كذب المنجّمون ولو صدفوا.. مقولة شهيرة عجزت عن الحدّ من هلوسة الشّعوب العربيّة ومتابعتهم المستمرّة لحزمة واسعة من الّذين يطلّون على شاشاتهم لمشاركتهم بما بات يُعرف «بالإلهام»، وقد طلّت سيّدة التّوقّعات، ليلى عبد اللّطيف، منذ بضعة أيّامٍ لتطلق توقّعاتها الّتي كانت أشبه بورقة نعوة رسميّة للبنان والعالم على حدّ سواء، حيث لم يسلم أحد من مرارة وتشاؤم رؤى ليلى المستقبليّة الّتي تناولت أوبئة جديدة وحروبًا كبرى على الصعيد العالمي، فضلًا عن مجموعة أحداثٍ مؤلمة في الداخل اللبناني من اغتيالات مقبلة وانهيارٍ أكبر للعملة الوطنيّة أمام الدّولار الأمريكي. إلّا أنّ التّوقّع الّذي أربك مشاهدي الشّاشة وخلق ذعرًا حقيقيًّا دار حول ضربة إسرائيليّة قريبة على الأراضي اللبنانيّة، فعاد الشّعب بذاكرته إلى حرب يوليو (تمّوز) من العام 2006.

صحيح أنّ ليلى عبد اللّطيف، على غرار باقي المنجّمين، قد تطلق توقّعاتها على أمل أن يحالفها الحظّ لتعود إلى التّلفاز منتصرةً، إلّا أن الضّليعين في مجال السّياسة، تفوّقوا على الأخيرة فيما يخصّ «تبشيرة» الحرب اللبنانيّة – الإسرائيليّة التّي باتت، حسب تعبيرها، على قاب قوسين. فليس علينا سوى أن نغوص قليلًا بالأحداث والمفاجآت الّتي طرأت في الأيام الأخيرة حتّى نكاد نجزم، بكلّ أسف، أنّ طبول الحرب بدأت تقرع.

جميع المؤشّرات المعروضة اليوم تشير إلى إمكانيّة اندلاع صراعًا مسلّحًا بين حزب الله من جهة وقوات الدّفاع الإسرائيليّة من جهة أخرى باعتبار أنّ لكلّ طرفٍ دوافعه الخاصّة الّتي تمتدّ إلى خارج حدود الجمهوريّة اللّبنانيّة وفلسطين المحتلّة، فإذا ما ألقينا نظرةً على أرقام إحصاءات الرّأي الأمريكيّة، يتجلّى تفوّق جو بايدن، مرشّح الحزب الديمقراطيّ، على ترامب، بعد أن تحوّلت بعض الولايات الّتي سبق واعتبرها الجمهوريّون ملاذًا آمنًا لمناصريهم ولحزبهم إلى أرض معركةٍ حقيقيّةٍ بحسب الأرقام، لتعود ولاية تكساس إلى الواجهة بعد تعادل الخصمين، وهي ولاية لم يحصل لأيِّ مرشّح ديمقراطيٍّ أن فاز بها منذ حملة جيمي كارتر عام 1976.

كما يتمتّع بايدن بدعم كبير في ولايات أوصلت ترامب إلى البيت الأبيض مثل بنسيلفانيا وفلوريدا وميشيغان. فإذا ما افترضنا أنّ الأرقام بقيت على ما هي عليه حتى الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني)، موعد الاستحقاق الرّئاسيّ الأمريكيّ، قد نكون أمام فوزٍ كاسحٍ لبايدن يجمع فيه ما يقارب 400 صوت اقتراعي من أصل 538 صوتًا.

دون شكّ فإنّ نتيجةً كهذه ستحمل نكسةً قاسيةً إلى الحكومة الإسرائيليّة وممثّليها الّذين عانوا من توتّر حادّ للعلاقات الأمريكيّة – الإسرائيليّة في عهد أوباما لاختلاف وجهات النّظر، مع الإشارة إلى أنّ بايدن تولّى منصب نائب الرّئيس حينها. وهنا يجدر ذكر امتناع إدارة أوباما عن نقض القرار 2334 للأمم المتّحدة الّذي دان الاستيطان الإسرائيليّ للضّفة الغربيّة، ومعارضة إسرائيل الصّارخة للاتفاق النووي مع ايران، وتعبير نتنياهو عن تأييده لميت رومني في انتخابات 2012 الأمريكيّة. كلّ هذا لا يدلّ سوى على تخوّف حقيقيّ من تغيّرٍ واضحٍ في الدبلوماسيّة الأمريكيّة لتعود كما كانت عليه خلال ثماني سنوات قاد فيها أوباما السّياسة الخارجيّة للبلاد بمساندة نائب رئيسه إذا فشل ترامب في تحسين صورته أمام جمهوره، حيث يعلم حزب نتنياهو أنّ خسارة ترامب تعني خسارة الغطاء الأمريكيّ المطلوب للقيام بأيّة ضربة عسكريّة في المنطقة.

ويبقى للكيان الإسرائيليّ حساباته الدّاخليّة الخّاصة، فخسر اليمين المتطرّف بقيادة رئيس الوزراء في تل أبيب زخمه السّابق، وباتت أكثريّة «اللّيكود» بخطر حقييقيّ في سيناريو مشابه للمطبّات الّتي مرّت بها حكومة مناحيم بيغين في ثمانينات القرن الماضي، وكان لتهم الفساد الموجّهة بحقّ نتنياهو دور كبير في تقليص شعبيّته ما يعني إذا ثبتت التّهم الإتيان ببيني غانتز رئيسًا للوزراء. لذا قد تكون حكومة نتنياهو بحاجة إلى جرعة حماس لدى مناصريها، أية حرب جديدة تعود لتثبت فرضيّة الليكود أنّ الكيان الصّهيونيّ لا ضمانة له سوى قوّة سلاحه، وهذا قد يكون غير واردٍ بعد يناير (كانون الثّاني) من العام المقبل.

على الصّعيد اللّبنانيّ، ترزح البلاد تحت أزمة اقتصاديّة يجمع حكّامه على أنّها الأخطر عشيّة الذكرى المئويّة الأولى لقيام دولة لبنان الكبير. ويخشى الجميع من سلوك لبنان النّهج الفنزويلي، مع تزايد مطالبات بعض أحزاب «الثّامن من آذار» بالتوجّه شرقًا؛ ما يعني عمليًّا كسر العلاقات الودّيّة الّتي تجمع لبنان بالغرب؛ ما دفع عددًا من الفرقاء السّياسيّين إلى اتّهام حزب اللّه بتردّي الأوضاع النّقديّة والماليّة في بيروت، مع تحفّظ بعض حلفائه على طرحه القاضي بتوطيد العلاقات التّجارية بين لبنان والدّول الممانعة.

فلم يلحظ الحزب موقفًا مؤيّدًا من التّيّار الوطنيّ الحرّ الّذي يخشى رئيسه من «فيتو» أمريكيّ قد يطاله بعد انتهاء عهد الجنرال. من هنا بات واضحًا للحزب أنّ الخناق عليه لم يعد مسألة ثانويّة، بل وجوديّة، تشبه إلى حدّ كبير مطالبات «14 آذار» بنزع عتاده بعد اغتيال رفيق الحريري عام 2005، فأتت «حرب تمّوز» لتؤكّد، بنظر الحزب نفسه، أنّ سلاحه ضرورة وطنيّة لحماية لبنان، بالرغم من إصرار الفريق المعارض على تحميل المقاومة مسؤوليّة 33 يومًا من الزّعزعة الأمنيّة. من هنا نستنتج أنّ المواجهة العسكريّة قد تساهم بإبعاد سلاح الحزب من دائرة الاتّهام وتعيد تثبيت موقفه بأنّ الوجود الاسرائيليّ يحتّم إبقاء سلاحه إلى أن تنجح مبادرات السّلام في الشّرق الأوسط، إذا ما نجحت طبعًا.

الخوف يبقى من تفاقم حدّة أيّة مواجهة عسكريّة قريبة، فالأكيد أنّ الوضع المعيشيّ والنّفسي والاجتماعي لمجمل الشّعب ليس قادرًا على تحمّل المزيد من الأعباء الّتي تأتي بها الحروب، كما أنّ التّصدّي لأيّ عدوانٍ يتطلّب عزيمةً شبه مفقودة نتيجة ما آلت إليه الأوضاع في لبنان الّذي تحوّلت كلّ طبقته الوسطى إلى رابطة من «المفلسين الجدد» ينازعون لاستحصال قوتهم.

ورغم أنّ التغييرات الّتي قد تطرأ على المشهد السّياسيّ تسارع وتيرة الأحداث وتفرض حربًا غير مرغوبة، إلّا أن التّاريخ يشهد على أنّ الحسابات السّياسيّة الضّيّقة تحظى على اهتمام أكبر من معاناة الشّعوب. ومع أنّ حربًا من هذا النّوع قد تكون بمثابة محاولة نهائيّة بائسة من جميع أطرافها للحفاظ على موقعهم السّياسيّ، إلّا أنّني أرى انّها لن تحقّق أهداف أيّ من المنخرطين فيها، لكنّني أجزم أنّ فوز بايدن اذا تحقّق يعني أنّنا قادمون على ثماني سنوات من الحكم اليساريّ المعتدل الّذي قد يشهد اتّفاقًا مع الجمهوريّة الإسلاميّة يتطرّق الى دورها في الشرق الأوسط إلى جانب حلٍّ سياسيٍّ للحرب السّوريّة لن تخلوَ من نفوذ واشنطن، وبالتّالي عودة الهدوء الى حدود لبنان الجنوبيّة.

ختامًا واستباقًا لأيّ حادث يصحّ فيه توقّعي، أتوجّه إلى اللّبنانيّين جميعًا دون استثناء بكلمات أغنية زكي ناصيف: «مهما يتجرح بلدنا من لِمّو ولو كنا قلال، قلال، ولكن ما تعوّدنا نبكي ونوقف عالأطلال».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد