قبل أيام، أعلن الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز، ولي ولي العهد و وزير الدفاع السعودي، عن تشكيل تحالف إسلامي عسكري يضم 35 دولة بهدف “محاربة الإرهاب بجميع أشكاله ومظاهره”، و يتخذ من الرياض مقرا لمركز عملياته المشتركة.

في البداية، تجدر الإشارة أن للعرب و المسلمين تجارب سيئة و جد فاشلة في ما يتعلق بتكوين الأحلاف العسكرية، نذكر منها خاصة تلك التي تأسست في النصف الثاني من القرن العشرين و كانت بمباركة أمريكية بهدف وقف المد الشيوعي في المنطقة. تعددت الأحلاف و كانت النتيجة واحدة. كانت البداية بـ “حلف بغداد” الذي ضم قوى التقليد العربية بالإضافة إلى إيران و تركيا و باكستان، إلا أن هذا الحلف سقط بانسحاب العراق بعد ثورة 1958 و وصول عبد الكريم قاسم للسلطة ليتم تأسيس “الحلف المركزي” الذي ما لبث أن سقط بدوره بعد الإنقلاب الذي أنهى حكم مندريس في تركيا.

ثم في الستينات، برضا أمريكي و في ظل توافق سعودي إيراني بين الملك فيصل و الشاه بهلوي،  تمت محاولة إنشاء “تحالف إسلامي” إلا ان هذا الإقتراح جوبه بالرفض و الإنتقاد الشديد خاصة من الزعيم المصري جمال عبد الناصر. و حتى تجربة “نادي السفاري” التي ضمت بعض الدول الإسلامية لم تكن نتائجها مختلفة كثيرا عن المحاولات السابقة و إن نشأت في ظروف مختلفة.

الإعلان عن هذا التحالف كان مفاجئا وكان في إعلانه الكثير من التسرع و الإرتجال، و هنا نشير إلا أن هذا الحلف يمثل سابقة في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، فلأول مرة يتم الإعلان عن تحالف عسكري بين مجموعة دول من دون إجراء أي  تنسيق أو إجتماع أو لقاء مباشر بينهم. و لا نبالغ حين نقول أن هذا الإعلان كان مفاجئا حتى لبعض الدول المنتمية لهذا التحالف إذ عبرت كل من لبنان و ماليزيا و باكستان عن اندهاشهم من حشر أسمائهم ضمن الدول المنتمية للتحالف دون قرارات منهم بالموافقة!

من جهة أخرى، لعل أول ما يخالج الذهن هو غياب عدة دول مؤثرة مثل إندونيسيا أكبر دولة إسلامية من حيث عدد السكان، إضافة إلى الجزائر، البلد الأكثر تجربة في ميدان محاربة الإرهاب. هذا و يبقى الغياب الأبرز للدول ذات الأغلبية الشيعية كأذربيجان و خاصة العراق و إيران. وجبت الإشارة إلى أن غياب أو تغييب سلطنة عمان هو الأكثر رمزية.

إذ أن مسقط طالما كانت سلطنة عمان أقل الدول العربية طائفية تتعايش فيها مختلف الطوائف الإسلامية بنوع من التوافق و الوئام، و سياسيا طالما لعب السلطان قابوس دور الوسيط بين بعض القوى الإقليمية و طالما كانت عمان نقطة تواصل بين الدول المتصارعة فيما بينها أو حتى مع الغرب. و هنا يطرح السؤال: هل هذا تحالف إسلامي أم تحالف سني؟ هل أُسِس لمقاومة الإرهاب أم لمجابهة تنظيمات و مجموعات بل و دول بعينها؟ و يا خيبة المسعى إذا ما تحوّل التحالف الإسلامي المزعم تأسيسه لمحاربة الإرهاب إلى أداة و وسيلة طائفية تزيد الشرخ و توسع الإقتتال في منطقة مزقتها الحروب الطائفية و فتاوي التكفير و التفجير.

تظم قائمة الدول المكوّنة لهذا التحالف الإسلامي أكثر من 30 دولة، إلا أن الدول الفاعلة لن يتجاوز عددها أصابع اليد الواحدة! بل إن أول ما جال بخاطري عند قراءة قائمة الدول المشاركة و منها الصومال، جيبوتي، سيراليون، الصومال، الغابون، غينيا، البنين، التشاد، جمهورية القمر، ذلك التحالف الذي شكلته الولايات المتحدة الأمريكية عند الغزو الهمجي للعراق في 2003. قبيل الحرب أرادت أمريكا أن تتحرك بغطاء دولي و حلف يضفي شرعية على إحتلال بغداد، و عندما جوبهت بالرفض من جل الدول الكبرى، قررت واشنطن تأسيس حلف (Coalition of the Willing)  ضم بالاو، كوستاريكا، آيسلاند، جزر مارشال ، جزر سليمان، مايكرونيزيا …

المفارقة أن هذه الدول لم تكن تمتلك جيوشا أساسا، بل و على غرار ما حدث هذه الأيام، أعلنت جزر سليمان أنهم تفاجئوا بخبر مشاركتهم ضمن هذا التحالف. بعد ذلك شاركت مجموعة من الدول، بقيادة العم سام، في الحرب تحت إسم “القوات متعددة الجنسيات في العراق”، و بمرور الأشهر تواصل إنسحابهم من هذا التحالف حيث بقيت في النهاية “القوات الأمريكية في العراق”. و هذا السيناريو ليس مستبعدا، و قد نشاهد الملك سلمان يقود تحالفا تكون بلاده جوهره و مموّله و طرفه الأبرز و الوحيد على الأقل من ناحية التكلفة.

نعيد التأكيد أن أبرز ما يميّز أو يُضعف هذا التحالف الإسلامي، أنه جاء متسرعا و ارتجاليا، إلى جانب ضبابية أهدافه وعدم تقديمه لآليات عمل دقيقة و واضحة. بل ستجد عصبة الدول المكونة للحلف نفسها في مأزق عند تعريف الإرهاب و الخطر الإرهابي و عند تحديد المجموعات الإرهابية و العدو المزعم مواجهته، ناهيك أن هذا التحالف يضم دولا مورّطة أو متهمة بدعم جماعات إرهابية.  كما نحذر من الرائحة الطائفية المنبعثة منه و نرجو أن لا يكون تحالفا سنيا مواجها لكتل و دول ذات أغلبية شيعية تم تغييبها.

ولذلك، لا نرى هذا التحالف بقادر على النجاح في المهمة التي أوكلها إلى نفسه، أو التي أوكلتها المملكة العربية السعودية إلى نفسها، بل و الأمرّ، أنه قد يُدخل المنطقة في عواصف هوجاء ومدمّرة تزيد في تكريس الإنقسام الطائفي في الشرق الأوسط من دون تحقيق أي أهداف إستراتيجية حقيقية و لنا في “عاصفة الحزم” خير مثال.

اللافت للإنتباه أن السلطة الفلسطينية من المشاركين في هذا التحالف المقاوم للإرهاب، و هنا نشير أن وزير الدفاع السعودي لم يشر من قريب و لا من بعيد إلى الإرهاب الإسرائيلي، و كم كنا نرجو لو وُجّهت مثل هذه التحالفات العسكرية و السياسية لمواجة العدو الصهيوني، العدو الذي صارت حكوماتنا العربية تبخل حتى بمعاداته و محاربته بالكلمات … بل ان تل أبيب رحبت بهذا الحلف الثلاثيني الذي سيجابه الارهاب، فهم يعلمون جيدا أنهم غير معنيون و أن سلاح هذا التحالف العسكري لن يوجَّه إليهم، فللملكة العربية السعودية و حلفائها أعداء آخرون.

أخيرا و ليس آخرا، و بعيدا عن نظرية المؤامرة، قد يكون هذا التحالف الإسلامي العسكري اللبنة الأولى لما تحدث عنه عضوي مجلس الشيوخ الأمريكي و عضو و رئيس لجنة القوات المسلحة بالكنجرس على التوالي، ليندسي غراهام و جون ماكين، اللذان أعلنا منذ أسابيع عن “الخبر السار” عن إمكانية تشكيل قوات برية تظم جيوشا عربية سنية بالأساس لمقاتلة داعش و نظام الأسد، حيث تمثل هذه الجيوش الإقليمية و التي تظم السعودية و مصر وتركيا حوالي 90% من مجموع القوات على الأرض (10% قوات غربية)، بالإضافة إلى تحمل هذه القوات السنية تكلفة هذه الحرب.

و إذا ما جمعنا هذا المعطى مع ما اقترحه المتصهين جون بولتون في مقال نشره في نيويورك تايمز دعى من خلاله إلى  حتمية إنشاء دولة سنية على مساحة من العراق و سوريا لما بعد “داعش”، إلى جانب دولة شيعية في الجنوب و أخرى كردية في الشمال، وجبت إعادة التحذير من هكذا مشاريع و أحلاف قد تزيد من إذكاء الفتنة الطائفية و من تجزئة المجزأ، وتقسيم المقسّم وتفتيت المفتت في هذا الوطن العربي الذي بات شعبه يعاني الإذلال و الإحتلال المباشر و الغير مباشر. شعوب و دول عربية تحولت إلى لعبة فوق طاولة المساومات و ضحية أطماع لهيمنة و إرهاب قوى إقليمية سنية و شيعية، و قوى دولية  إتخذت من حقوق الإنسان و الحرية شعارات جوفاء لبسط نفوذها و تنفيذ أجنداتها عبر وكلائها المحليين، و ما أكثرهم!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد