولات الدبلوماسية الجزائرية في التأثير على قرار مجلس الأمن الأخير بشأن الصحراء، والذي قرر التمديد لبعثة المينورسو مع التأكيد على ضرورة استمرار المفاوضات بين الجبهة الانفصالية والمملكة المغربية قصد التوصل إلى حل عادل ودائم بشأن النزاع في الصحراء، وهو ما خيب آمال النظام في الجزائر، في ظل التحولات الكبرى التي عرفتها قضية الصحراء وتزايد الاعتراف الدولي بمغربيتها، واقتناع المنتظم الدولي بوجاهة المقترح المغربي للحكم الذاتي.

فيما اكتفت المملكة المغربية في ردها على التصعيد الجزائري بتبني «سياسة النخال» تجاه التصريحات والاتهامات الجزائرية، مواصلة في الخفاء والعلن حشد الدعم للقضية الوطنية من خلال اختراق التحالفات الممانعة التي كانت وإلى عهد قريب معادية للتصور المغربي لحل النزاع المفتعل.

فهل يتطور الوضع إلى مواجهة عسكرية مباشرة بين الدولتين؟

إن احتمال قيام مواجهة عسكرية مباشرة بين المغرب والجزائر ضئيل جدًا رغم كل هذه المؤشرات ورغم توفر الشروط الممهدة لها، ويعزى ذلك إلى مجموعة من العوامل الداخلية والخارجية المتداخلة فيما بينها.

فعلى المستوى الداخلي، لا يحظى قرار الحرب بالقبول لدى شريحة واسعة من الشعبين الذين يجمعهما تاريخ واحد ومصير مشترك، كما أن صناع القرار في البلدين يدركان جيدًا أن فاتورة أي حرب سيخوضانها ستكون وبكل تأكيد مكلفة ماديًا وسياسيًا، بل إنسانيًا أيضًا، إلا أنه لا يستبعد قيام مناوشات على الحدود بين الجيشين دون أن يتطور الأمر لحرب شاملة.

وعلى المستوى الخارجي فإن الدول الغربية خاصة فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية، ومعهما روسيا، لن يسمحا بحدوث هكذا حرب، فمن جهة ستشكل تهديدًا كبيرًا للمصالح الحيوية لهذه البلدان في القارة السمراء، ومن جهة أخرى لا يريد أي بلد خسارة سلاحه في هذه الحرب التي يصعب التكهن بسيناريوهاتها في حال نشبت.

فمن المعلوم أن الجزائر تعتمد في تسليح جيشها على الأسلحة الروسية بشكل كبير والصينية بدرجة أقل، بينما تضم الترسانة العسكرية المغربية أسلحة أغلبها أمريكية وفرنسية، وبالتالي فإن المواجهة هي بالأساس مواجهة بين سلاحين: غربي وشرقي، وكلاهما يريد احتكار سوق الأسلحة العالمي، وإثبات تفوقه على حساب الآخر، وكما أن كلًا من روسيا والولايات المتحدة لا يريد أي منهما أن يسجل التاريخ فشل أسلحته في حسم الحرب وتسجيل التفوق لصالح هذا الطرف أو ذاك، وبعبارة أخرى هي مواجهة ليست بين فقط بين دولتين جارتين نتيجة نزاع معين، بل مواجهة بين معسكرين متناقضين من حيث الإيديولوجيا والسلاح والتكتيك. ولا ننسى هنا الدور الذي قد تلعبه التكنولوجيا الاستخباراتية العسكرية الإسرائيلية ودعم بعض الدول العربية في حسم أي صراع عسكري لصالح المغرب.

فمع أن السلاح الروسي أثبت تفوقه في عديد المناسبات، مقارنة بالسلاح الأمريكي، وخير مثال على ذلك، توجه المملكة العربية السعودية وبعدها تركيا لشراء منظومة الدفاع الجوي الروسية S400، التي أتبتث نجاعتها مقارنة بمنظومة باتريوت الأمريكية التي سجلت فشلها مرات عديدة في إسقاط الصواريخ البدائية التي أمطر بها الحوثيون في اليمن سماء السعودية، وهو فشل تكرر مع منظومة القبة الحديدية الإسرائيلية – التي تمولها وتشرف عليها الولايات المتحدة – التي عجزت عن إسقاط الصواريخ الكثيفة التي أطلقتها الفصائل الفلسطينية المسلحة في اخر مواجهة مع إسرائيل. إلا أن الحروب لا يحسمها دائمًا من يمتلك أحدث الاسلحة واشدها فتكا، ولعل هزيمة الاتحاد السوفيتي في أفغانستان ثمانينات القرن الماضي – والتي مهدت لسقوطه – خير دليل على صحة هذا الطرح.

وبعيدًا عن السلاح، وبلغة الديبلوماسية الاقتصادية، فإن فرنسا المنهكة اقتصاديًا ومن وراءها الاتحاد الأوربي – خاصة بعد البريكست – ليس في مصلحتهما مطلقا أن يتواجه المغرب والجزائر عسكريًا، إذ تربطهما – أي الاتحاد الأوروبي خاصة فرنسا – علاقات ومصالح اقتصادية وسياسية كبيرة بكلا الطرفين، كما أن الدول الأوربية لا يمكنها تحمل أي موجة لجوء محتملة، أو أي أزمة إنسانية جراء قيام الحرب بين الجارين العدوين، فقد استفادت هذه الدول من التجربتين الليبية والسورية، وهي حتمًا لا تريد أن يتكرر نفس السيناريو على حدودها الجنوبية.

وبمقارنة الإنفاق العسكري بين المغرب والجزائر، أكد معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام في أحدث تقرير له أن البلدان يعتبران من أكبر مستوردي السلاح في القارة الأفريقية، فرغم أن الميزان العسكري يميل كميا لصالح الجزائر، إلا أن الجيش المغربي راكم تجارب ميدانية كبيرة ويسجل تفوقه بريًا واستخباراتيًا، وبالتالي فقد تبدأ الحرب، لكن لا أحد يعرف متى وكيف تنتهي.

وهناك معطى آخر في غاية الأهمية، وهو أن القارة الافريقية المضطربة أمنيًا لا يمكنها تحمل حرب بين قطبين قويين من أهم أقطابها، إذ من شأن زعزعة الاستقرار السياسي والأمني في البلدين، توفير أرضية خصبة لتمدد الحركات المتطرفة التي تنشط على مقربة من الحدود الجنوبية الشرقية للجزائر، وهو ما لا ترغب فيه أوربا التي طالما اعتبرت منطقة شمال أفريقيا – خاصة المغرب والجزائر – درعًا واقيًا لها من الإرهاب القادم من دول أفريقيا جنوب الصحراء، بل تدفع مليارات الدولارات سنويًا من أجل حماية نفسها منه.

وبالتالي ونظرًا لما سلف ذكره، فمن المستبعد في الوقت الحالي تطور التصعيد بين الجارين إلى مرحلة الحرب الشاملة، وذلك بالرغم من ارتفاع حدة الخطاب الجزائري المعادي للمغرب، فكلا البلدين يعلمان أن وضعهما الاقتصادي الذي أنهكته جائحة كورونا، من الصعب جدًا أن يتحمل تمويل نفقات الحرب وتكاليفها الباهظة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد