يروي قائد القوات البحرية الأمريكية الأسبق واقعة شهدها في أثناء احتدام أزمة ووترجيت التي أطاحت بالرئيس الأمريكي “نيكسون” من منصبه. في تلك الواقعة اجتمع “نيكسون” مع مرؤوسيه من القادة العسكريين، وأخذ يهذي بكلامٍ مُرسَل عن تعرض البلاد لمؤامرة، وعن الحاجة لاتحاد الجميع وراءه لإنقاذ البلاد من تلك المؤامرة. كان هذا الاجتماع بالونة اختبار لقياس مدى استعداد الجيش للانقلاب على البرلمان المنتَخَب، لكنها لم تلبث أن انفجرت في الهواء.

لم تكن محاولة نيكسون الفاشلة لإقناع القادة العسكريين بالانقلاب على السلطة هي الأولى من نوعها. فقد حاول أحد قادة جيوش الشمال من قبله إقناع رفاقه بالانقلاب العسكري على الرئيس “لينكولن”، بعد قيامه بتحرير العبيد إِبّان الحرب الأهلية الأمريكية. لكنه لم يجد أمام ردود أفعال رفاقه المستنكرة سوى التراجع عن محاولته.

تكمن أهمية تلك الواقعتين في أنهما تطرحان عددًا من الأسئلة المحيرة: ما الذي يجعل جيشًا هو الأقوى على العالم بلا منازع عازفـًا عن الصراع على السلطة، خاضعًا للحكم المدني، في الوقت الذي تتقاتل فيه جيوشٌ أخرى أقل حجمًا وتأثيرًا بكثير على كعكعة السلطة في بلادهم؟ لماذا تستمر الديمقراطيات المستقرة لعقودٍ طويلة – بل ولقرون- بدون أن تشهد أية انقلابات عسكرية، في حين يخيم شبح الانقلاب باستمرار على الدول النامية والديمقراطيات الوليدة؟ وأخيرًا، السؤال الذي يطرح نفسه بالضرورة: كيف تتجنب انقلابـًا عسكريـًّا؟

تُجمِع نظريات العلوم السياسية على أن أحد أهم شروط نشأة واستقرار المجتمعات الديمقراطية الحديثة هي السيطرة المدنية على المؤسسة العسكرية. وهي ما تعني وضع المسؤولية النهائية لصناعة القرار الاستراتيجي للبلاد في يد القيادة السياسية المدنية، بدلاً من العسكريين غير المؤهلين بالأساس لممارسة السياسة. فالجيش تبعًا لتعريفه ومبادئه هو مؤسسة قائمة على تقديم فروض الولاء والطاعة، وهو ما يتعارض كليًّا مع مبادئ الديمقراطية المبنية في الأصل على حرية الاختيار.

لذلك سعت المجتمعات الديمقراطية منذ البداية لوضع قواعد صارمة تُوزَع فيها الأدوار بشكل لا لَبْس فيه، ويُعامَل فيها الجيش كجزء من مؤسسات الدولة التي تخضع بشكل مباشر للسلطة المدنية المنتخبة من حكومة وبرلمان. وبناء عليه، تصبح المؤسسة العسكرية بالتبعية خاضعةً للسلطة العليا للشعب، وليس العكس.

فكيف إذن استطاعت تلك المجتمعات التأسيس لمبدأ السيطرة المدنية على المؤسسة العسكرية؟

اعتمد الأمر في البداية على إنشاء منظومة من القواعد التي لا بديل عنها لأي نظام ديمقراطي كسيادة القانون، التداول السلمي للسلطة، حماية الحريات، ووجود دستور حاكم للبلاد يحظى بمصداقية لدى النخبة ولدى عامة الشعب. كان الهدف من إرساء تلك القواعد هو إقامة منظومة شرعية متكاملة للحكم يُعزى إليها تحديد الأهداف القومية للبلاد، وتقدير حجم وطبيعة الدور المطلوب من المؤسسة العسكرية القيام به.

استتبع ذلك تقسيم مسئولية الحكم بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية لضمان عدم استئثار أيهما بالقرار، أو استعانة أحدهما بالجيش للتغلب على الآخر. استتبع كذلك وجود قضاء مستقل وحيادي لكي يقوم بمَهَمة الفصل بين السلطات.

لكن الخطوة الأهم التي اتخذتها تلك المجتمعات لردع الجيش عن مجرد التفكير في التدخل في الشئون السياسية لبلادهم تمثلت في أمرين اثنين: أولهما، وجود فصائل أخرى مسلحة بداخل الدولة كالشرطة، والمدنيين المصرح لهم بحمل السلاح (كحالة الولايات المتحدة الأمريكية على سبيل المثال). وثانيهما، وجود قوانين صارمة تجعل للتورط في الانقلاب العسكري على السلطة المنتخبة عواقب وخيمة تبدأ من العزل، و تصل للمحاكمة والسجن.

كانت تلك الأسس هي المبادئ التي ضمنت بها المجتمعات الديمقراطية المستقرة تحييد الجيوش وإبعادها عن التدخل في الحياة السياسية للبلاد. كما أرست بها كذلك قواعد العلاقات المدنية العسكرية القائمة على تبادل الرأي والمشورة بين الطرفين، مع وضع المسئولية النهائية للقرارات الاستراتيجية للبلاد بيد السلطة المدنية المنتخبة الممثِلة لعامة الشعب.

لكن تأسيس مبادئ السيطرة المدنية على المؤسسة العسكرية في الديمقراطيات الحديثة لم يكن بتلك البساطة، حيث أصبحت الإجابة على السؤال نفسه أكثر تعقيدًا.

ففي المجتمعات حديثة العهد بالديمقراطية، عادةً ما ترث الحكومات المنتخبَة أنظمة حكم مهترئة، وترث معها كذلك جيوشًا قوية استثمرت فيها الأنظمة القمعية السابقة كثيرًا من الأموال لشراء ولائها، ولجعلها الذراع الباطشة للسلطة.

عندها تصبح إعادة هيكلة تلك الجيوش ضرورة حتمية، ويصبح لا مفر من السباق الزمني بين السلطة المنتخَبة والجيش لتحديد أيهما يسبق الآخر: هل يسبق المدنيون بإعادة هيكلة الجيش؟ أم يستبق الجيش بالانقلاب العسكري على السلطة المنتخَبة؟

لهذا تصر عديد من التحليلات السياسية على ضرورة تمسك الشعوب حديثة العهد بالديمقراطية بمطلب تعيين وزير مدني للدفاع على رأس منظومة الجيش التي لم تتخلص بعد من بقايا ولائها للنظم القمعية السابقة، باعتبارها خطوة هامة في سبيل إعادة هيكلة تلك الجيوش، والقضاء بالتالي على شبح الانقلاب.

البُعد الآخر الذي يزيد كذلك من تعقيد مسألة السيطرة المدنية على الجيش في حالة الديمقراطيات الحديثة هو البُعد الاقتصادي. ففي الوقت الذي تنعم فيه الديمقراطيات المستقرة بدرجة كبيرة من العدالة الاجتماعية في توزيع الدخل، وتذهب النسبة الأعظم من ثروات البلاد الاقتصادية إلى عامة الشعب على هيئة خدمات متاحة للجميع، تتعثر الديمقراطيات الحديثة في قيود ثقيلة من التباين الطبقي وإرثٍ ضخم من الفساد. ونتيجة لانعدام العدالة في توزيع الثروة، تنعم القيادات العسكرية في الدول حديثة العهد بالديمقراطية بقدر غير مسبوق من المزايا الاقتصادية التي تهدد الديمقراطية بزوالها، مما يجعلهم أكثر ضراوة في الدفاع عن تلك المزايا.

لذلك لم يكن من المستغرَب ما صرح به أحد خبراء العلاقات المدنية العسكرية بجامعة هارفارد أن “الغالبية العظمى من الانقلابات العسكرية تكون مدفوعة من الأساس بشكل جزئي أو كلي بالرغبة في الدفاع عن المصالح الاقتصادية للجيوش”.

ونتيجة لما سبق، يصبح أمام السلطة المنتخَبة حيز زمني ضيق يجب أن تعمل فيه على قدمٍ وساق لتقليم أظافر الجيش وإعادة هيكلته، في الوقت الذي تهتم فيه كذلك بإعادة توزيع الثروة وتقليل الفجوة الاقتصادية بين طبقات الشعب.

في عام ثلاثمائة وثمانين قبل الميلاد، كتب أفلاطون كتابه الأشهر “الجمهورية”، ونشر فيه نقاشات فلسفية عن تعريف العدالة والنظام، وطبيعة الدولة العادلة والنظام العادل. لا أتخيل اليوم أن أفلاطون كان يدرك حين سطر كتابه أننا سنظل نتناقل من بعده لأمدٍ بعيد السؤال نفسه الذي طرحه حائرًا منذ أكثر من ألفي عام: “من سوف يحرسنا من الحراس”؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد