خلفية

في 15 يوليو (تموز) الماضي، فوجئ العالم بأن ثمة انقلابًا عسكريًا في تركيا، وفي حين بدا الانقلاب للوهلة الأولى بأنه في طريقه للنجاح، فقد انتهى به المطاف بالفشل والاحتواء؛ بفعل العديد من العوامل. يمكن اعتبار عامل عدم توحد قوات الجيش والشرطة والمخابرات في صف الانقلاب كعامل أساسي، وباقي العوامل الأخرى كعدم وجود غطاء سياسي من الأحزاب المعارضة لهذا الانقلاب، ونزول المواطنين؛ تلبيةً لدعوة الرئيس أردوغان في الشوارع، واضطرار قوات الجيش للتراجع في ظل تمدد وانتشار المواطنين في الميادين، كعوامل ثانوية؛ حيث يمكن لهذا الانقلاب أن ينجح حتى مع توفر العاملين الأخيرين، إذا كان هناك توحد لقوات الجيش والشرطة والمخابرات «مؤسسات القوة» خلف الانقلاب.

بينما في 24 نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، كانت حادثة إسقاط تركيا للمقاتلة الروسية «سوخوي 24»،  تدعي تركيا اختراقها لمجالها الجوي، كافي لإحداث توتر كبير في العلاقات بين البلدين، وهو ما كان له تداعياته السياسية والاقتصادية على تلك العلاقات البينية، و«الجيو ـ عسكرية» و«الجيو ـ سياسية» فيما يتعلق بالأزمة السورية.

وفي هذا المقال، وبخلاف العديد من المقالات والتقارير التي تناولت هذا الانقلاب العسكري من عدد من الزوايا، فإننا سوف نتناوله من زاوية مختلفة جزئية؛ في محاولة لفك اللغز والربط بين الانقلاب العسكري الفاشل مؤخرًا، وإسقاط المقاتلة الروسية في نهاية العام الماضي.

فهل يمكن الربط بينهما؟ وما هي دلالة هذا الربط؟ وما هي الأدلة التي تؤكد وجهة النظر هذه؟

محاولة الربط وفك اللغز

في 19 يوليو (تموز) الماضي، أكد وزير العدل التركي «بكير بوزداغ»، اعتقال الطيارين التركيين اللذين أسقطا المقاتلة الروسية؛ على خلفية مشاركتهما في محاولة الانقلاب الفاشلة. في حين أعلن عمدة أنقرة «مليك غيكتشيك» في 16 يوليو (تموز) الماضي في تصريح لقناة «سى إن إن تورك»، عن مقتل الطيار التركي الذي أسقط هذه المقاتلة، مؤكدًا مشاركة هذا الطيار في محاولة الانقلاب العسكري، وأنه كان عضوًا في «حركة الخدمة» التي يتزعمها المعارض التركي «فتح الله كولن»، والمتهم من قبل السلطات التركية بالوقوف وراء محاولة الانقلاب، كما تداولت وسائل إعلام تركية معلومات عن أن الطيار القتيل كان يقود المروحية التي أطلقت النار على مقر الرئيس أردوغان في أنقرة، وأسقطت في أجواء المدينة من قبل القوات الحكومية الموالية لأردوغان(1).

إن هذه الأخبار _ إن صحت _ تشير إلى أن من أسقط الطائرة الروسية، قد شارك في حركة الانقلاب الأخيرة الفاشلة، وأنهم على علاقة بحركة «فتح الله كولن». وبالتالي يمكن وضع هذا المعطي في إطار تحليلي يبدو منطقيًا، يقول بأن إسقاط الطائرة الروسية لم يكن قرارًا مباشرًا من أردوغان، بل كان قرارًا منفردًا تم من خلال هؤلاء الجنود، قد يكون بإيعاز من أحد قيادات الجيش والتي شاركت مؤخرًا في الانقلاب؛ وذلك من أجل تأزيم الوضع الإقليمي والدولي لتركيا، وتصدير أزمات لها تضعها في عزلة تتدهور معها علاقاتها مع القوى الإقليمية والدولية الكبرى؛ لكي تضمن بعد ذلك نجاح الانقلاب وجعله أكثر سهولة.

الجدير بالذكر، أنه تبين لاحقًا بأن القوات الجوية كانت ضالعة في الانقلاب بشكل كبير، بل إن قائد القوات الجوية السابق «أقين أوزتورك» قد تم اعتقاله على خلفية اتهامه بالتخطيط والمشاركة في الانقلاب(2)، بما يوحي أن القوات الجوية كانت أكثر أفرع الجيش اختراقًا، وعدم وجود سيطرة من أردوغان عليها، وبالتالي فإن التحليل الذي يربط بين الانقلاب العسكري الفاشل وإسقاط المقاتلة الروسية؛ من أجل تصدير أزمات لحكم أردوغان كتوطئة لتنفيذ الانقلاب، تجد وجاهة منطقية في هذه الحالة.

يأتي السؤال الأهم هنا: هل دفاع أردوغان عن إسقاط قواته للمقاتلة الروسية آنذاك، لدرجة أظهرته وكأنه صاحب القرار الأول والأخير في هذا الأمر، يدحض هذا التحليل؟ بالتأكيد لا؛ لأنه مع افتراض أن هذا القرار قد تم بدون علم أردوغان، فمن غير المنطقي سياسيًا وأمنيًا أن يعلن عن ذلك، بل سيدافع عن هذا القرار؛ حتى لا يظهر أن هناك ثمة انقسامات داخل الجيش، أو عدم وجود سيطرة مركزية عليه.

اعتذار أردوغان وعودة العلاقات التركية الروسية

إن سعي أدروغان من أجل إعادة العلاقات التركية الروسية لسابق عهدها، واعتذاره عن إسقاط المقاتلة الروسية في 27 يونيو (حزيران) الماضي، تؤكد هذا التحليل. ولولا أن الاعتذار السريع والمباشر بعد محاولة إسقاط هذه المقاتلة، سيوحي أن ثمة انقسامات داخل الجيش وعدم وجود سيطرة مركزية عليه، لقدم أردوغان هذا الاعتذار حينها «فقد قال متحدث باسم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان: إن الرئيس بعث برسالة إلى نظيره الروسي فلاديمير بوتين عبر فيها عن أسفه لإسقاط تركيا لطائرة حربية روسية، وسأل عائلة الطيار المعذرة».(3)

إن خطوة كإسقاط المقاتلة الروسية وفق ميزان الربح والخسارة، لا تصب مطلقًا في صالح تركيا، سواء الخسائر الاقتصادية المعلومة الناتجة عن قطع العلاقات التركية الروسية، أو التداعيات الجيوسياسية والجيوعسكرية التي كان من المتوقع حدوثها فيما يتعلق بالأزمة السورية.

بالنسبة للخسائر الاقتصادية، فقيمة التبادل التجاري للبضائع بين البلدين تتجاوز الـ 30مليار دولار سنوياً، وتقدر قيمة صادرات روسيا إلى تركيا بـ15 مليار دولار، حيث تلبي أكثر من نصف احتياجات الغاز في تركيا، كما بلغ عدد السياح الروس لتركيا في 2014 نحو 4.38 مليون شخص، أدخلوا ما يقارب 36 مليار دولار. كما تم إيقاف تنفيذ مشروع «السيل التركي» الهادف لنقل الغاز الروسي إلى تركيا، ومنها إلى أوروبا(4). وفقًا لهذه الأرقام الاقتصادية، بمجرد قطع العلاقات بين البلدين اقتصاديًا فإن تركيا سوف تخسر الكثير.

بالنسبة للتداعيات الجيوسياسية والجيوعسكرية، وهي متعلقة أكثر بالأزمة السورية، فتتمثل في قيام روسيا بنشر منظومة صواريخ «إس 400» الدفاعية، والتي تغطي كامل الأجواء السورية، أدت لمنع تركيا من شن أي هجمات جوية داخل سوريا، وأنهى أي حديث عن إنشاء منطقة آمنة في الشمال السوري، وهو مطلب تركي بالأساس. كما كثفت روسيا من قصفها للتركمان في شمال سوريا، وللمعارضة السورية التي تدعمها أنقرة، وما ترتب عليها من تقدم كبير لقوات بشار على الارض. كذلك زيادة موجات اللاجئين لتركيا وما تحدثه من آثار  اقتصادية سلبية على الداخل التركي. أضف إلى ذلك زادت الحاجة التركية لدعم «الناتو» في مواجهة روسيا؛ خوفًا من أية مواجهة مستقبلية في ظل توتر العلاقات بين البلدين، بما أفقدها استقلاليتها وقدرتها على المبادرة التي حرصت عليها تركيا طيلة الفترة الماضية.

إن هذه الخسائر والتداعيات، وما ظهر بعدها من معلومات تشير لدور القوات المشاركة في الانقلاب الأخير في إسقاط المقاتلة الروسية، تعطي للتحليل ـ القائل بأن محاولة إسقاط المقاتلة كانت خطوة في إطار التحضير للانقلاب؛ من أجل وضع نظام أردوغان في عزلة دولية كمقدمة لإضعافه قبل تنفيذ الانقلاب ـ وجاهة منطقية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد