الديكتاتورية ملة واحدة، لا تفرّقها الجغرافيا، ولا يغير من قواعدها التاريخ، ولا يختلف سلوكها كثيرًا باختلاف شخص الطاغية. أمريكا اللاتينية هي المعادل التاريخي والثقافي لبلادنا، وديكتاتورياتها هي أكثر ديكتاتوريات العالم شبهًا بديكتاتورياتنا العتيدة.

 

جيوش أمريكا اللاتينية ـ ذات الميزانيات الطائلةـ ليست لمعظمها مهام عسكرية بحتة، ولذلك فهي تسلي فراغها بممارسة السياسة، وسط شعوب يجد كثير من أبنائها لذة ما في الخضوع لذوي الزي العسكري. في كثير من تلك البدان يستبعد القانون العسكري (المستمد أصلاً من العُرف والتقليد الإسباني) ضباط الجيش من التقاضي أمام المحاكم المدنية، جاعلاً منهم فئة فوق القانون، غير مسؤولة مدنيًّا، بينما يسمح بمحاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية. لا يمكن للرئيس ـ في معظم دول أمريكا اللاتينية ـ أن يمارس سلطاته على القوات المسلحة وأن يكون قائدًا فعليًا لها، إلا إذا كان في الأصل من العسكريين.

 

ربما عبر الكثير من دول أمريكا اللاتينية عنق الزجاجة نحو الديمقراطية، ولكن ماضيها ـ وبعض حاضرها- يشبهان حاضرنا بشدة.

1. عشاق الطاغية يحبون الحاكم “الدكر”
لا تختلف ثقافة أمريكا اللاتينية عن ثقافتنا في تكريس سيطرة الذكر/ الفحل في الأسرة والمجتمع وحتى في الحياة السياسية. ولأن الديكتاتور العسكري في أمريكا اللاتينية ليس غريبًا عن هذه الثقافة، فهو يحرص (وأنصاره أيضًا) على التغني بسيطرته وفحولته، لتهتف له الجماهير”عاش الفحل” Viva el macho.

 

كثير من الأعمال الأدبية في أمريكا اللاتينية كان محورها الديكتاتور والديكتاتورية، من أبرز الأعمال الأدبية التي حللت شخصية الديكتاتور واهتمامه بأن يبدو كفحل روايتا “خريف البطريرك” لماركيث، و”حفلة التيس” لبارجاس يوسا. حتى الجنرال شارل ديجول، القادم من ثقافة مغايرة تمامًا، عندما زار المكسيك سنة 1963، أُلفت له أغنية مطلعها “عاش الفحل”، وكانت صورة غلاف الألبوم لمواطنين مكسيكيين يحملون صورة ديجول بالزي العسكري.

2. كلهم يدخلون الساحة بدعوى تخليص الوطن من شيء ما، ثم يدلدلون أرجلهم فوقه
الحجة الأساسية لجميع الانقلابات تقريبًا هي تخليص البلاد من شر ما، كفساد الحكام المدنيين، أو الأيديولوجيات الهدامة، …إلخ، ولذلك تسمي الطغم العسكرية الحاكمة في أمريكا اللاتينية أنفسها “مجلس الخلاص الوطني” أو “لجنة الإحياء الوطني” أو “لجنة التحرير الوطني” أو أي أسماء رومانسية أخرى (انظر رقمي 3 و4).

3. كل العسكريين يسمون انقلاباتهم ثورات
في يونيو 1966، أطاح انقلاب عسكري بالنظام الحاكم في الأرجنتين، ليبدأ عهدًا من الديكتاتورية العسكرية لم ينقشع إلا سنة 1973، ومع ذلك يُعرف هذا الانقلاب في الأدبيات التاريخية الأرجنتينية بالثورة الأرجنتينية.

 

قبله بعامين، كان قد وقع في البرازيل انقلاب ـ وصفه أصحابه بالثورة الشعبية- كان بداية لحقبة طويلة من القمع والديكتاتورية تعاقب فيها الجنرالات على قصر الرئاسة.

 

كتب أحد “كتبة” النظام العسكري البرازيلي في إحدى الصحف في الستينيات:
“لقد أُنقذت البرازيل بواسطة ثورة شعبية فريدة، على أيدي وطنييها المخلصين الذين عملوا في مجموعات معتدلة وملتزمة بالقانون. غير أن المرحلة الفاصلة من الثورة ـ وعلى الطريقة البرازيلية البحتة- حُسمت عن طريق تحرك عسكري. لقد أثبت العسكريون البرازيليون مرة أخرى أنهم حراس الأمة المؤتمنون، وحُماة الشعب المخلصون، والمدافعون عن إرادته. ولهم الكثير من الاحترام لولائهم العظيم والتزامهم بواجباتهم وعدم ظهور ما يشير إلى رغبتهم في التشبث بالسلطة”. (فيما يتعلق بزهد العسكريين في السلطة، انظر رقم 5).

4. الأنظمة الديكتاتورية “تزعل” ممن يسميها ديكتاتورية وتحاول تسمية الديكتاتورية بأسماء دلع
“هذه ليست ديكتاتورية عسكرية. لو كانت كذلك لما سُمح لكارلوس لاسيردا أن يقول ما قاله. كل شيء في البرازيل حُر، ولكن تحت السيطرة” ـــ وزير المواصلات البرازيلي العقيد ماريو أندريازا، في حوار صحفي سنة 1967.

 

في يونيو 1973، صدر في أوروجواي مرسوم وقعه الديكتاتور بوردابيري عقب انقلابه الذي بدأ به اثني عشر عامًا من الحكم السلطوي، كانت المادة الثالثة من المرسوم تنص على أنه “يُحظر على وسائل الإعلام بث معلومات أو تعليقات أو تسجيلات… تصف نوايا السلطة التنفيذية بالديكتاتورية”. المفارقة أن المادة الأولى من نفس المرسوم كانت تنص على حل البرلمان بمجلسيه، بينما تمنح المادة الرابعة الشرطة والجيش سلطات أمنية غير مشروطة (أنا مش شايف أيتُها ديكتاتورية).

 

أما النظام العسكري البرازيلي، فقد أسس عقب الانقلاب ــ وبعد أن طرد المعارضين من البرلمان ــ حزبين سياسيين، هما “تحالف التجديد الوطني” و”الحركة الديمقراطية البرازيلية” (لاحظ الأسماء الرومانسية). الجنرالات وأنصارهم قسّموا أنفسهم على الحزبين اللذين كان ظرفاء البرازيليين يتندرون عليهما، فيسمون أحدهما “حزب نعم” والآخر “حزب نعم يا أفندم”.

5. يدّعي العسكريون دائمًا أنهم لا يرغبون في الاستمرار في الحكم، فقط سيعيدون الأمور إلى نصابها ثم يغادرون. لكن ذلك لا يحدث إلا بعد عمر طويل، ورغمًا عنهم
في النموذج البرازيلي، أعلن قادة انقلاب 1964 أنهم لن يستمروا في السلطة إلا بقدر ما يعيدون ترتيب البيت البرازيلي، ولكن ترتيب البيت طال قليلاً حتى استغرق واحدًا وعشرين عامًا من الديكتاتورية القمعية.

6. كثير من رجال القانون لا يمانعون في لعب دور “محجوب عبد الدايم” للديكتاتور القادم
كان خيرمان سواريث فلاميريش أستاذًا للقانون المدني بجامعة فنزويلا المركزية، ثم عميدًا لكلية الحقوق بها. عندما كان طالبًا شارك في مظاهرات “أسبوع الطالب” ضد الديكتاتور جوميث. لكنه عندما وقع انقلاب في سنة 1948، لم يجد غضاضة في أن يعمل مستشارًا للمجلس العسكري، ثم وزيرًا لخارجيته، ثم سفيرًا له في بيرو.

 

بعد اغتيال الرئيس الكولونيل ديلجادو سنة 1950، عُين سواريث رئيسًا للمجلس الحاكم (الاسم الجديد اللطيف للمجلس العسكري). أنت تعرف كبرياء العسكريين في بلدان العالم الثالث وأنفتهم من أن يرأسهم مدني، لذلك كان من الطبيعي أن يكون رجل القانون مجرد دمية يحركها عضو المجلس الحاكم ماركوس بيريث خمينيث، فكان وجود سواريث بصفة “محلل” لا أكثر، تمهيدًا لتوليه الحكم.

 

حاول المجلس إضفاء شكل شرعي على أطماع بيريث في السلطة فقرر تنظيم انتخابات يخوضها بيريث. لكن الانتخابات أتت بما لا يشتهي العسكر، فاضطر المجلس الحاكم إلى تزوير نتائج الانتخابات، ليفوز بيريث، ويُصدر فور توليه الرئاسة قرارًا بنفي سواريث خارج البلاد (عقابًا له ـ فيما يبدوـ على فشله في تزوير نتائج الانتخابات من البداية)، وهكذا نال رجل القانون “العلقة” التقليدية التي يفوز بها السذج في نهاية خدمة “الغُـز”.

 

أما في هندوراس، التي يجوز فيها أن ينتمي قضاة المحكمة الدستورية العليا إلى أحزاب سياسية، وأن تُرشِّح الأحزاب السياسية القضاة للعمل بالمحكمة، فلم يكن غريبًا أن تطلب هذه المحكمة من الجيش سنة 2009 القبض على الرئيس مانويل سيلايا بعد أن دعا إلى استفتاء على إعادة كتابة الدستور.

 

لم يحاكم سيلايا بعد القبض، بل نُفي فورًا إلى كوستاريكا، قبل أن تصدر المحكمة العليا بيانًا قالت فيه إنها “أمرت” الجيش بعزل الرئيس “دفاعًا عن الدستور”. لاحقًا قال أحد رجال النيابة إن المحكمة العليا أصدرت أمر اعتقال الرئيس بعد الانقلاب، لا قبله. ما حدث بعد ذلك من اعتقالات وانتهاكات، وإغلاق للقنوات والإذاعات المعارضة، وفرض للأحكام العرفية، يزيل الشكوك حول ما إذا كان ما حدث هو “أمر قضائي” أم “انقلاب”.

7. الطلبة هم العدو رقم واحد للطغاة
بعد الانقلاب الأرجنتيني في يونيو 1966، بدأ استهداف الطلبة. كانت الجامعة قد نالت استقلالها بموجب قانون إصلاح الجامعة سنة 1918، لكن النظام العسكري أنهى هذا الاستقلال بعد شهر واحد فقط من “الثورة”، عندما انتهكت الشرطة حرم جامعة بوينس أيرس فيما عُرف بليلة الهراوات الطويلة، واقتحمت حرم كلية العلوم، حيث تعدت على الطلبة والأساتذة واعتقلت بعضهم، وتم نفي أكثر من ثلاثمائة من أساتذة الجامعة خارج البلاد.

 

جامعة أسونسيون في باراجواي شهدت مصيرًا أبشع، حين دمرتها شرطة الديكتاتور ستروسنر عن آخرها ـ باعتبارها أرض الأعداءـ سنة 1972.

8. بناء على ما سبق، لا بد للديكتاتور من تربية أجيال جديدة من التلاميذ تسبّح بحمده وتمجد “ثورته”
الكتب المدرسية هي الأداة المفضلة للأنظمة السلطوية في غرس ما تريد في عقول الأجيال الصاعدة. في أحد الكتب المقررة على طلبة المرحلة الثانوية في البرازيل سنة 1973 نقرأ:
“في العام العاشر من الثورة، نرى البرازيل وهي أرض شاسعة تتميز بالعظمة بين أمم أمريكا الجنوبية، وهي أرض الأمل، التي قُدر لها القوة وقيادة العالم. يشكّل سكانها البالغ عددهم 110 مليون شعبًا غربيًا موحدًا للأبد في إباء وشجاعة.

 

نحن نشتهر بكرم الشخصية والخصال المسيحية. نحن نمتلك موارد للثروة الهائلة. حتى خريطة البرازيل تبدو كالقلب البشري، فهي قلب يضم ثروات من الموارد الطبيعية الغنية. هذه بلادي، وأنا فخور بأن أسمي نفسي برازيليًّا. نحن البرازيليون نعرف أن العمل الجماعي أجدى من المجهود الفردي. وتقديمنا الصالح العام على حرياتنا الشخصية هو المثل الأعلى لما ينبغي أن تكون عليه ممارسة الحرية في النظام الاجتماعي”.

9. إما أن تسبّح بحمد “الثورة” وإما “اللي مش عاجباه البلد يمشي”.. ليس هناك خيار ثالث
من الشعارات التي كانت تقال في كل مناسبة، وتُلصق في كل مكان في عهد الحكم العسكري في البرازيل “البرازيل: إما أن تحبها وإما أن تغادرها”. كان على البرازيلي – ليكون مواطنًا صالحًا- أن يحب البرازيل بقهرها وكبتها ونظامها السلطوي، حيث إن حب الوطن لا يتجزأ ولا ينفصل عن حب جلّاده، وحيث إن “أمن البلاد أهم من الحقوق الفردية” و”الشعب البرازيلي ليس مؤهلاً للديمقراطية” (وهما مقولتان انتشرتا بين اليمينيين البرازيليين في الستينيات).

 

في باراجواي في عهد ستروسنر (1945 ـ 1989) لم يكن أمام المواطن اختيار سوى أن يسبّح بحمد “الثورة”؛ لأنه كان من المستحيل أن يحصل على وظيفة، ولا أن يترقى فيها، ولا أن يحصل على خدمة حكومية مجانية (حتى العلاج بالمستشفيات) دون أن يكون عضوًا في حزب الديكتاتور الأوحد.

ستروسنر ظل يحتكر الوطن حتى أطيح به في انقلاب دموي ففرّ إلى البرازيل، وقُدّر له أن يمتد عمره حتى رأى اسمه وهو يُمحى من مطارات الوطن ومدنه. وعندما طلب ـ قبيل وفاته- العودة إلى “وطنه” ليموت فيه، كان الرفض مصحوبًا بتهديد بالاعتقال والمحاكمة في حال عودته، فمات منفيًا في العاصمة البرازيلية سنة 2006، محرومًا حتى من تراب الوطن الذي احتكره.

 

10. يؤمن الطاغية وأنصاره بالديمقراطية فقط بعد أن يفقد السلطة
تولى الجنرال جوستابو روخاس بينيّا السلطة في كولومبيا أربعة سنوات إلا قليلاً بعد انقلاب قاده سنة 1953، ففرض حكمًا عسكريًّا ديكتاتوريًّا انتهى بالإطاحة به بعد مظاهرات شعبية سنة 1957. لكنه عاد بعد خمس سنوات فرشح نفسه في انتخابات ديمقراطية نال فيها المركز الرابع، وفي سنة 1970 عاود الجنرال المخلوع ترشيح نفسه، مراهنًا على ضعف ذاكرة الشعب، فخسر بفارق ضئيل من الأصوات.

 

الجنرال ـ الذي حظر الانتخابات من الأساس عندما كان رئيسًا- أثار هو وأنصاره عاصفة حول مزاعم بحدوث تزوير، ولكن المحكمة العليا حسمت الأمر وأقرت النتيجة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد