كثرت المقارنات هذه الأيام كثيرًا بين الرئيسين مرسي وأردوغان، بعد إفشال الأخير محاولة الانقلاب العسكري عليه. واعتقد كثيرون بأن مرسي فشل فيما نجح فيه أردوغان، وبدأت الاتهامات بالتقصير في مواجهة الانقلاب تنهال على مرسي القابع في سجن انفرادي منذ ثلاث سنوات، بل وحمَّله بعضهم كل ما وصلت إليه البلاد الآن بسبب أنه هو من عين السيسي وزيرًا للدفاع، وفي الوقت الذي نَظَمَ فيه الجميع شعر المديح لأردوغان، نَظَمُوا شعر الهجاء لمرسي.

وكتب بعضهم مُحللين ومُدافعين عن اختلاف التجربتين، والشعبين، والخبرتين، والوقت الذي مكث فيه كل منهما في السلطة، وهذا جهد مشكور وتحليلات جيدة في الأغلب، يُستفاد منها، ولا أحب أن أكرر ما كُتب وأراه كافيًا، ولكنني أنظر للقضية من نافذة أخرى، وأقرأ الحدث قراءة أخرى.

أرى أن السجال الدائر الآن والإصرار على جلد مرسي ورميه بالفشل بعد مرور ثلاث سنوات على الانقلاب عليه، قد تم صناعته من أجل الإلهاء؛ لمن ينبغي لهم أن يكونوا متيقظين وواعين لمن يدبر، ولما يُدبر لهم! وأنَّ عليهم أن ينظروا قبل السير أين موضع أقدامهم، وهُمُ الحاملون على كواهلهم أعباء الخلاص، وموكول إليهم أمر الدفاع عن ثورة يناير.

وكثيرون منهم قد بلعوا الطعم المُلقى إليهم، ووقعوا في الشَرَكَ المنصوب لهم! وضيعوا «الوقت الثوري» هباءً في جدال بيزنطي عقيم، وانشغلوا بالرد بعضهم على بعض، حتى تمددت الثورة المضادة في فراغهم وصَّبوا الزيت على نارهم حتى ازدادت الفتنة والفرقة اشتعالاً.

يجب أن يفهم المجادلون والفلاسفة، والمهاجمون والمدافعون على سواء بأن السبب الوحيد في كل البلايا والمصائب التي تعرضت لها البلاد، وأصاب بها العباد؛ هي الانقلاب العسكري وحده وليس غيره، وواجب الوقت الآن هو الاتفاق على كيفية دحره والقضاء عليه، واستعادة الوطن من بين براثنه.

وهذا يذكرني بالجدل الدائر منذ أكثر من خمسين سنة عن المتسبب عن ضياع فلسطين وإقامة دولة إسرائيل! حتى كثرت الاتهامات واشتعلت الفتن بين الأشقاء، والعدو الصهيوني يكسب كل يوم أرضًا جديدة، ويتقدم للأمام خطوات في سبيل الهيمنة وابتلاع الأرض وبناء المستوطنات وتهويد القدس، وسرقة المياه، وإقامة نهضة عسكرية وعلمية وتكنولوجية، وفي الوقت الذي يتقدم هو فيه، يتأخر العرب فيه، ولو أننا جمعنا ما كُتب من سباب واتهامات وجدال ثم أحرقناه على إسرائيل لانتهت منذ زمن.

ويحلو لبعضهم أن يدفن رأسه في التراب كالنعام ليهرب من تكاليف وأعباء المسار الثوري، ومواجهة وكسر الانقلاب وتحميله المسؤولية، إلى جلد الضحية الذي لا يستطيع أن يُسمع صوته، وأصبح كالراعي الذي تنصل من المسؤولية وألقاها على أجراس الخراف، كما في القصة العربية:  أن أعرابيًّا كلف راعيًا بأخذ قطيعه من الخراف إلى المرعى وعلق في رقابها أجراسًا لتمييزها عن غيرها، لكن الراعي غلبه النوم فتسلل ذئب وأكل أحد الحملان في غفلة منه، وحين اكتشف ذلك صاحب القطيع وعاتب الراعي واتهمه بالتقصير على ما وقع منه، رد عليه قائلاً:  إن الحق على الطليان، وكان يعني أن الأجراس التي عُلقت في رقاب الخراف هي السبب؛ لأنها نبهت الذئب إلى وجود القطيع فقصده وأكل ما أكل، دون أن يتهم نفسه بالإهمال، أو الذئب بخطف أحد الحملان، وصارت جملة «الحق على الطليان» غطاءً للتنصل من المسؤولية واتهام الآخر.

إن ذئب الانقلاب قد تسلل في ليلة بهيمة وأكل مصر بأكملها وقضى على أخضرها ويابسها، على تعليمها واقتصادها، على علمها، وعُمَّالها، على سياحتها ونيلها، على سياستها وأحزابها، على إعلامها وشبابها، على العمر بالقتل، وعلى الأمل بالسجن، وعلى الجنيه بالتعويم.

ونحن نصنع اليوم صنيع الراعي، بتحميل مرسي كل المشاكل والعلل والمصائب، وأنا هنا لا أدافع، فهناك أخطاء لا شك في ذلك، ولكن الواقع يقول بأننا جميعًا كنا غافلين، مقصرين، ومشتركين بنسب فيما حدث، ومع ذلك ينبغي تأخير الجدال الآن، فالوقت ليس وقته، وتقديم التفاهم والاتفاق من أجل التعافي والشفاء، والخروج من عقلية التبرير إلى دراسة أسباب التقصير.

إن مثل وطننا اليوم كمثل مريض تنزف دماؤه غزيرة، تكاد أن تُودي بحياته، والأولى والأهم أن يقوم الأطباء بإيقاف نزيف الدم أولاً، ولا يُعقل أن يتجادلوا في أسباب النزيف ونوع المرض ويتركونه حتى يموت، فهذا حمق، ومن ثم يتم التشخيص بعد ذلك والتحديد الدقيق للداء، ووصف الدواء، ليكون التعافي والشفاء.

وفيروس الانقلاب هو الذي هاجم جسد الوطن المريض ونخر في عظامه، وعلينا أن نعمل جاهدين لمقاومته والحد منه قبل أن يتمكن منه ويقضي عليه، ثم تأتي دراسة أسباب الإصابة والتواصي بعوامل المناعة لكي لا يُصاب الجسد مرة ثانية.

هل يُعقل أن يتم تحميل مرسي وهو يدفع الثمن الغالي مع شعبه منذ سنوات في غياهب سجن الانقلاب، ثم نترك السجان يمرح ويقتل ويُخرب كيفما شاء؟! أو نخوض في الشعب وننقصه حقه ونعيب فيه ونُحمله مالم يحتمل، وهو المجني عليه ويسلم من ألسنتنا الجاني وجرائمه؟!

ماذا تقول في رجل دخل لص بيته، فقتل ونهب وسرق؛ فتركه حرًا لا يُقاومه، وجلس مستريح البال يبحث عن من ترك الباب مفتوحًا، حتى ولج اللص منه؟! أم الأولى الإمساك به لتقديمه إلى العدالة والقصاص جزاء ما اقترفت يداه، وإعادة ما سرقه!

وهل من خفض سعر الجنيه مقابل الدولار هو الانقلاب أم مرسي؟! وهل من غير خارطة الطريق، وزادت في عهده البطالة، وتسربت امتحانات الثانوية، واعتقل الآلاف، وحبس الصحفيين، وأغلق الصحف والقنوات وكمم الأفواه، وأمم المساجد وحاصرها وأحرقها وشرد آلاف العاملين هو الانقلاب أم مرسي؟! وهل من دمر سيناء وهجَّر سُكانها وحرمهم التنمية والأمن، وتعاون مع إسرائيل وسمح لطائراتها بالقيام بعمليات عسكرية، ومن أعاد العلاقات الدبلوماسية معها، وأصبح كنزًا إستراتيجيًّا لها هو الانقلاب أم مرسي! وهل من فرط في مياه النيل، وباع جزيرتي تيران وصنافير، ومن ترك محاربة الفساد، وازداد معه الغلاء، وحل به البلاء هو الانقلاب أم مرسي!

والحالة هذه: ما يجب هو الإسراع بالرتق حتى لا يتسع الخرق على الراقع، ويجلس الجميع يبكي الوطن على أطلاله، ويندمون على التباطؤ والجدال الذي لا يأتي بخير ويندمون على ضياع الوقت الثوري، ولات حين مندم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد