الوصول للسلطة شرعيًّا يكون تحت قواعد وأحكام وقوانين، والوصول للسلطة بالقوة المتمثلة في مفهوم الانقلاب أيضًا لهُ قواعد وقوانين مختلفة، ولكن دائمًا أي خلل في تنفيذ هذه القوانين تفشل عملية السيطرة، وتكون كالقنبلة التي انفجرت في صانعيها، فاللص الذي يسرق البنك يشهد له بنجاح خطته الذي استطاع من خلالها اختراق الجهاز الأمني للبنك ذاته، ولكن سيظل لصًا وعضوًا فاسدًا في النظام العام، وأعضاء الجهاز الأمني الذي تم اختراقه من قبل اللص سيظلون هم الصالحون رغم فشلهم في تأمين البنك. ما هذا إلا مثل بسيط يوضح عدم الانحياز للانقلابين في أي مكان، ولكن للتوضيح ما هي القواعد والخطط التي يركن إليها قادة الجيش للقيام بانقلاب ناجح.

فأحد تعريف الانقلابات العسكرية في العلوم السياسية هو أنه «عملية عسكرية سريعة ودقيقة لإزاحة قائد دولة من منصبه، واستبداله بغيره، سواء كان قائد الانقلاب نفسه، أو من يختاره هذا ويعينه لقيادة الدولة»، وفي تعريف آخر أنه «الاستيلاء على السلطة في مركزها الرئيسي، بما يمكن من بسط النفوذ على كافة أرجاء الدولة»، أو أيضًا هو إزاحة مفاجئة للحكومة بفعل مجموعة تنتمي إلى مؤسسة الدولة -عادة ما تكون الجيش- وتنصيب سلطة غيرها مدنية، أو عسكرية، أو تقوم بتنصيب نفسها.

قد عانت الشعوب الأفريقية، وشعوب أمريكا اللاتينية في القرن الماضي من الانقلابات العسكرية، وما زالت تعاني من نتائجها المميتة لكل ما هو حي ضد هوى الانقلاب، أو لكل ما هو متحرك في طريق التقدم، بكل تأكيد لم يكن قصد الانقلابين انحطاط الدولة وفشلها، ولكن الطرق والقواعد التي يحكمون بها لا تؤدى إلى طريق آخر غير ذلك، وهذا المقال يخبر الرجل العسكري الطامع في السلطة كيف يصنع انقلابًا عسكريًّا ناجحًا؟ فقط، ولكن إذا أراد لشعبه التقدم والرخاء ليس أمامه إلا أن يجلس في بيته تاركًا الحياة العسكرية للشرفاء الذي يقدرونها، والحياة السياسية للوطنيين الذي همهم الأول فقط توفير الحياة الكريمة للشعب، والنهضة، والتنمية للبلاد.

لفهم الانقلاب العسكري يجب أن نطرح عدة أسئلة، أولًا متى يتم اللجوء للقوة؟ يلجأ الناس للقوة عندما يكون القانون عاجزًا عن أخذ حقوقهم، وهذه هنا تكون محاولة من قبل المعتدى عليه، أو عندما يتأكد المعتدي أن هنا لا يوجد قانون ليحاسبه على اعتدائه أو قوة لتردعه عن ذلك فهنا يفعل ما يحلو له. المعتدي هنا قائد الانقلاب الذي لا يقدر على التفكير في السيطرة على السلطة أو التحرش بها، إلا إذا كان شديد الثقة في ضعف مؤسسة العدالة، وانحياز بعض رجالها لهُ، وأيضًا شديد الثقة بأن الشعب لا يهمه أمر الديمقراطية، ويعتبر الصراع على السلطة أمر لا يخصه في شيء، وهذا الأخير لن يتحرك مدافعًا عنها والقلة الواعية التي تتحرك لردع الانقلاب دون التحيز لشخص أو لحزب، قضايا تخوينهم جاهزة من قبل التحرك للانقلاب.

وهناك أيضًا شيء أهم من ذلك يجب أن ينتهي منه قائد الانقلاب قبل القيام بحركته، وهي تصنيف أفراد الجيش من بداية من الجنرالات حتى أصغر الجنود، ويكون مرجعية التصنيف لبحث عن الأفكار والأيديولوجيات للأفراد، ودراسة تاريخهم المهني وقراراتهم وعائلتهم ومن قريب منه، وينتهي التصنيف في الأغلب إلى أشخاص سوف توافق على الانقلاب، وأشخاص سوف ترفض ذلك، وأشخاص لا يعنيهم هذا في شيء، فهو جنرال أو ضابط تحت أي رئيس، وهو مهمته تنفيذ الأوامر فقط، والفئة الأخيرة تكون هي الفئة الأكبر دائمًا.

وهنا تكون الخطوة التالية هو إقناع العسكريين الذي سوف يرفضون الانقلاب، وتكون بالتأثير بحكم الزمالة الطويلة أو الترغيب في المناصب، أو الإقناع بالفكر، وإذا كان هذا الشخص وطنيًّا يجب عليه إبراز مشاكل الوطن الحالية، والوعود بحلها بعد الانقلاب، ثم الإطاحة بهؤلاء الجنرالات بعد الانقلاب مباشرةً، وذلك لشك القائد في انتمائهم، أو لشعور قائد الانقلاب أنهم أقوى منه وأكثر تأثيرًا داخل القوات المسلحة، أو لطلبهم نقل السلطة للمدنيين كما حدث في انقلابات كثيرة، ولذلك هناك دائمًا بعد الانقلابات العسكرية ما يسمى حرب الجنرالات أو صراع الجنرالات، حيث تبدأ تصفية المشاركين في الانقلاب حتى لا يكون هناك رأي مشارك لرأي القائد، وإن طالت السنوات أو قصرت بعد نجاح الانقلاب يكون أول يوم بعد الانقلاب هو أول يوم لصراع الجنرالات.

ولكن لا يبدأ قائد الانقلاب بهذه التحركات، إلا إذا كان قد تم استغلال طمعه في السلطة أو عرضها عليه من قبل قوى إقليمية، أو دولية تتعارض مصلحتها مع الرئيس أو رئيس الوزراء الذي سوف يطيح به الانقلاب من السلطة، وإن أحسنا النية فأضعف الإيمان أن قائد الانقلاب قام بدراسة المناخ السياسي الدولي دراسة جيدة، واستنتج أن الإطاحة بهذا الرئيس ستقابل استحسانًا دوليًّا، وإن خرج زعماء العالم بتصريحات أكثرها خطورة هو التعبير عن القلق، وهنا يعلم قائد الانقلاب إن في خلال شهور بعد ترتيب الوضع الداخلي لبلاده بعد الانقلاب سيفتح العالم أحضانه لهُ، وسيكون هذا ما إلا فريسة جديدة يبحث عن شرعية واعتراف دولي مقابل أي شيء.

قد لا يكون سبب الانقلاب هو حب الزعامة وشهوة السيطرة، هناك أسباب أخرى للانقلاب وأنواع كثيرة ستذكر بدراسة بسيطة لانقلابات القرن العشرين في الأجزاء التالية.

يتبع.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد