كانت تلك أولى محاضرات مادة “التربية العسكرية” التي يتم تدريسها بالجامعات المصرية للطلبة الذكور على اختلاف تخصصاتهم وكلياتهم ولا ينال الطالب شهادة عتقه من التعليم المصري بدون دراستها. وبغض النظر عن سذاجة الفكرة وعن أنهم يرون في العسكرية “تربية” يجب أن يتلاقاها الجميع فتلك المادة عبارة عن وسيلة لتوصيل قيم وأفكار معينة يريدون توصيلها لأدمغة الطلاب المساكين، وحلقة وصل مع الشباب لبث معلومات مغلوطة مع بعض الشعارات الجوفاء تحت غطاء “تنمية الحس الوطني عند الشباب”.

 

وقف العقيد شامخًا منتفخًا بزيه العسكري مكان الأستاذ الجامعي في مدرج ضم ما لا يقل عن الألف طالب، ومعه اثنان من المجندين اللذان كانا يومًا مدنيين ألقى بهما حظهما العاثر في قبضة المؤسسة العسكرية المصرية ينظمان الطلبة في تجهم وينهران هذا وذاك في عجرفة فارغة ليس لها في المنطق سببًا، فهما في النهاية مدنيان سيعودان للحياة المدنية بعد انقضاء فترة تجنيدهما، ولكنه تأثير البدلة العسكرية. ففي مصر تحظى البدلة العسكرية باحترام يقارب التقديس ويتمسح فيها الناس على اختلاف طبقاتهم ومستوياتهم طالبين أن تحل عليهم بركاتها وامتيازاتها اللانهائية.

بدأ العقيد المحاضرة بتحية للطلبة ومقدمة عن المادة وأسباب تدريسها وتقريرها على الطلبة في محاولة بائسة منه لإقناعهم بأهميتها. ثم طفق يشرح أول موضوع في المادة وهو “حروب الجيل الرابع” وكيف أن الدول المعادية تحيك المؤامرات ضد “الوطن” وتعمل على تخريبه من الداخل من خلال إشعال الحروب الأهلية والفتن الطائفية والانقسامات الداخلية والاحتجاجات الفئوية وربما الخلافات الزوجية أيضًا. ولأن لكل حرب أسلحتها فكان يجب أن يتطرق العقيد لأسلحة حروب الجيل الرابع التي تقودها ضدنا قوى الشر في العالم. لا عجب من ذكره لمواقع التواصل الاجتماعي والتظاهرات والاحتجاجات على أنها أسلحة لتلك الحرب، ولكني اندهشت حقًّا حين ذكر “منظمات المجتمع المدني”!

بصعوبة منعت نفسي من الانفجار بالضحك ولكني لم أصبر حتى تنتهي المحاضرة فسألته عما يجعل من منظمات المجتمع المدني سلاحًا موجهًا ضدنا في أي حرب، وكان رده أعجب حين قال: “تلك المنظمات غالبًا ما تكون ممولة من الخارج، أو أدوات تغيير داخل المجتمع المصري، أو شبكات تجسس مزروعة داخل البلاد”. لن أكون مكررًا وأتحدث عن وهم المؤامرة والبارانويا التي يعاني منها أولئك الجنرالات، ولا عن السبب الذي يمكن أن يجعل أي جهاز مخابراتي مهما كان مبتدئًا يرهق نفسه في التآمر على مصر لأنها لن تجد ما تتآمر عليه فضباطها أدوا المهمة على أكمل وجه، ولا عن نظرة العسكر لكل ما هو غير عسكري كجاسوس محتمل. ولكني سأناقش كيف يعتقد أي مسئول أن منظمات المجتمع المدني قد تشكل خطرًا على المجتمع.

فكرت في المحاضرة بدلًا من أن أسأله عن كيف يشكل المجتمع المدني خطرًا على الدولة أن أسأله عما هو المجتمع المدني أصلًا، لكني لن أخفي أني خشيت عواقب أن يفهم العقيد أني أريد إحراجه، فقد كنت متأكدًا أن جهل العسكر بأبسط أساسيات إدارة الدول يفوق كل توقع. فبداية يجب أن نعلم أن للمجتمع المدني تعريفات كثيرة ومختلفة وأغلبها صحيح ولكن أشمل تعريف قد يوجد هو أن المجتمع المدني هو “المجموعة واسعة النطاق من المنظمات غير الحكومية والمنظمات غير الربحية التي لها وجودٌ في الحياة العامة وتنهض بعبء التعبير عن اهتمامات وقيم أعضائها أو الآخرين، استنادًا إلى اعتبارات أخلاقية أو ثقافية أو سياسية أو علمية أو دينية أو خيرية. ومن ثم يشير مصطلح منظمات المجتمع المدني إلى مجموعة عريضة من المنظمات، تضم: الجماعات المجتمعية المحلية، والمنظمات غير الحكومية، والنقابات العمالية، وجماعات السكان الأصليين، والمنظمات الخيرية، والمنظمات الدينية، والنقابات المهنية، ومؤسسات العمل الخيري”. بمعنى آخر تعتبر منظمات المجتمع المدني هي المنفذ الوحيد الذي يسمح للمواطنين أن يشاركوا في ممارسة أدوارهم كمواطنين فعليين بعدما فشلوا في ذلك من خلال المؤسسات الدولة التي يفترض بها أن توفر لهم ذلك كالبرلمان وغيره. زد على ذلك أن في بلد كمصر -حيث الأداء الحكومي المتهالك- يفترض أن تكون مؤسسات المجتمع المدني هي الأمل الوحيد في التنمية وذراع عون قوية لا سلاح من أسلحة حرب ضدنا!

فهناك المؤسسات التي تعمل على قضية التعليم وتقدم فيها حلولًا مبتكرة وتقنيات حديثة تفشل وتعجز مؤسسات التعليم الحكومية عن العمل بها، ومؤسسات حقوقية تقف في وجه الانتهاكات التي تحدث كل يوم على مرأى ومسمع من الجميع وتدافع عن أبسط حقوق البشر في وطن صار الإنسان أرخص ما فيه، ومؤسسات مكافحة الفساد التي تضمن أن يكون هناك مراقبة وشفافية حقيقية في ظل غيابهما من الأجهزة الحكومية المسئولة، ومؤسسات تعمل على مشاكل الرعاية الصحية كبديل لمؤسسات الصحة المهترئة، ومؤسسات ثقافية تستبدل قصور الثقافة المليئة بالأشباح، ومؤسسات تدافع عن حقوق المرأة وتنشر الوعي عنها، وأخرى تكافح الفقر والأمية والإدمان وغيرها.

 

من ناحية أخرى فمؤسسات العمل الخيري في مصر أكثر من أن تحصى، إلى جانب النقابات العمالية والمهنية والتي تعمل على الحفاظ على مصالح أعضائها وتحسين أوضاعهم المزرية. غير أن أغلب العاملين بتلك المؤسسات يعملون بشكل تطوعي، أي أنها لا تحمل الدولة أية أعباء من أي نوع بل بالعكس فهي تعمل كبديل ومساعد لحكومات جعلت من مصر بلد “الـ self-service” كما قرأت منذ فترة في مجلة The Economist حيث قال الكاتب إنه لكي تعيش في مصر يجب عليك أن تشتري وتوفر كل الخدمات والمرافق التي تحتاجها بنفسك.

في بلاد أخرى يقاس مدى تحضر ووعي الشعوب بقدر مشاركتها في العمل المدني من أجل المساهمة في مزيد من التحسن في الأوضاع، مهما كانت تلك الدول متقدمة! (ولكن بالطبع يكون هناك مستوى آخر من العمل المدني فلا أعتقد أنهم يدشنون حملات لمحو الأمية أو مد المياه للمنازل). أما في “اللالا لاند” كما أحب دائمًا أن أسمي مصر فمؤسسات المجتمع المدني شر مستطير يجب على المصريين مقاومته.

وعند التأمل في مسألة تشويه المؤسسة العسكرية لفكرة العمل المدني والتنفير منها بل ومحاربتها، نجد أنها تنطوي على نظرة دونية لكل ما هو مدني. فالمدني في نظر العسكر قليل الكفاءة والخبرة والوطنية، غير مؤهل لقيادة أي عمل جماعي وبالتالي فلا يصلح أن يكون رئيسًا أو محافظًا أو حتى موظف حكومي في منصب كبير نسبيًّا، على عكس العسكري الذي يعرف جيدًا كيف يحفظ النظام ويقود من يعمل تحته بانضباط وحزم. وليس هذا حال العسكريين في مصر فقط بل في أغلب دول العالم، ولكن في الدول المدنية عرف المواطنون كيفية إجبار العسكريين على قبول حقيقة أنهم مؤسسة كأي مؤسسة أخرى في الدولة تعمل لصالحها بالتعاون مع نظيراتها دون أن يكون لأي منهم يد عليا على البقية.

 

ولا ننكر أن في مصر تلك هي نظرة كثير من المدنيين لأنفسهم أيضًا، خصوصًا العواجيز منهم. ولا زلت أذكر صديق لي أثناء ذهابه لأداء الخدمة العسكرية عندما أخذ والده يؤكد له أنه “الجيش مصنع الرجال” وأنه الخبرة التي سيحصل عليها هناك ستفيده فيما تبقى من حياته إلى آخر تلك “الكليشيهات”. ولا أدري أي خبرة بالقيادة يمتلكها هؤلاء الضباط، فقط “صفا وانتباه” والصراخ بالأوامر والإهانات للجنود. حتى مهمتهم الأساسية في حماية البلاد وحدودها من أعدائها فشلوا فيها فتخرج علينا وسائل الإعلام كل يوم بصور لـ “شهداء” من الجيش صرعهم “الإرهابيون” على الحدود.

والأهم من عقد النقص التي يعاني منها العسكر، هو الحفاظ على العقد الاجتماعي الذي أبرمه المدنيون معهم منذ زمن بعيد. فبعد يوليو 1952 أو بالأحرى بعد تولي عبد الناصر مقاليد الحكم في مصر حدث اتفاق ضمني بين الشعب والسلطة الحاكمة –مجلس قيادة الثورة آنذاك– على عقد اجتماعي بموجبه توفر السلطة للشعب الأمن والدعم (على الغذاء والطاقة) وفرص العمل في مؤسسات الحكومة على أن يتخلى الشعب عن حق التشاركية السياسية وتداول السلطة. فعندما تغادر موقعك كمدني لا يجب عليه إلا أن يأكل ويعمل ويسبح بحمد رئيسه وتهم أن تشارك في إدارة بلدك والمساهمة في صنع القرار وإحداث التغيير فلا تتوقع ترحيبًا من العسكر. فالاتفاق اتفاق!

 

وليس معنى أن السلطة على مر الستين عامًا المنصرمة أخذت تنكث بالتزاماتها واحدًا تلو الآخر أن تخالف العقد أنت أيضًا وتطالب بنصيبك في السلطة. فخروجك للعمل المدني والتطوعي –خصوصًا عندما تقوم بتكوين مؤسسة كاملة أو مجموعة كبيرة– يشكل خطرًا على بنود العقد الذي استمر العمل ببنوده لسنوات، حيث إنك تساهم في زيادة وعي الأفراد بحقوقهم وتساعدهم على أداء دورهم في تنمية مجتمعاتهم وحينها سيدركون أن لديهم القدرة على تولي شئون بلدهم ويتطلعون لذلك، وهذا آخر ما يتمناه العسكر.

لطالما واجهت مؤسسات المجتمع المدني المشاكل منذ نشأتها. ولكن بعد يناير 2011 أصبح وضع مؤسسات المجتمع المدني شائكًا جدًّا ومحل ريبة من أطراف عديدة من ضمنها المجتمع المدني نفسه! وأخذت الشكوك والادعاءات عن أجندات وأهداف ومصادر تمويل تلك المؤسسات تتزايد مع الوقت، خصوصًا بعد فضيحة قضية المؤسسات الأمريكية. وتلك القضية برغم خطورتها وتأثيرها البالغ على مصير مؤسسات المجتمع المدني في مصر إلا أنها كانت سخرية درامية في غاية القوة، فالدولة تحاصر المجتمع المدني ومؤسساته من كل جانب حرصًا على الأمن القومي، وعندما عثرت على بعض المؤسسات التي ثبت فعلًا أنها تؤثر على الأمن القومي اكتفت بتوقيفها وتهريب العاملين بها، ثم ذهبت لتضيق الخناق على المؤسسات الأخرى التي لم يثبت أنها تؤثر بأي شكل على أي أمن قومي، إن كان هناك بعض منه. وبعد يونيو 2013 أصبح وضع المجتمع المدني حرجًا للغاية حيث صار تحت مجهر الدولة وأذرعها الأمنية الباطشة بشكل مبالغ فيه، ووصل الأمر إلى إغلاق كثير من المؤسسات وعرقلة مؤسسات أخرى في دوامة التصاريح والإجراءات الأمنية ومنع شخصيات بعينها من ممارسة أي نشاط مدني من أي نوع.

وبالرغم من كل ذلك فقليل من الحذر لا يضر. فهناك مؤسسات -خصوصًا الأجنبية منها– يكون أحيانًا بالفعل لديها أجندات وأهداف خفية. ولكن الحل أبدًا لن يكون بمنع العمل المدني كلية كما يدعي العسكر بنفس منطق تهجير أهالي سيناء بدعوى حفظ الأمن، وإنما ببعض المراقبة والمراجعة والضبط لشئون العمل المدني وتنظيمها بقوانين تضمن الاستفادة منه مع تجنب أخطاره المحتملة.

ذلك –في اختصار شديد جدًّا– هو تصور دولة الضباط عن المجتمع المدني ومؤسساته. التصور الذي بسببه يعاني كل العاملين في المجتمع المدني اليوم ويكافحون من أجل بقائهم في خدمة مجتمعهم في دولة ما زالت تحت نير القمع الأمني الباطش والفاشل في الوقت نفسه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

مجتمع, مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد