بداية، وفى إرهاصات تكوين الوعي في مرحلة المراهقة، التي تزامنت مع بداية الثورة، كنت أعرف جارًا لنا في منتصف الخمسينات، يعانى صعوبات كثيرة في الحياة بسبب بتر يده اليمنى، كنت عندما أجلس معه أتحدث حول ضرورة إلزام الدولة بتوفير عمل لذوى الاحتياجات الخاصة، حتى قانون الـ5% هذا لم يكن ينجح في شيء، لم أعرف قصة بتر يده تلك، إلا منذ فترة قصيرة، بينما أتحدث معه، قال لي إنه بترها تحت القطار؛ حتى لا يدخل الجيش!

كنت أعلم أن تلك الحوادث كانت مشهورة بدرجة كبيرة في بدايات القرن التاسع عشر في مصر؛ إذ إنه عندما فرض «محمد علي» التجنيد الإجباري على المصريين، أو قل الفلاحين، كان بعضهم يلجأ للهروب من ذلك القدر الجهنمي بقطع يده اليمنى، فكان العقاب من وجهة نظر السلطة في تلك الفترة، هو الشنق على باب القرية، بعد ذلك كان الفلاحون يأخذون الطريق الأقصر نحو الهاوية؛ هروبًا من جحيم جيش محمد على وهو تسميم أنفسهم بسم الفئران، حتى إن بعض المؤرخين يكتبون أن في تلك الفترة حرمت تجارة سم الفئران لهذا السبب، كان ذلك أيام كان محمد علي، وهو الحاكم بأمره، على أبواب المحروسة، لكن أن يتم ذلك في مصر في بدايات السبعينات، أي قبل الدخول لحرب أكتوبر، فالأمر يستدعى التفكير.

كيف في مرحلة في تاريخ هذا البلد كانت تتميز بتأجيج النزعة القومية على المستويات الشعبوية جميعها أن يهرب أناس من التجنيد الإجباري، الذى كان يكرس في تلك الفترة لمعركة التحرير؟ الإجابة على هذا السؤال تستدعي الرجوع لبداية القصة، والقصة هنا تحمل عدة أوجه، وعدة روايات مختلفة لها، لكن بعيدًا عن الجدال التاريخي حولها، دعونا نحاول أن نتحدث فيما هو معروف للجميع، وموضع اتفاق من الغالبية .

في بداية تكوين الدولة الحديثة على يد محمد علي، استدعى ذلك تكوين جيش لمحمد علي، وليس لمصر؛ فقد كان به سودانيون وجنسيات أخرى، ويخدم طموحات الرجل في أن يكون إمبراطورية، على غرار «نابليون والإسكندر». لتكوين الجيش كان ينبغي فرض نظم صارمة للتجنيد، فواجب الجهاد اليوم قد خفت نوره، وهو الذي كان يستخدم من قبل في حشد الجيوش .

الفلاحون المصريون في تلك الفترة وقبلها هم أقل الناس حبًا للانخراط في التنظيمات العسكرية، أو الجيوش، أوقل لم تستدع الحاجة إليهم في شيء، خاصة مع ضعف تدريبهم، وميلهم الغريزي للاستقرار. ويذكر المؤرخ «خالد فهمي» في كتابه «كل رجال الباشا» إن في 1835 كان معدل الهروب من جيش محمد علي هو واحد من كل اثنين، وهى نسبة كبيرة بالطبع، وفي نفس السياق يحاول «الرافعي» في تاريخ الحركة الوطنية المصرية أن يزايد على وطنية الفلاحين المصريين في تلك الفترة؛ بدليل عدم ميلهم للالتحاق بالجيش المصري «جيش محمد علي».

كان «محمد علي» – على حد تعبير «بيتر جران» – هو المثال الواضح لكيفية تكوين دولة بالسلاح والنار ضد إرادة الشعب، ولعل الإلزاميات الكبرى التي أنشأها في المجتمع المصري طيلة فترة حكمه، والتي انعكست فيما تلاه على تكريس للسلطوية في كل مناحي الحياة، ومن ضمنها جعله للتعليم أداة فقط لتفريخ موظفين لإدارة الدولة حديثة النشأة، العسكرة كانت السائدة، حتى في المدارس، الإلزامية هي ما تبني الدول، على حد تفكير «إسكندر العصر الحديث» .

*************************************************

ميتشل فوكو .

يتقاطع التفسير لهذه الالزامية العسكرية في مؤسسات الدول مع نظرية «ميتشل فوكو» الشهيرة عن السلطة، والتي أوردها في كتابه إرادة المعرفة، والتي تقتضي البحث بشكل أعمق حول ماهية السلطة كبناء معقد جدًا، ينتج من علاقات عديدة، وينتج أشياء أعمق على المستوى الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، وحتى على المستوى النفسي للأفراد الواقعين تحت تلك السلطة، وأقتبس من الكتاب الآتي:

توجد السلطة في كل مكان، لا لأنها تشمل كل شيء، ولكن لأنها تأتي من كل جهة. والسلطة بما لها من شكل دائم من تكرار، ومن جمود، ومن إنتاج ذاتي، فإنها ليست سوى فعل جماعي يتحدد، انطلاقا من كل هذه الحركيات، ثم إنها التسلسل الذي يستند على كل منها، ويبحث عن تحديدها في المقابل. بدون شك، يجب أن نكون ذوي نزعة اسمية: السلطة ليست مؤسسة ولا بنية ولا قوة معينة يتميز بها البعض، إنها الاسم الذي نمنحه لوضع استراتيجي معقد في مجتمع معين.

بالطبع التجنيد الإجباري هو شكل أعلى من أشكال السلطة المطلقة للدولة، وارتبط مفهوم «التجنيد الإجباري» في مصر كما في كل الدول القومية الحديثة بمفهوم سيادة الدولة، في مصر، الوضع يبقى خصوصيًا بعض الشيء؛ لأن مفهوم سيادة الدولة في مصر لم يتجذر على المستوى الشعبي في مصر، كما تجذر في معظم القوميات الحديثة، لكن الوضع غدا أقرب لنظام الطوائف، حتى «محمد علي»؛ استعان بهم في بداية حكمة؛ لإقامة نظام اقتصادي واجتماعي لتدعيم دولته، تلك الصيرورة الاقتصادية والاجتماعية التي اعتمد عليها محمد علي، لم تنتج شعورًا قوميًا، إلا بعد حوالي 50 عامًا كاملة مع عرابي، الذي شكل جيشًا من الفلاحين مستعينًا بذلك الشعور، وتجدر الإشارة هنا للدين كدور هام في حشد الحركة العرابية؛ باعتبار القادم مسيحيًا إنجليزيًا، وليس فقط غير مصري، وانطلاقا من تلك الصيرورة، ولو كانت فعلًا دولة محمد علي قائمة على أسس قاعدية تتيح تنمية الشعور الوطني، لكان التجنيد الإجباري اختفى تمامًا مع زيادة ذلك الشعور الوطني، بالطبع هو اختفى في ظل الاحتلال الإنجليزي، وتقليص حجم الجيش المصري، لكنه عاد من بعد ذلك؛ بعد نكسة 67؛ بحكم معركة التحرير، واستمر حتى الآن .

إذن، وانطلاقًا من طرح فوكو حول آلية السلطة كبناء اجتماعي تحتي، قادر على إنتاج وإعادة إنتاج نفسة ذاتيًا، بحكم أنه تحتي أو قاعدي، فلماذا ذلك الشعور العام لدى المواطن المصري بالنفور من التجربة الشخصية للانخراط في الجيش حتى الآن؟

من الممكن أن تكون الإجابة في نفي طرح فوكو، ليس مجملًا، لكن جزئيًا، وهو أن التجنيد الإجباري، ليس أحد أشكال السلطة القاعدية، بل بناء فوقي سلطوي، قادر على إعادة إنتاج ذاته، تحت مبررات عديدة، منها نظريات المؤامرة والأمن القومي وتحرير الأرض والدفاع عنها، وأيضا على المستوى الشخصي كمقياس للرجولة، أي أن الهروب من الجيش يعني عدم الرجولة، أو باللفظ الأصح: عدم الذكورة، لعل هذا يفسر النفور العام من التجنيد الإجباري، والذي ينتشر، خصوصًا في الأجيال الحديثة، ممن لم يعايشوا تجذر النزعة القومية في الستينات، أو على الجهة الأخرى من المعادلة: أن ممارسات السلطة العسكرية ذاتها تغذي ذلك النفور من خلال التجارب الشخصية للأفراد، من اختزال الآدمية، والسلطوية الشديدة من جانب الضباط على المجندين، أو من قبل القيادات الأكبر في المؤسسة العسكرية، واحتقارها المباشر للحياة المدنية بكل تنويعاتها الاجتماعية .

السؤال ينبغي أن يطرح في سياق إشكالية تراجع الشعور الوطني تحت وطأه التغييرات الاجتماعية العميقة التي عاشها المجتمع المصري في العقود الأخيرة، وتحت وطأه الظروف الاقتصادية الصعبة والفساد، الذي جذر للطبقية والفئوية في المجتمع، وهو في نظري وضع أشبه ـ كثيرًا ـ بمنطق نظام طوائف محمد علي، فبعض الطوائف التي تقربها السلطة تحصل على كل امتيازات العيش في الوطن، بينما الأغلبية ليس لها حق العيش أساسًا.

شخصيًا، أميل للطرح الأول، وهو أن السلطة في مصر هي بناء فوقي، وليس قاعديًا؛ لسبب بسيط: وهو أن الحياة العسكرية، حتى في أعتى الديمقراطيات، تتميز بتلك التراتبية السلطوية المقيتة من الداخل، لكن ليس هناك نفور على المستوى الشعبي من الالتحاق بالجيش.

**************************************************************

إشكالية أخرى ظهرت بعد الثورة في هذا الموضوع، وإن كان لها جذور في الفترة قبل الثورة، وهى أن المؤسسة العسكرية لم تعد من المحرمات الكبرى في المجال العام، بل أصبح النقاش حولها، سواء على المستوى الشعبي أو النخبوي حاضرًا. وسواء إيجابية أم سلبية فأعتقد أنه شيء إيجابي جدًا أن يطرح الموضوع للنقاش. سواء في تلك النظرة المثالية لدى بعض النساء، اللائي نظمن أنفسهن في حملة للدفع في اتجاه المساواة بين الجنسين في التجنيد الإجباري، أو في ذلك الحديث العابر عن الزيادات المطردة في رواتب المؤسسة العسكرية، وحتى صغار الضباط والجنود الذين زادت رواتبهم أضعافًا فيما بعد الثورة، وللتفكير في سبب تلك الزيادات، والذي يعكس ـ من وجهة نظري ـ خوف القيادة العسكرية من تدهور أو انقسام محتمل للوضع الداخلي للجيش، والذي حافظ على استقرار كبير في عهد مبارك، بالطبع ينبغي أن يصدر الاضطراب والاستقطاب السياسي المجتمعي للداخل في المؤسسة العسكرية، لذلك، الزيادة في الرواتب هو شيء هام لاسترضاء الجميع، خاصة صغار الضباط والجنود، والذين يقع عليهم العبء الأكبر في إعادة حالة السيولة السياسية نحو سلطوية أخرى عن طريق آليات عديدة للقمع .

الإشكالية أو النقاش حول جدوى التجنيد الإجباري أعتقد أنها فات أوانها؛ باعتبار أن كل المجتمعات الحداثية المتقدمة تجاوزتها، فلا يمكن إجبار الشخص على أي فعل كان؛ لما يتناقض ذلك مع قيمة الحرية، لكن في اعتقادي أنه على المهتمين بالحقوق المدنية والاجتماعية للمواطنين أن يدفعوا أكثر في اتجاه إلغاء هذا القانون الذي أعتقد في أنه من أكثر القوانين المهينة للإنسانية، وكما قال فوكو «أينما وجدت السلطة، وجدت المقاومة» .

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد