لا زلنا في حديثنا عن موجز تاريخ العسكرية المملوكية، وكنا في المقالين السابقين قد توقفنا عند مراحل تعلم المماليك منذ استقدامهم في الثكنات العسكرية حتى تخرجهم، والمناهج التربوية والعسكرية التي تلقنوها في تلك الثكنات أو الطبقات، وما بعد التخرج، والأقسام الأربعة التي تكوّن منها الجيش المملوكية، وتراتبيتها، وأهميتها العسكرية والسياسية، وفي هذا المقال نستكمل ما بدأناه في هذه السلسلة.

لقد جمع عدد من الأمراء المماليك بين الرتبة العسكرية وبين وظائف الدولة القيادية، وكان الانتقال من رتبة إلى أخرى يخضع لاعتبارات عدة، منها العلاقة المتينة بين الخاصكي والسلطان، فالخاصكية أسرع المماليك السلطانية في الترقية، ومنها العصبية أو الجنسية، ومنها درجة القرابة، ومنها درجة زمالة السلطان الجديد بأصدقائه في الطِباق أو الرق أو العتق أو العمل والخدمة ويُطلق على هؤلاء “الخُشداشية” أي زملاء دفعة واحدة، ومنها الوساطة أو المحسوبية، ويأتي على رأس هذه الاعتبارات المهارات الذاتية من الفروسية وإجادة الفنون الحربية، وأكثر من راعى هذه القاعدة هم السلاطين العظام مثل الظاهر بيبرس والمظفر قطز والمنصور قلاوون من بعدهم .

أما الوظائف التي تقتضي أن يكون أصحابها من فئة “مقدّم ألف” وهي أعلى فئات الجيش المملوكي، وغالبًا ما يكونون بخدمة السلطان في العاصمة المملوكية القاهرة، فهي على حسب منازلها وترتيبها كما يلي:

1- نائب السلطنة، فهو النائب الكافل أو كافل الممالك الإسلامية، ونائب السلطان بحضرته، وهو يحكم في كل ما يحكم فيه السلطان، ويُعلِّم على التقاليد والتواقيع والمناشير، وله رئاسة ديوان الجيش، ويُنهي إلى السلطان بكل الأمور التي لا بد أن يقف عليها.

2- الأتابكية، ويعبّر عن صاحبها بأتابك العساكر والأمير الكبير وهو “قائد الجيش”، وغالبًا ما يكون أكبر الأمراء المقدَّمين بعد نائب السلطنة.

3- نوّاب النيابات الشامية الكبرى، مثل دمشق وحلب وطرابلس وصفد وأنطاكية وغيرها، فهذه المدن الكبرى وتوابعها من القرى والضياع وغيرها، كان لا يحكمها إلا نائب رتبته العسكرية لا تقل عن “أمير مائة مقدم ألف” .

4- أمير سلاح كبير، وصاحبها هو رئيس السلحدارية من المماليك السلطانية، ويحمل سلاح السلطان في المواكب العامة، ويشرف “أمير سلاح كبير” على السلاح خاناة، فهو بمثابة “رئيس الأسلحة والذخيرة” .

5- أمير مجلس وهو المسئول عن مجلس السلطان وكبار الأمراء من حيث الترتيب وغيره وهو بمثابة “رئيس الديوان السلطاني”.

6- الدوادار الكبير، وهو الذي يتولّى تبليغ الرسائل للسلطان ورفع القصص وتقديم البريد إليه، كما يحصل على تصديق السلطان على المناشير والتواقيع، وهو بمثابة “السكرتير الخاص للسلطان” .

7- أمير آخور كبير، ووظيفته الإشراف على خيل السلطان، ويقيم عادة بالإسطبل السلطاني، ويُساعده في مهمته فريقٌ من أمراء الطبلخاناة والعشرات، فهو “رئيس الإسطبلات السلطانية” .

8- رأس نوبة النوب، فهو من يتولى الإشراف على تربية المماليك، فهو بمثابة “رئيس الأركان” أو “رئيس الكليات العسكرية” .

9- حاجب الحجاب، ومن مهامه الفصل فيما يقع بين الجند والأمراء من نزاع واختلاف في أمر الإقطاعات، فإن تعذّر عليه ذلك، رجع إلى نائب السلطنة، ويتولى حاجب الحجاب كذلك تقديم الجند وعرضهم، ويُعاونه في ذلك عدد من الحجاب، وجرت العادة أن تكون أعمال الحجوبية بيد خمسة من الحجاب، اثنان منهم من مقدمي الألوف، وهما حاجب الحجاب ونائبه، وفي الدولة المملوكية الثانية صار من اختصاصات حاجب الحجاب الفصل بين المتنازعين عمومًا، فأغار بذلك على وظيفة القضاء !

10- أمير جاندار الكبير، فهو الذي يستأذن السلطان في دخول الأمراء للخدمة، ويدخل أمامهم إلى الإيوان، ويشترك مع الدوادار في تقديم البريد، ويُساعده في عمله طائفة من البردارية والركابية والخازندارية، وهو الذي يُنفّذ أوامر السلطان بشأن تعزير فرد من الأفراد أو قتله، ويُشرف بعد إشارة حاجب الحجاب كذلك على الزردخاناة، وهو السجن الخاص بالأمراء الذين يغضب عليهم السلطان، ويطوف أمير جاندار بموكب السلطان عند سفره، فهو بمثابة “رئيس أمن السلطان” .

11- الأستادار، وتعني “أستاذ الدار”، وهو الذي يشرف في أمر بيوت السلطان من المطابخ ومخازن الأشربة والحاشية والغلمان، وجرت العادة أن تكون الأستادارية بيد أربعة أكبرهم مقدم ألف ومعه ثلاثة طبلخاناة، فهو بمثابة “رئيس القصور السلطانية” .
12- أمير الحاج الشريف، وهو الذي يرأس وفد الحجيج عند ذهابهم لتأدية فريضة الحج بالحجاز .

13- الخازندار، وهو الذي يُشرف على خزائن الأموال السلطانية وما بها من نقد وقماش .

14- شاد الشرابخاناة، وهو الذي يُشرف على ما تحويه خزائن الأشربة السلطانية من السكر والمشروب والفواكه، ويُعاونه في ذلك بعض الأمراء من أمراء العشرات والطبلخاناة، فهو بمثابة “رئيس تموين السلطان” ، وأصبح في فترة متأخرة من الدولة الثانية من أمراء الطبلخاناة.

أما الطبقة الثانية من الأمراء، والأقل منزلة من فئة “أمراء الألوف” فهي فئة أمراء الطبلخاناة، وقد قاد كل منهم في الجيش أربعين فارسًا، وقد زاد بعضهم على ذلك إلى سبعين وثمانين حسب إقطاعه، غير أنه لا يقل عن أربعين في أية حال، وليس لأمراء الطبلخاناة عدد معيّن؛ إذ يجوز أن ينقص عددهم بتفريق إمرة الطبلخاناة إلى إمرتي عشرين أو أربع عشرات، ومن أمراء الطبلخاناة تكون الرتبة الثانية من أصحاب الوظائف، وهم الكُشّاف – جمع كاشف – وهم المسئولون عن الحالة الأمنية والخدمية في الولايات المصرية، والولاة بالأعمال والأقاليم المصرية، ونوّاب النيابات الشامية الصغرى مثل ملطية وعينتاب وإياس وطرسوس وغيرها من المدن المتوسطة الحجم.

ومن أمراء الطبلخاناة الذين يتولون الوظائف في بلاط السلطان بقلعة الجبل: شاد الشرابخاناه الثاني، والدوادار الثاني، وأمير أخور الثاني، ورأس نوبة النوب الثاني، والحاجب الثاني، والخازندار الثاني، ونائب القلعة، والزردكاش، وأمير شكّار “المسئول عن طيور السلطان الجارحة”، وأمير جاندار، وزِمام الدور السلطانية، ومقدم المماليك .

 

أما الطبقة الثالثة من أصحاب الوظائف البلاطية، فهم أمراء العشرينات والعشرات، فنصيب كل منهم في الحروب عشرة فوارس أو عشرون فارسًا، وهذه الطبقة لم يكن لها ضابط لعدد أمرائها، بل تزيد وتنقص شأنها في ذلك شأن طبقة إمرة طبلخاناة، ومن هذه الطبقة يُعيّن صغار الولاة في الأقاليم والبلدان المختلفة، ومن الوظائف التي تكون من نصيبهم في البلاط السلطاني: الدوادار الثالث، وأمير آخور الثالث، ورأس نوبة الثالث، والحاجب الثالث، وأستادار الصحبة .

وآخر طبقات الأمراء وأدناها نجدُ أمراء الخمساوات، ففي خدمة كل منهم وقت الحرب وعرض الجيش خمسة فرسان أو مماليك، وهم أقل الطبقات عددًا، وأكثر ما كان يُنعم السلاطين بإمرتها على أولاد الأمراء الذين تُوفي آباؤهم وذلك رعاية لسلفهم، وهم في الحقيقة كأكابر الجند، وسمّاهم المؤرخون في عصر سلاطين المماليك طبقة “أولاد الناس” .

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!