القضاء العسكري- قاضٍ يمتطي دبابة

لمحة تاريخية

ظهرت المحاكمات العسكرية بالمعنى المعروف اليوم بداية بأمر عالٍ من الخديوي توفيق، وذلك في 7 من يونيو عام 1884، وتحديدًا بعد أحداث الثورة العرابية، والتي سُمّيت فيما بعد بالهوجة العرابية كونها لم تؤت أُكُلها، وكان مضمون هذا الأمر العالي تقرير الإجراءات التي تتخذها المجالس العسكرية وقتها في شأن المحاكمات العسكرية التي ترتبت على الثورة العرابية، والجدير بالذكر هنا أنه تم النص صراحة في هذا الأمر العالي باتباع ما يجري عليه الأمر في الجيش البريطاني «جيش الاحتلال وقتها» وتمت على هذا القانون عدة تعديلات آخرها عام 1949، إلى أن جاء عبد الناصر إبان أحداث 1952 وأصدر القانون رقم 25 لسنة 1966 المسمى بقانون الأحكام العسكرية وقتها، بعدما ألغى كلًّا من قانون المحاكمات الغيابية رقم 101 لسنة 1957، وقانون التماس إعادة النظر في قرارات وأحكام المجالس العسكرية رقم 159 لسنة 1957.

وفي عهد حسني مبارك تم تعديل هذا القانون بتغيير اسمه من قانون الأحكام العسكرية إلى قانون القضاء العسكري، ونص لأول مرة على إنشاء المحكمة العسكرية العليا أو محكمة الطعون العسكرية، وتقوم بدور محكمة النقض في القضايا العسكرية.

مراحل التمدد والتطور التي أصابت هذا القانون بعد ثورة يناير

بداية، كان وما زال يعتبر غالبية فقهاء القانون والحقوقيون أن هذا النوع من القضاء ما هو إلا قضاء استثنائي ينشأ في غالب الأمر عقب الثورات، باعتبار أنه سريع الإجراءات، ويكفل نوع من الحماية للمجرمين، كونهم يظلون محتجزين بالسجون الحربية حفاظًا على حياتهم، وخوفًا من بطش الثائرين بهم، ناهيك عن كونه يفتقد لأغلب ضمانات المحاكمة العادلة التي تنص عليها الدساتير والاتفاقات الدولية.

في ظل هذا الوقت، وإبان ثورة يناير تعالت هتافات ثورية مطالبة بإلغاء هذا النوع من القضاء، أو على الأقل اقتصار دوره الأصلي في الإطار العسكري، محتفظًا بصفته الاستثنائية، وألا تمتد مظلته لتشمل المدنيين تحت شعار #لا_للمحاكمات_العسكرية_للمدنيين.

إلا أنه وبعد تولي الإخوان سدّة الحكم، وإصدار الدستور المصري لعام 2012، تم الاعتراف الكامل بهذا النوع الاستثنائي من القضاء، وبذلك اعتبر معمولًا به ومعترفًا به دستوريًّا، فبعدما كان دوره مقتصرًا على نظر الجرائم التي يرتكبها العسكريون سواء داخل الخدمة العسكرية، أو خارجها، إلا أنه امتد ليشمل أي واقعة يعتبر أحد أطرافها عسكريًّا، غير أنه قد أُحيل إليه عدد كبير من قضايا السياسيين بعد الثورة وبعد دستور 2012، هادمًا بذلك آمال المصريين في إلغاء هذا النوع من القانون.

وبعد موجات 30/6 وعزل الرئيس مرسي عن طريق الجيش، وتولي رئيس المحكمة الدستورية سدّة الحكم، تم إلغاء العمل بدستور 2012 وتجددت آمال المصريين والحقوقيين في إلغاء هذا النوع من القضاء، إلى أن تم إصدار الدستور المصري عام 2014، والذي بالمثل أقر هذا النوع من القضاء دستوريًّا، بل وأطلق من اختصاصاته وسلطاته، وخصوصًا في محاكمة المدنيين ترتب عليه تعديل القانون نفسه وإضافة مسميات لم تكن موجودة به، وإعادة ترتيبه على هيئة درجات تقاضي مختلفة في خطوة هي الأقوى في مسيرة هذا القضاء، وترسيخ أركانه في مصر، وخصوصًا بعد صدور أمر الحاكم العسكري المصري مؤخرًا بجعل نظر جميع قضايا الانتماء لاختصاص القضاء العسكري، بعد أن كان حتى نهاية عام 2016 من اختصاص المحاكم العادية.

فبعد أن كنّا رافعين شعار #لا_للمحاكمات_العسكرية_للمدنيين، وكان غاية حلمنا ليس فقط إلغاء هذا النوع من القضاء الفاشي ذي اللمحة التاريخية الاحتلالية، والذي لا يضمن أي حق دستوري أو دولي للإنسان، بخلاف عدم دستورية تشكيله التي يتكون من قضاة وضباط جيش، ناهيك عن اختراع يسمى «تصديق الضابط المختص» على حكم المحكمة، وهو خلل تشريعي بمثابة اختلال للموازين وقلبها.

الآن وبعد إقراره في دستور 2014، وما تم على قانون إنشائه من تعديلات، أصبح مجرد رفع شعار #لا_للمحاكمات_العسكرية _للمدنيين يمثل جريمة خيانة عظمى تتمثل في قلب نظام الحكم، ومعارضة الدستور، وهو ما يقع تحت طائلة قانون الإرهاب ليحكم عليه بعقوبة قد تصل للإعدام.

ملحوظة: الدستور المصري الصادر عام 2014 تم الموافقة عليه بنسبة 95% من المصريين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد