منذ ذلك الحين ، منذ أن أقام الساسة الدنيا على سعتها؛ لتضيق ذرعا بوزير دفاع أول رئيس مدني منتخب في تاريخ مصر الحديث، ليقرر، على حين غرة، الانقلاب على المسار الديموقراطىّ في لحظةِ غروبِ شمسٍ لم تعد منذ ذلك الحين، منذ الانقلاب العسكرى فى الثالث من يوليو تموز لعام 2013م، وقد صعد تيار الضحية لنجد أنفسنا الآن أمام سؤالٍ يشقُ علينا أن نجدَ جوابا شافيا له: فمن لم يعد الضحيةَ بعد؟

بُعيد قرار قائد الانقلاب العسكري اللواء عبد الفتاح السيسي في ذلك الوقت مستعينا بكبار ساسة المعارضة مدعوما بحزب من أبرز الأحزاب السياسة المتأرجحة حينها بين مطرقة العسكر وسندان الشرعية، ليجد حزب النور نفسه داعما وبقوة للإطاحة بالرئيس د. محمد مرسى من سدة الحكم، لينتقل الحال – كما قيل: دوام الحال من المحال – من الحزب الثانى فى مصر والأكثر شعبيةً وقوة ربما تضاهى شعبية وقوة جماعة الإخوان المسلمين إلى رقمٍ لم يعد مفهوما، أو على الأقل لم يعد مقبولا في نظر عدد كبير من شباب الحزب وأعضائه، فهلا اعتبرنا النور ضحية، فمن لم يعد الضحيةَ بعد؟

على صعيدٍ آخر، ووسط تسارع الأحداث الأكثر دمويةً فى تاريخ مصر الحديث مردفا إلى ذلك مجزرة رابعة العدوية والمجزرة الأكثر بشاعةً ودموية على الإطلاق – مجزرة ميدان النهضة – وبحلول الثامن عشر من أغسطس لعام 2013 يُفاجأ الجميع بمغادرة نائب رئيس الجمهورية المعين آنذاك د. محمد البرداعي القاهرة على متن الطائرة المتجهة إلى النمسا؛ معللاً بذلك رفضه القاطع موقف حكومة الانقلاب حينها من فض ميداني رابعة العدوية والنهضة، ليصبح السياسى المعارض الأكثر نفوذا فى بلاد الغرب، مرافقا لبعض التدوينات على موقع التواصل الاجتماعى الشهير تويتر، ليضع أنصاره فى موقف بليغ الأسى، حيث المثل المصري الشهير: قل للزمان ارجع يا زمان! ليعود أنصاره إلى متابعته عبر تويتات مقتضبة يكتبها بين الحين والآخر، لنجد أنفسنا أمام طرح جديد: فمن لم يعد الضحيةَ بعد؟

لست هنا لأعيد سرد أحداث انقضت، ولست هنا لأفند ويلات الماضي القريب، لكننى في الوقت ذاته حريص كل الحرص على أن أستخدام أدق التعبيرات والكلمات المقتضبة؛ معبرا بها عن وزير داخلية الانقلاب، والرجل الثاني في مصر، حينما رافق ساستها وزير دفاعها إلى انقلاب عسكري على رئيسٍ أتى عبر انتخابابٍ حرةٍ نزيهةٍ مباشرةٍ من الشعب، الوزير اللواء محمد إبراهيم، وهو الوزير الذى أعطى تعليمات مباشرة باستخدام القوة المفرطة في فضِ تظاهرات مؤيدي الشرعية على اختلاف ألوانِهم، فلم يشفع للرجل الثاني موقفه الداعم وبشدة للإطاحة بالدكتور محمد مرسى وسط مشاركة رجاله في التنكيل بكل ما هو ذي سمتٍ إسلامىّ إلى حد اعتبار الملصق الأكثر شهرة فى مصر (هل صليت على النبيّ اليوم؟) ملصقاً يحضُ على الكراهيةِ، ويفتُ في عضد أقباط مصر كذبا إلى أن أعلنوه خطرا على الأمن القومي المصري، ليختفى الرجل عن المشهد تماما مع بدايات مارس من العام 2015، والحديث كثيرٌ عن وضعه قيد الإقامةِ الجبرية، بين وزيرٍ وملصق: فمن لم يعد الضحيةَ بعد؟

“يا ليت بينى وبينك بُعد المشرقين” جملةٌ يوجهها أحد القرناء لصاحبه يوم العرض على ملك الملكوت، وهي نفسها المعبرة لربما عن حال كثيرٍ ممن دعموا الانقلاب العسكرى وجمعوا له شتات البراهين؛ حرصا منهم على تلميعه لأقصى درجةٍ ممكنةٍ على أنه ثورة شعبية خرج لها ما يزيد عن ثلاثين مليونا من المصريين، كلمةٌ هو قائلها، إنه الإعلامي الساخر باسم يوسف، الأكثر نشرا للضحك والسخرية عبر شاشات التلفاز، يسير على حريةٍ مفرطةٍ ونقدٍ لاذعٍ وسخريةٍ من النظام القائم حينها – وإن لم يكتمل عقده – تحت قبضة حكومةٍ يرأسها الدكتور هشام قنديل، يمرُ عامٌ كامل ليدقَ الانقلابُ العسكري ناقوس الخطر ويضيق ذرعا بنقد الرجل لقائده ليقرر إيقاف برنامجه تماما من مصر وسط مضايقاتٍ أمنيةٍ وإعلاميةٍ غير مسبوقة، يتم منع البرنامج من العرض على شاشة ال CBC وهي المحطة الفضائية الأكثر قرباً من نظام الانقلاب، لينتقل الرجل بعد ذلك إلى شاشة   MBC  مصر ليتم إيقاف بث البرنامج تماماً بعد عرضه بوقت قصير، ليعود الرجل من حيث بدأ، ويبقى أسير الخارج: فمن لم يعد الضحيةَ بعد؟

تتسبب صحفيةٌ خرجت على الرأى العام بمقولة هزت عرش مصر كما يجب أن يُقال، مذبحة سنوية تتكرر بسبب كابوس باغت أحد الصالحين، هكذا عبرت الصحفية فاطمة ناعوت عن أضحية العيد، ليزداد غضب وسخط عامة الشعب عليها بعد عدد من تصريحاتها المثيرةُ للجدل مطالباً بتوقيع أقصى درجات العقوبة الجنائية عليها، وبالطبع لم يفت نظام الانقلاب الفرصة ليُصدر حكماً ضدها بالحبس لثلاثِ سنوات، هكذا تخلص الانقلابُ من أحد الداعمينَ إليه وبشدة، ليبقى السؤال: فمن لم يعد الضحيةَ بعد؟

وإذا استثنينا الداعمين لشرعية الدكتور محمد مرسى – على اعتبار أنهم يدافعون عن حق أصيل أُخذ منهم على حينِ غرةٍ – انتقالاً إلى آخر الأحداث المستجدة علينا، وهى أزمة نقابة الأطباء، فبرغم التزام نقابة الأطباء الصمت إزاء تعرض العديد من أعضائها إلى الكثير من الانتهاكات منذ الانقلاب العسكرى فى يوليو تموز من العام 2013، إلا أن ذلك لم يكن مببرا لها من وجهة نظر أفراد داخلية الانقلاب ليتم إعفاؤها من البطش والتنكيل، ليقتحم عدد من أمناء الشرطة مستشفى المطرية العام متسببين فى أزمةٍ كبيرةٍ إثر قيامهم بضرب وسحل عدد من الأطباء، قررت النقابة إغلاق المستشفى العام في المطرية، وتعقد جمعية عمومية غير مسبوقة ليعود الهتاف الشهير إبان ثورة يناير وما تلاها من أحداث “الداخلية بلطجية” ، ليُطرح علينا من جديدٍ سؤالاً ربما يعجز الكثيرُ عن إيجاد إجابةٍ شافيةٍ له: فمن لم يعد الضحيةَ بعد؟

بين الأمس واليوم، وإن قُدِرَ لنا البقاءُ ما قد نراه بالغد، يعيش بيننا الكثير من الضحايا، منهم من أتى دوره، ومنهم من ينتظر، منهم من كان دوره رحيلاً عن تلك الدنيا لرفضه سياسات رآها ـ في قرارة نفسه ـ أنها تعيدنا إلى الوراء عقودا من الزمان، وعلى الجانب الآخر يقبع الجزء الأكثر صلابةً فى سجون ومعتقلات الانقلاب، والتي تعد من مراكز التعذيب الأولى فى العالم إذا لم أكن مخطئا، إذا كانت الولايات المتحدة حين أقدمت على غزو العراق فى العام 2003 للميلاد قد جعلت من “معتقل غوانتانامو” سجناً سيىء السمعة وسط صمت المجتمع الدُولى، فإن الإنقلاب العسكرى أحال مصر كلها إلى معتقل كبير لا يلبث أن يقول أحد أبنائها (رب السجن أحب إلىَ مما يدعوننى إليه).

وبعد مرور أكثر من عامين منذ إعلان المجلس العسكرى الانقلاب على الدكتور محمد مرسى، يبدو أنه اتضح جليا للساسة ومن أيدوا هذا المسار – على علته –  أنهم وضعوا أنفسهم أمام سؤالٍ مبهمٍ: فمن لم يعد الضحية بعد؟

ولا يسعنى في هذا المقام أن أتعاطف مع هؤلاء وأمثالهم ممن دعموا الانقلاب على ثورةٍ أبت، إلا أن تعيش في أحضان من صنعوها، فأتوا بانقلاب عسكري – رغماً عنها – أظلم نهار مصر على نوره ليخرج لنا رجالا ظننا يوماً أنهم من الشعب وإلى الشعب، ولكن هيهات لمن سكب الزيت على النار أن يكون من الشعب وإلى الشعب، فلا حق لمن “ضحى بنفسه” – هرولةً وراء أطماعٍ زائلة – أن يتحدث “طالباً العفو”، فالعفو لأولئك الذين رحلوا منذ لحظة غروب شمسٍ تأبى الشروق على مملكة العسكر.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد