في مقالنا السابق توقفنا عند أهم الوظائف البلاطية التي احتلّها كبار الضباط والفرسان المماليك من أصحاب الطبقة الأولى “أمير مائة مقدّم ألف”، وهم من يخرج منهم السلطان الجديد غالبًا مستخدمًا كل الوسائل لتثبيت دعائم سلطنته، ثم عرّجنا بالحديث عن الطبقتين الأخريين الأقل منزلة في سياق “الهيراركية” أو “التراتبية” المماليكية في صفوف الجيش والبلاط، وفي هذا المقال والذي يليه سنقف مع أهم مصادر الإنفاق على هذا الجيش الكبير في مصر والشام.

لقد جرت العادة أن يُطلق على جيش سلطنة المماليك بأكملها العساكر السلطانية أو العسكر السلطاني. أما الجيش المرابط بمصر فصار يُعرف بالعسكر المصري أو العساكر المصرية، بينما جرى إطلاق العساكر الشامية على الجيش المملوكي المرابط بمدن فلسطين وسوريا(1).

وينبغي التنويه إلى أن كثيرًا من هذه الوظائف كانت توجد في النيابات الشامية الكبرى والقلاع المملوكية في طول بلاد الشام وعرضها، فكانت الدولة المملوكية بمثابة الدولة الفيدرالية حيث تمتّعت الأقاليم بنوع من اللامركزية في الإدارة الداخلية، فضلًا عن وجود جيوش أو حاميات صغيرة داخل تلك النيابات.

أما اختيار السلطان – وهو رأس المماليك– فهو يأتي في الغالب نتيجة لاختيار الأمراء له، وليس نتيجة للوراثة، فهو بذلك “الأول بين أقرانه”، وقد حاول بعض السلاطين في الدولتين البحرية والبرجية إدخال المبدأ الوراثي، ولكن أمراء المماليك لم يأخذوا به، ولم يكن للابن الأكبر للسلطان حق ملزم في التولية بعد أبيه، غير وصية أبيه له.

ومع ذلك فقد كانت هناك ظروف تُحدّد هذا الاختيار، وتهيء الوصول إلى السلطنة منها على الخصوص كثرة عدد المماليك عند الأمير الهادف إلى السلطنة، فكان يُقال إن مقام الأمراء بمماليكهم، فبعضهم عنده خمسة آلاف مملوك أو سبعة آلاف مملوك أو حتى اثنا عشر ألفًا.

ومن ناحية أخرى حرص السلطان الجديد على استخدام أداتي الترغيب والترهيب لتثبيت نفسه على “دست السلطنة” أو “كرسي الحكم”، فتارة كان يقتل أعداءه وتارة كان يلجأ إلى تعيين أعظم الإقطاعات والوظائف الكبرى للمنافسين له، وفي الدولة الثانية البرجية، حرص السلاطين على نفي المناوئين دون قتلهم؛ خوفًا على نفسه من نفس المصير إذا خُلع من الحكم، وكانت أشهر أماكن النفي هي الإسكندرية ودمياط وقوص بمصر، والكرك بالشام، كما سمعنا أيضًا بالتسامح والعفو الذي وصل إلى حد أن يسمح لسلفه المخلوع بالحج بل لسلفه المخلوع بالعودة إلى الوظائف المملوكية مرة أخرى مثل العادل كتبغا(2)!

أما نظام الإنفاق على هذه الجيوش المملوكية فخضع لكثير من التعديل والتطور؛ إذ تأثّرت دولة المماليك في نُظمها بما نقلته عن الزنكيين والأيوبيين من النظم السلجوقية الأصل، فضلًا عن غيرها من النظم السابقة على السلاجقة أي نظم الفاطميين.

على أن أبرز ما اعتمد عليه المماليك في الإنفاق على الجيش هو نظام الإقطاع الحربي، ومن المعلوم أن نظام الملك السُلجوقي وزير السلطان ملكشاه بن ألب أرسلان (ت485هـ)، هو الذي جعل الإقطاع الحربي عامًا في الدولة السلجوقية، وذلك حين رأى أن الدولة قد اختلّ نظامها، وساءت حصيلة أموالها، ففرق البلاد على الأجناد إقطاعًا وجعل متحصّلها لهم، على أن يقدم صاحب الإقطاع عددًا من الجند للخدمة في جيش السلطان، وحرص نظام الملك على عدم تركيز الإقطاع في جهة واحدة، وورث الزنكيون هذا النظام من السلاجقة، وأضافوا عليه أن جلعوا الإقطاع وراثيًّا؛ فإذا ما توفي أحد الأجناد وخلّف ولدًا ذكرًا أقرّ السلطان إقطاعه عليه، مما كان له أعظم الأثر في ثبات الجنود الزنكيين في المعارك الكبرى، وسار الأيوبيون على نهجهم، ثم المماليك في دربهم وفق قاعدة الأرض السلطانية التي افتتحها السلاطين عنوة (3).

والمقصود بالإقطاع هو ما يُتحصّل من غلة نقدًا وعينًا من أرض زراعية أو جهة من جهات الإيراد، ويُعرف هذا النوع عند فقهاء المسلمين باسم “إقطاع الاستغلال”، فأجازوا إعطاءه الجيش مقابل ما هو مقرر لهم من أرزاق “مرتبات” تُصرف لهم عمّا يقومون به من خدمة حربية، وجعل الفقهاء لذلك شروطًا ترتبط بما هو مقرر على الإقطاع من مال الخراج أو الجزية وتقدير الخراج سواء بالمقاسمة أو على المساحة، فضلًا عن مدة الإقطاع، وحال المقطع أثناء بقاء الإقطاع في يده من حيث السلامة والمرض والموت، وجرى السلاطين الأوائل في الدولة المملوكية على قاعدة توريث الإقطاعات لأبناء الأجناد تشجيعًا لهم على استخلاف آبائهم في الجندية، فضلًا عن حاجة السلاطين إلى الإبقاء على جيش قوي لتوطيد سلطانهم في البلاد ودرء الخطر الخارجي الصليبي أو المغولي أو بقايا الأيوبيين في الشام، لكن تبدّل ذلك وأصبح الإقطاع لا يورّث تعطيه الدولة للأمراء والجنود بحسب ما تراه، وكان الديوان المسئول عن تنظيم عن عملية الإقطاع وتوزيعه هو ديوان الجيش، ورئيسه غالبًا ما كان من كبار الأمراء المقدمين، ثم صار فيما بعد من كبار القضاة والفقهاء المتعمّمين أرباب الأقلام(4).

للاطلاع على الأجزاء السابقة:

الجزء الأول

الجزء الثاني

الجزء الثالث

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!