يُحكى أن مواطنًا مصريًا ذهب إلى عرّافٍ، ليقرأ له طالعه وما ينتظره في المستقبل.

فقال العراف: أمامك سبع سنوات من الفقر.

المصري: يا الله، وماذا يأتي بعدها؟
العراف: سبع سنوات من الجوع.
المصري: يا الله، وماذا يأتي بعدها؟
العراف: سبع سنوات من المرض.
المصري: يا الله، وماذا يأتي بعدها؟
العراف: تتعود علي البؤس والقهر، ولن تشتكي من شيء.

في تقريرها السنوي الأخير، وجدت مؤسسة فريدوم هاوس للرقابة السياسية، أن 60 من أصل 194 دولة في العالم حرة جزئيًا، و47 تعتبر غير حرة. وهذا يعني أن سكان ما يقرب من 55٪ من دول العالم من المظلومين. وعلى الرغم من تواجد مصر تحت عنوان «حرة جزئيًا»، فالواقع أن مكانها الصحيح هو «غير حرة على الإطلاق».

استولى العسكر في مصر على الاقتصاد والسياسية فأفشلاهما، وقاموا بتسييس الجيش فخسر كل حروبه. منذ حركة ضباط 1952 ضد الملك السابق فاروق ونحن نعاني من ركود ديمقراطي مستمر. ولم تعد الطرق التقليدية لمحاربة الطغاة الجدد تعمل، فكان لابد من إعادة تقييم. العسكر لهم اليد العليا، لقد تعلّموا حيلًا جديدة وشحذوا مهاراتهم للتغلب على التحدي الديمقراطي. يمكنني تقديم قائمة بالفظائع وانتهاكات حقوق الإنسان الفاضحة التي يرتكبها العسكر كل يوم، ولكن هذا لن يؤدي إلى إحداث التغيير، هناك ملايين المصريين تحت نير الطغيان، ويتوقون إلى أن يكونوا أحرارًا. قد تبدو المهمة مستحيلة ومليئة بالعقبات، لكن ذلك يعتمد على الطريقة التي نقاوم بها الدكتاتورية.

ذبلت وتلاشت ثورة يناير تحت بيادات شبه دولة 3 يوليو (تموز) الانقلابية. سيطر العسكر تماما علي كل شئ، ليس بسبب براعتهم، بل بسبب طبيعة مقاومتنا ضدهم. لا شك أنهم يمتلكون أسلحة هائلة تحت تصرفهم، كما أنهم فعّالون بوحشية في التخويف والإرهاب والمذابح. ومع ذلك، الصورة ليست جيدة، المعارضة ضعيفة وعاجزة ومتداعية لا يوجد تنسيق ولا خريطة طريق، ويسودها ارتباك هائل.

اقرأ: كيف يحافظ الديكتاتور على سلطته؟

كيف رضِيَ الغرب وتسامح مع نظام السيسي

وصفت مجلة فورين بوليسي انتهاكات نظام السيسي، بأنه وصل إلي مستويات غير مسبوقة، وهو يستغل حربه ضد الإرهاب كذريعة لقمع الحريات ونجح إلى حد كبير في خنقها، بمساعدة وصمت غربيين. وأضافت أن القمع في مصر ليس جديدًا، ولكنه في ظلّ حكم السيسي وصل لمستويات لم يسبق لها مثيل.

لقد ركب السيسي موجة الحجج المعتادة، من أن الديمقراطية لا تناسبنا، وربما قال لهم في الغرف المغلقة، أنالاستبداد هو جزء من ثقافتنا السياسية. وتلقف الغرب ديكتاتورية السيسي وقبِلها، تحت مسمي: أننا لم ننضج بعد بما فيه الكفاية للديمقراطية على النمط الغربي. نعم الاستبداد ليس جديدًا علينا، ولكنه لن يتوافق مع عصرنا الحالي. فماذا نفعل؟

في ساحة المعركة، يجب أن يعرف المرء كل شيء عن عدوّه، نقاط قوته وضعفه وتكتيكاته. نظام السيسي له دعامات خارجية وداخلية. لا يجب أن نحاربه على أرضه حيث يكون أقوى، بل نحدد دعائمه ونحطمها.

الدعم الخارجي لنظام السيسي يأتي في شكل مساعدات وقروض أجنبية واعتراف دبلوماسي وما إلى ذلك. والدعم الداخلي يأتي من قوات الأمن والجماهير المنتفعة أو المغيبة. نظام السيسي لن يدوم، لأنه ينتهك النظام الطبيعي للأشياء، ولأنه مليء بالتناقضات الداخلية، وزواله أمر حتمي. ومع ذلك لا يمكن لمحبي الحرية والديمقراطية انتظار نظام السيسي كي يدمر نفسه بنفسه، فهذا الأمر قد يستغرق عقودًا. وحتى إذا دمر نفسه بسرعة، سيأتي عسكري آخر ويأخذ مبادرة القمع من السيسي بعد الإطاحة به. لذلك يجب صياغة موقف معارض موحد أو إستراتيجية مقاومة استباقية لتسريع زواله وضمان عدم تكرار نموذج ديكتاتورية السيسي العسكرية. مع تجنب أخطاء الماضي، وتعلم الدروس المستفادة، ووضع إستراتيجية معارضة ذكية وفعالة، سننتصر، لن ننتصر بمقاومة شفهية من النوع الذي يصرخ السيسي يجب أن يرحل. يجب أن تعرف المعارضة نقاط ضعف نظام السيسي وتستغلها، وهذه أول قاعدة للقتال. لا تحارب السيسي في ميدانٍ، يكون فيه هو أقوى منك. ومع ذلك، فإن ضرب نظام السيسي ليس سوى الخطوة الأولى، فهذا لا يؤسس حرية. يخبرنا التاريخ أن العديد من الدول شهدت سقوط طاغية ليحل محله طاغية آخر. فأصبح حالنا إزالة فأر من السلطة، فيأتي فأر آخر يفعل الشيء نفسه أو ما هو أسوأ.

نظام السيسي يوهمنا بالتقدم

برنامج الاصلاح الاقتصادى، تم إعداده وفقًا لعزيمة وقوة إرادة الشعب المصرى، والنتائج الإيجابية التى فاقت المتوقع، هدفت إلي تحسين مستوى المعيشة وجودة الحياة للمواطنين.

(عزيزي القارئ: هل فهمت شيئًا من الكلام السابق؟). إنها رؤية السيسي للتقدم، خلال مشاركته فى عشاء أقامته غرفة التجارة الأمريكية منذ أيام. إنه يكذب ويضلّل. ما لا يفهمه طبيب الفلاسفة المصري، هو أنّ دفع الاقتصاد قبل الإصلاح السياسي ما هو إلا وضع العربة أمام الحصان، بدون إصلاح سياسي لن يثرَي إلا نخب مصاصي الدماء الحاكمة، تاركة الناس في فقر مدقع. إن أنماط الحياة المتميزة للنخبة، وانتشار الفساد وعدم المساواة الاجتماعية المتزايدة، وزيادة البطالة، ستثير في نهاية المطاف اضطرابات مدمرة. هذا هو الوقت الذي سيصل فيه يوم الحساب السياسي. إذا لم يتم فتح المجال السياسي، ستنفجر مصر، وتتبدد أي مكاسب اقتصادية مزعومة. وبالتالي، يجب أن يبدأ الإصلاح الحقيقي بالحرية الفكرية لأن الناس بحاجة إلى الحرية الفكرية لتحديد نوع النظام السياسي الذي يريدونه، ثم بالإصلاح السياسي والدستوري والمؤسسي، ويختتم بالتحرير الاقتصادي.

اقرأ: بلغنا قمّة الموت.. فمتى نُبعث من جديد؟

نظام غير شرعي

النظام السياسي القائم على القوة والقمع والقبض والتعذيب والقتل والتزوير وإغلاق الصحف، هو نظام غير شرعي. يقول دستور 2014، والذي صاغه نظام السيسي نفسه، فى المادة 226: لا يجوز تعديل النصوص المتعلقة بإعادة انتخاب رئيس الجمهورية أو مبادئ الحرية والمساواة، ما لم يكن التعديل متعلقًا بالمزيد من الضمانات. فأين الضمانات التي حدثت؟ كان تعديل هذه المادة إسقاطًا كاملًا لكل مبادي الحرية و الديمقراطية. وهذا ليس غريبًا على عبد الفتاح السيسي الذي تنطبق عليه صفة الديكتاتور ذي الخلفية العسكرية الذي يعطي الأوامر، ويصدر المراسيم، ويتوقع الامتثال والطاعة الكاملين. يبدو السيسي وكأنه أشبه بملوك القرون الوسطى، الذين كانوا مقتنعين بأنهم قد وُهبوا الحق الإلهي لحكم شعوبهم. بمعنى آخر: لقد خصّب السيسي شجرة استبداده بجرعة سماد من النرجسية. لم أبالغ، السيسي يعتقد هذه الأوهام عن نفسه، هو الحاكم الذي يمارس السلطة بقمع وبقسوة. والذي يتابعه منذ انقلابه علي الديمقراطية المصرية، يراه في ظلال، وألوان، وأيديولوجيات، وحتي أديان مختلفة، وكل هذه التقلبات تشترك في خاصية واحدة مشتركة، إنه حاكم جاء علي ظهر الدبابة حاملًا مدفعه، وبالتالي فهو لا يستطيع ادعاء الشرعية. وبرغم هذا يقوم السيسي باستمرار بتحسين أساليبه القمعية، وتعلّم حيلًا جديدةً للسيطرة على القوى المؤيدة للديمقراطية، وللحفاظ على قبضته الحديدية على السلطة، وبالتالي فهو لا يملّ من اختراع أعداءٍ جدد بصفة دائمة. وأمام العالم الخارجي، يدّعي أن هؤلاء الأعداء المزعومين من الداخل، وأمام الشعب المصري، يدّعي أنّ أعداءه من الخارج، وأطلق على الاثنين أهل الشر. وهذا يُمكنه من تبرير حكمه القمعي ضد دعاة الحريات المدنية، وحشد أنصاره حول قضايا هزلية وتافهة. أكبر مسجد، وأكبر كنيسة، وأطول كوبري… إلخ.

لأ أحد ينكر أن السيسي مع مرور الوقت، أصبح أكثر جرأة، حيث يبدو أن المقاومة ضده ضعيفة، بجانب عدم كفاية الدعم المقدم من دعاة الديمقراطية حول العالم. وما لم تكن المقاومة محلية ودولية ليتم توطيد الديمقراطية، سيستمر السيسي في اكتساب الزخم والفوز.

فهل تستمر البلد بلدَهم، ونستمر نحن ضيوفًا عندهم؟

سلامٌ على أرواح الذين لقوا حتفهم في محاربة الجراد العسكري.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات