تحدثنا في الحلقة الماضية عن  كيان الدولة والعمق الاستراتيجي كأحد أهم أوجه القوة لأية دولة، واليوم سوف نتجه إلى الناحية الخارجية، قبل أن نتعمق في مكونات القوة الاقتصادية والعلمية والعسكرية, سوف نتجه إلى التحالفات العسكرية وقوة الدعم.

يقول أحد جنرالات روما القديمة: «لكي تحصي أعداءك يجب أن تعرف عدد حلفائك»، ويقول أحد جنرالات الإمبراطورية اليابانية بعد الهزيمة في الحرب العالمية: «حاربنا حلفاء من أكثر من عشرة أمم وكسبنا الكثير من الأعداء، ولم يكن لنا حليف بصدق واحد وتصورنا أن ننتصر ».

أما أحد جنرالات موسوليني فيقول: « كالعادة هزمنا قبل أن نبدأ، فلم نبن أنفسنا جيدا، وتحالف علينا من هم أفضل منا، ولم نكن حقا بنصف قدرة حليفنا ـ يقصد الألمان».

عبر كل التاريخ خلقت آلاف التحالفات العسكرية، وبالطبع الاقتصادية، بين دول وأمم شتى، وكان غرضها، وسوف يظل خلق كيان قوي يضمن الحماية لأعضائه، وطبعا لا يكون قابلا للهزيمة، ويفرض الهيمنة على من حوله.

ويعد التحالف، خاصة العسكري، أحد أبواب القوة للدول، ويشكل ضمانة دعم وحماية وقتال مشترك وقت الحاجة, دعونا لا نبتعد كثيرا عن نقطتنا الرئيسة، ألا وهي: ماذا لدي إسرائيل من تحالفات؟ وما تستفيد به؟ وما لدى مصر وتستفيد به؟

الشرق الأوسط والتحالفات الراهنة

تعد المنطقة في الشرق الأوسط ـ بسبب قربها من أوروبا، ونقاط مشتعلة كثيرة ـ مركزا لتحالفات معروفة. ويهيمن حلف الناتوا علي مجريات عدة في المنطقة، وكذلك هناك التحالف الدولي ضد الإرهاب، ولا شك اللاعب الجديد: التحالف العربي، مع الاحتفاظ بالتأكيد بالفوارق البينية بين تحالفات مؤقته وحلف دائم.

وتؤدي  التحالفات في المنطقة أدوارا رئيسة في المجريات العسكرية في بلدان عدة من المنطقة، وتأثر على كل مجرياتها سواء في جبهات القتال أو الردع، وتحدد أيضا مواقع دول وثقلها، وتدفع أو تقطع من نفوذها.

التحالفات العسكرية الإسرائيلية

منذ لحظة بناء الكيان الإسرائيلي، وهو قائم على التحالف مع عدة دول كبرى، وبعيدا عن التاريخ لندخل مباشرة إلى الوضع الراهن، وننظر إلى المستقبل.

تقيم إسرائيل حلفا شاملا ودائما مع الولايات المتحدة الأمريكية، وبينهم عشرات الاتفاقات الأمنية والعسكرية للدعم (تم رفع المعونة كمثال إلى 4.5 مليار دولار)، وكذلك اتفاقات تقنية تخص مشاريع التصنيع العسكري والدعم الفني، وهناك اتفاقية هامة تمنع غلق أبواب التكنولوجيا بينهم، ولكن قطعا، فإن اتفاقية الدفاع والحماية هي ركن أساسي من هذا الحلف، وليس فقط ضمان تفوق إسرائيل، ولكن ضمان بقاء الدولة نفسها.

وكمثال فقط، وليس حصرا، نجد قاعدة للأسطول الأمريكي في ميناء حيفا، ورادار عملاقا بمدى +2000 كلم ضمن الدرع الصاروخي، وبالطبع إف – 35 وبرنامج ارو للدفاع الصاروخي.

بالتاكيد حلف هائل وقوي للغاية.

رغم عدم وجود إسرائيل كعضو رسمي في حلف الناتو، إلا أنها تقع فيه بصور عدة، وتنسق معه في أمور كثيرة، ولديها اتفاقات أمنية ودفاعية عدة معه، وتقع تحت مظلته الحمائية وقت الحاجة، وكمثال: فإن قوات الحلف في تركيا كانت أثناء الحرب الباردة من ضمن مهامها حماية إسرائيل حال التهديد الشامل، وحتى الآن تستفيد إسرائيل من قدرات الحلف في تركيا وقبرص وإيطاليا.

تمتلك إسرائيل علاقات عسكرية قوية جدا وضمانات أمنية ودعما عسكريا مع عدة دول أوروبية، مثل: ألمانيا وبريطانيا وعدة دول بالشمال الأوروبي، وتستفيد منهم دعما وتقنية عسكرية بسخاء، وكمثال: نجد غواصات الدولفين من ألمانيا، وهي الأفضل في فئتها عالميا، بأسعار تقل عن نصف ثمنها الحقيقي، ومؤخرا كورفيتات، ومن بريطانيا ذخائر ورادارات وغيره مما يطول حصره.

بالطبع استفادة رائعة.

تمتلك إسرائيل علاقات عسكرية واتفاقات مع دول عدة حول العالم تجلب تقنيات ودعما عسكريا أو تبادل معلوماتي وأمني، وأيضا سوقا ترويجية للأسلحة، وليس أبلغ مما يدور مع الهند.

امتلكت إسرائيل سابقا تحالفات قوية ما زال أثرها واضحا حتى اليوم، رغم انتهائها، مثلما كان مع فرنسا (تمتلك حتى اليوم علاقات قوية معها، ولكن ليس كالسابق) واستفادت بقدرات نووية في مفاعل ديمونة وصواريخ أريحا الباليستية وصواريخ بوب أي الجوالة، وكان أيضا مع جنوب أفريقيا في النظام العنصري من تجارب صاروخية وتجربة نووية، وأيضا ما كان مع تركيا من تدريبات عسكرية وتعاون مخابراتي وتصنيع عسكري.

بصورة عامة تمتلك إسرائيل تحالفات واتفاقيات عسكرية قوية، ومع دول رئيسة حول العالم تحقق الكثير من مصالحها، وتحفظ لها تفوقا نوعيا في المنطقة.

التحالفات العسكرية المصرية

بالطبع سوف تقفز جملة واحدة في عقول الجميع: أن مصر ليست ضمن أحلاف عسكرية,
في الوضع المصري لن يكون بالمعنى الحرفي للجملة، ودعونا نر تدخل مصر ضمن الأمن القومي للمحيط العربي، وتمتلك علاقات استراتيجية ودفاعية وعسكرية مع الإمارات العربية، وكمثال عليه: نجد دعما عسكريا بطائرات بدون طيار، ومكافحة تمرد، وأيضا عربات مضادة للألغام، وتعاون تدريبي وأمني، وكذلك مع المملكة العربية السعودية نجد علاقات عسكرية وتعاونا وتبادلا أمنيا واستراتيجيا, وبنظرة عامة تجد مصر الدعم والتعاون المتبادل مع عدة دول عربية ضمن محيطها، ولكن هل يرقى لمرتبه التحالف؟

مصر ضمن دول التحالف العربي القائم في الحرب اليمنية وتساهم به عسكريا، ولكن هل هذا التحالف دائما؟ هل من ضمنه الحماية المشتركة لأعضائه ومعاونتهم عسكريا وقت الحاجة؟

حقيقة لا تتضح صورتها.

وفق ما كشف مؤخرا، فإن مصر تدخل ضمن التحالف الإسلامي المزمع إنشاؤه، ووفق المكشوف عنه أيضا، فإن هذا التحالف (لو بالفعل تأسس كما يرجو البعض) سوف يشمل مظلة حماية لأعضائه، ولكن حتى اللحظة لا يمكن أن نجعلها نقطة قائمة.

تمتلك مصر اتفاقات عسكرية، وتتلقى معونة من الولايات المتحدة الأمريكية، وتدريبا، ولكن حقيقة لا يمكن أبدا وضع هذا ضمن نقاط القوة المصرية، فالوضع ينقلب حقا حال أي نزاع مع إسرائيل.

تمتلك مصر اتفاقات تعاون عسكري مع روسيا والصين وفرنسا ودول أخرى، وتوجت بصفقات أسلحه عدة، ولكن هل يرقى الأمر إلى تحالف شامل؟ أشد تلك الاتفاقات تقع مع روسيا، ودخلت مؤخرا في حد التعاون التقني والتصنيعي، وكذلك المناورات المشتركة، والمرور العسكري وغيره.

بعيدا عن كثرة التفاصيل فمصر بالطبع سوف تتلقى الدعم من محيطها العربي، وتلقى ارتكازا من قبله. أما خارجيا، فالأمر مرهون بمن يكون العدو.

لمن الغلبة؟

حقيقة، الفاصل الهام هنا أن التحالفات العسكرية والاتفاقيات والدعم وغيره لإسرائيل مستقر وقوي، ولن يتأثر كثيرا حال الدخول في نزاع عسكري مع مصر (قد ينقص من دول، ويزيد من أخرى)، أما في الحالة المصرية فخارج المحيط العربي سوف تتأثر تلك الاتفاقات والتعاون كثيرا حال أي نزاع مع إسرائيل، خاصة أي تعاون مع أوروبا.

إذن نخلص إلى حقيقة واضحة: تلك النقطة تصب لمصلحة إسرائيل؛ فتحالفاتها ودعمها أفضل وأقوى مما لدى مصر، والتي لا تزال حاليا تبني تحالفات وتعاونا لتغير هذا الوضع (العلاقات الجديدة مع روسيا ـ التحالف الإسلامي ـ العلاقات مع الصين ـ فرنسا ـ مشروع القوة العربية المشتركة وغيره) في حين إن إسرائيل لديها بالفعل ضمانة من أقوى دولة بالعالم، وأكبر أحلافه الناتو.

فحقا بنت إسرائيل علاقات قوية وضمانات بقاء رائعة، ولا بديل لمصر، إلا بتقوية محيطها العربي، وعلاقات أشد مع الشرق لضمان الدعم وقت الحاجة.

لاريب أن كثرة الأصدقاء تجنبك تعدد الأعداء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد