في الميثولوجيا اليونانية القديمة هناك ثعبان متعدد الرؤوس يدعى الهايدرا كان يقتل ويفسد كل شيء يعترض طريقه وقد اشتهر هذا الثعبان بالكذب وقد كلفت الآلهة البطل هيراكليس بقتل الهايدرا، ونجح هيراكليس في مهمته.

إن الفساد مثل هذا الكائن الأسطوري مُتعدد الرؤوس كلما قُطع منه رأس ظهر بدلًا منها ألف أخرى، الفساد عنصر أكيد ودائم وملازم لحكم العسكر، أو لنقل أن حكم العسكر هو الفساد بذاته، ولنتتبع حكم العسكر منذ بدايته تقريبا.

فعندما ضعف الخلفاء وتوقفت الفتوحات وذهبت هيبة الخلافة، فلم يصبح هناك جند للجهاد بل أصبح هناك جند بلا عمل يملكون قوة تتحكم في أي شيء، حيث صارت مهماتهم التمرد لا الطاعة لأنهم أصبحوا عصا الحاكم التي يضرب بها خصومه، وأصبح مركز قادتهم عظيمًا؛ لأنهم وحدهم يستطيعون أن يوطدوا الأمن، ويُخضعوا أية قوة مهما علت، ثم غلبوا على أمر الخليفة نفسه حتى قتلوا الخليفة المتوكل على الله عام 247هـ، وأصبح الخلفاء بعدئذ ألعوبة بأيديهم يعزلون من شاءوا، ويقتلون من شاءوا، ويُمثلون بمن شاءوا.

واستمر ذلك حتى جاء السلاجقة فسيطروا على السلطة كعسكريين، هؤلاء الجند أمرهم واحد، على اختلاف جنسياتهم فهم سواء أكانوا عربًا أم فُرْسًا أم أتُراْكً، هم عسكريون، فالجندي الذي رُبِّيَ تربية عسكرية وكان رفيقه السلاح غير ذلك الشخص الذي يسوس الأمور، ويدبر الشئون، يلين لشخص ويقسو على آخر، يستعمل الرحمة ويضع كل شيء في موضعه، والجندي الذي يعيش في الثكنات، ويخوض غمار المعارك حسب الأوامر التي تُعطى إليه، هو غير الذي يحيا بين أهله، يخطط للمعركة من وجهة نظر سياسية، ويبحث في النتائج وما تؤدي إليه، وإن الذي يحيا حياة قاسية قد يحقد على أولئك الذين يعيشون حياة منعمة، فيعمل ضدهم ويحاول أن يسلبهم ذلك.

فما تولى العسكريون حكما إلا وأضعفوه، وما سيطروا على مقدرات دولة إلا وأنحط شأنها،وقد ينال الحكم العسكري بعض الدعاية الخارجية، والهيبة المصطنعة، ولكنه أمر ظاهري ولا يلبث أن ينهار بعد زوال حكم الطاغية أو مع أول معركة وإن كانت صغيرة؛ لأن الشعب الذي أُذِلَّ لا يمكن أن يُقاتَل به، والفرد الذي جُوِّع لا يُمكنه أن يتحرك ويضحي بأوامر الذين جوعوه”.

ويظهر هذا جليا في عدة مواقف قديما وحديثا منها:

  • نكسة الحضارة الإسلامية وعجزها عن إنجاز الثورة الصناعية، وقد كانت منها قاب قوسين أو أدنى في منتصف القرن الحادي عشر، وذلك بسبب الحروب الصليبية والاجتياح المغولي، الذي كان من أخطر نتائجه تراجع طبقة المثقفين والتجار وتولي العسكر مقاليد الأمور في العالم الإسلامي تحت مبرر أولوية الدفاع عن الوجود، ولو على حساب الحضارة والتمدين أو التقدم. وهكذا تجمد المجتمع، وتحول المثقف من دور المفكر المحاور المطور للمجتمع، إلى بوق السلطان الذي يبرر ويحلل وينظر لحكم العسكر وحكمتهم على أنهم الهبة الإلهية المنقذة !
  • أما في العصر الحديث فهذا حوار دار بين جمال عبد الناصر وحسن العشماوي:
  • “جمال: إن الشعب المصري في رخاء.. وقد أثبت التاريخ لي أن هذا الشعب يثور أو يؤيد الثورات وهو في رخاء.. أما إذا شغل بضيق الحال وشح الرزق انشغل عن الثورة.
  • حسن: أتعني أنك ستحرمه رخاء الحال؛ لتضمن بقاءه تحت سيطرتك؟
  • جمال: لا، لا طبعًا، لم أقصد ذلك، يا لك من خبيث في تحليل أقوالي” ثم يضحكان.

غير أن جمال عبد الناصر فعل ما توقعه حسن العشماوي وقد ذكر هذا الحوار في كتاب (الأيام الحاسمة وحصادها) لحسن العشماوي.

ومن عجائب التاريخ أنه كما كانت الحروب الصليبية هي التي دفعت طبقة العسكر إلى الصدارة في المجتمع الإسلامي وما ترتب على ذلك من ضياع فرصته في العصر الرأسمالي-الصناعي، فإن الحرب نفسها أحدثت العكس تمامًا في أوربا إذ خلصت المجتمع المدني من العسكر (ذبح عسكر المسلمين فرسان أورب، فحرروا عدوهم التاريخي!) واستعان ملوك أوربا من ثَمَّ بالمثقف والتاجر في بناء الأوطان الموحدة والمجتمع المدني، ثم حضارة العصر الصناعي أو النظام الرأسمالي.

وهناك في التاريخ ما يؤكد لنا أن العسكر لا يصنعون حضارة أمم إنما يستخدمون لتكوينها فقط، فهم ينفذون الأوامر ولا يعطونها وليس أدل من هذا من مواقف جند فرعون.

الأول: حين ألقى موسى عصاه فالتقمت ما ألقاه السحرة من الحبال والعصي، أُلقي السحرة ساجدين.. غير أن الجند الذين شهدوا الموقف هم الذين قاموا بتعذيب السحرة حتى الموت!

والثاني: حين انشق البحر طريقًا صلبًا بين جبلين أمام موسى، كان الضلال قد استولى على قلب فرعون، فانطلق خلف بني إسرائيل دون أن يفقه المعجزة ولا حتى أن يتردد أمامها خائفًا.. وكذلك فعل جيشه !قال تعالى: “إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ”.

ومازال ليومنا هذا فرعون وهامان وجنودهما خاطئين وهكذا صرنا من سيء لأسوء تحت حكم العسكر كلما قطعنا لهم رأسًا برزت لنا غيرها أبشع فالعلة ليست بالرأس إنما بالقلب الذي طبع على الغل والكراهية لكل ما هو مدني، القلب الذي تربى على أن القوة هي الحاكم الأول والأوحد.

وهذه هي بعض إنجازات حكم العسكر التي بلينا بها:

  • في 23 يوليو 1952 والتي هي في حقيقة الأمر كانت انقلابًا عسكريًّا ضد الحكم الملكية كانت الأهداف الرئيسة للثورة هي: القضاء على الإقطاع، القضاء على الاستعمار، القضاء على سيطرة رأس المال على الحكم، إقامة حياة ديمقراطية سليمة، إقامة جيش وطني قوي وإقامة عدالة اجتماعية. والسؤال الآن هل حققت “ثورة يوليو” هذه الأهداف بعد أكثر من 60 عامًا.
  • في عام 1954م حدث انقلاب من العسكر على العسكر أي انقلب جمال عبد الناصر على اللواء أركان حرب محمد نجيب؛ وكذلك على الإخوان المسلمين الذين قدموا تضحيات كالعادة في إنجاح “ثورة يوليو” ضد الملكية، وبدأ زمن ناصر، وهو زمن الاعتقالات، زمن مراكز القوى، زمن الظلم والقهر، زمن الذُل والاستعباد، زمن التعذيب والإعدام بالجملة دون محاكمات.
  • مذبحة القضاة الشرفاء بحق، وتم تكوين قضاة شرفاء آخرين! تكاثروا كالسرطان والفيروسات الخبيثة، وتوارثوا المهنة بغض النظر عن الكفاءة، واستفحلوا وتربوا على الحرام وانتشرت الرشاوى، وتراهم الآن كما نراهم جميعًا، وكل هذه الموبقات استمرت طوال أكثر من ستة عقود مضت. بدأ القضاة الشرفاء الذي عينهم ناصر في الانحياز والخنوع لحكم للعسكر.
  • في عام 1954م قام الزعيم المُلَهم (ناصر) بتدبير الانفجارات الستة التي حدثت في الجامعة، وجروبي، ومخزن الصحافة بمحطة سكة حديد القاهرة، وأنه قد اعترف: لعبد اللطيف بغدادي، وكمال حسين، وحسن إبراهيم، أنه هو من دبر هذه التفجيرات لإثارة مخاوف الناس من الديمقراطية، وللإيحاء لعامة الناس بأن أمن مصر القومي في خطر، وأن الفوضى ستسود إذا مضوا في طريق الديمقراطية.

والملاحظ هنا بأن عبد الفتاح السيسي وعصابته يتبعون نفس الأسلوب الذي اتبعه ناصر سابقًا، ولا نستغرب من اتباعه لنفس الأسلوب القديم المفضوح تاريخيًا، إذا علمنا أنه تم بإيعاز من مستشار الوكسة الأستاذ محمد حسنين هيكل عضو التنظيم السري عام 1963م الذي أنشأه عبد الناصر.

  • في عام 1956م تم انفصال السودان عن مصر بموافقة الزعيم الخالد ناصر! وفي نفس العام دخل الزعيم أيضًا وبغباء شديد في حرب ضد كل من فرنسا وإنجلترا وإسرائيل (العدوان الثلاثي)، واحتلت إسرائيل سيناء بالكامل، وتم احتلال بور سعيد، وإحكام قبضتهم على قناة السويس
  • في عام 1963م تم إنشاء التنظيم السري بمعرفة ما يدعونه ويزعمون أنه زعيم الأمة ناصر، وقد تم إنشاؤه بهدف كتابة تقارير سرية عن الأفراد الشرفاء الذين يريدون الخير لمصر ومن ضمنهم وفي معظمهم الإخوان المسلمين، وكان الهدف من التنظيم السري إحكام القبضة الأمنية، والسيطرة على مقاليد الدولة كما يحدث حاليًا، وألا يعلو صوت أحد بالحق، أو أن يقوم بتوعية الشعب لمعرفة حقوقه ومن أهم أعضاء هذا التنظيم (محمد حسنين هيكل وهو حاليًا فيلسوف انقلاب السيسي، شعراوي جمعة، علي صبري، وبعد أن توفي عبد الناصر “عليه من الله ما يستحق”، استمر التنظيم السري في حكم السادات، وكذلك في حكم المخلوع مبارك ومن أبرز أعضائه: سيد مرعي، اللواء السابق فؤاد علام وهو أكبر رجل تعذيب في أمن الدولة، عمرو موسى “صديق ليفني التي اعترفت على نفسها وعلاقاتها الحميمة مع مسؤولين كبار يعف اللسان عن ذكر تفصيلها”، نبوي إسماعيل، حسن أبو باشا، أسامة الباز، خالد محي الدين، عاطف صدقي، كمال الشاذلي، حسب الله الكفراوي الذي نُظِم اجتماع الانقلاب في بيته بشهادة “منى مكرم عبيد”، مفيد شهاب “ترزي قوانين”، صفوت الشريف الملقب بموافي رئيس قسم … في أمن الدولة، فتحي سرور وهو “ترزي قوانين”، رفعت المحجوب). (من مقال الأستاذ / أحمد فهمي).
  • في عام 1967م كانت الكارثة والفضيحة الكبرى والهزيمة الساحقة لجيش نوال وعواطف أقصد جيش عبد الحكيم عامر (برلنتي، واعتماد خورشيد)، معذرة على الخطأ غير المقصود فليس هناك فرق كبير، من برلنتي ونوال ف المنهج واحد وهو اندماج العسكر بالفنانين والفنانات وانشغالهم عن دورهم الأساسي.
  • في عام 1973م كان انتصار الجيش المصري عندما تفرغ لمهامه الأساسية حيث حيده الرئيس أنور السادات وأبعده عن السياسة، وقد أجمع قيادة الجيش على أنه لا مفر من الاستعانة بدين الله حتى يتمكنوا من تحقيق النصر، وذلك تم من خلال خطب المشايخ على الحدود مع الجنود وبث الروح القتالية فيهم، وحثهم على أن الجهاد والشهادة في سبيل الله إلا أن السادات للأسف رفض استكمال الحرب والقضاء على إسرائيل بصورة كاملة لقلة خبرته العسكرية. [مذكرات سعد الدين الشاذلي، وحواره في برنامج “شاهد على العصر”].
  • في عام 1981م وهو استمرار لحُكم جمهورية الضباط نأتي إلى حكم المخلوع (الكنز الاستراتيجي لإسرائيل) مبارك وزبانيته أكثر من 30 سنة في الحكم، يُعتبر مؤسس دولة الفساد والأب الروحي لها، أي إفساد الدولة بالكامل لجميع مؤسساتها: السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية، التعليمية، الصحية، وزيادة الفقر والعشوائيات والبطالة وتفشي الأمراض والعديد من الجرائم حتى احتلت دولة الفساد المكانة المتدنية التي تليق بحكم العسكر.
  • في 3 يوليو 2013م الانقلاب العسكري الدموي الفاجر من قبل السفاح الخائن للعهد عبد الفتاح السيسي التابع لأهله وعشيرته وهم أسياده إسرائيل وأمريكا، يحاول إعادة الفساد مرة أخرى لكن بصورة أفظع وأبشع لعدم وجود أي ذرة حياء أو خجل لديه، وذلك بحكم نشأته وتربيته من قبل والدته السيدة “مليكة تيتاني” اليهودية الأصل.

ومما سبق يتضح كيف كانت تدار مصر في ظل حكم العسكر، من رأس فاسد لأخرى أفسد كلما تخلصنا من رأس للهايدرا ظهرت أخرى أسرع وأبشع فهل سيرسل لنا الله هيراكليسًا جديدًا ليقتلع قلب ذاك الشر وتنتهي أسطورة هايدرا العسكر ويعودوا لدورهم كجند تأتمر بأمر الحاكم وفقط ؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد