ذكر المحلل «فينسنك» في مقال نشرته جريدة «الإندبندنت» البريطانية بعنوان «الشرق الأوسط في المستقبل.. دول المافيا التي يحكمها المال» ما حدث بـ 30 يونيه (حزيران) كان ثورة مضادة، ولم يكن هدفها الإطاحة بالرئيس مرسي خوفًا من تحول مصر إلى «مصرستان»، ولكن ليستعيد الجيش سيطرته الكاملة على مكتسباته المادية والضخمة، والتي تتمثل في مصانع وشركات لأدوات غذائية وكهربائية…».

يبدو أن هذا الكلام يؤكده صدام الجيش مع برلمان الثورة 2012 فيما يخص مناقشة ميزانية الجيش؛ فالعسكريون يرفضون رفضًا تامًا مناقشة ميزانيتهم أو التدخل في شركاتهم التي تتسع وتنتشر يومًا بعد يوم، ثم يعطون الشعب والوطن فتات ما تبقى منهم؛ ليقول لك المدافعون عنهم في الخطأ قبل الصواب «الجيش أعطى الشعب»، «العسكر تبرع لمصر بمليار جنيه»، أو يخرج عليك أحد العسكريين قائلًا «نحن نصرف على البلد من ثورة يناير»؛ يتعاملون كأنهم دولة غنية تساعد شعبًا معدمًا، أو شركة استثمارية تجود على المحتاجين من مكاسبها، يشعرون أنهم دولة داخل الدولة، وهم كذلك بالفعل.

وليس غريبًا ما يفعله الجيش- بالرغم من تجبره – مقابل غرابة من يهللون له، ويسبحون بحمد فعاله ويمجدونه، وإن تكلمت عن الجيش وأبرزت حقيقته؛ خرجت عليك لجانه المتخصصة في السب والتخوين على مواقع التوصل؛ فتخلع من عليك ثوب الانتماء، وخرج عليك المغيبون الذين لايعرفون عن الجيش، إلا الصور التي تعرض عليهم في الأغاني الوطنية شاهرين سيوف العداء متسلحين بكتائب من الألفاظ القبيحة التي تعبر عن بيئتهم وجهلهم، وما يدري هؤلاء أننا خدمنا الجيش أكثر منهم، وما علم هؤلاء حب الوطن، إلا في كلمة تحيا مصر التي تقال لهم بعد كل كذبة أو سرقة، ولم يضح هؤلاء من أجل الوطن مثلما ضحى الوطنيون الحقيقيون الذين يسكنون السجون أو تطاردهم جيوش الشرطة أو شرطة الجيش.

لم يكن تدخل الجيش في حل مشكلة ألبان الأطفال إلا مسرحية مخابرتية باهتة اللون، ضعيفة المستوى ؛ فكيف وفر الجيش 30 مليون علبة في وقت قياسي دون استيراد؟ ولِم َباع الجيش العلبة بـ 30 جنيهًا، وسعرها قبل الأزمة لم يزد عن 18 جنيهًا؟ هل احتكر الجيش اللبن ليكسب ما يقرب من نصف مليار جنيه في ظل الأزمات الراهنة؟ وما علاقة جيش المدرعات باللبن والرضعات؟

إن حادثة توفير الجيش للبن الأطفال نشطت «فيسبوك» وأثرت صفحاته بمادة خصبة من الاتهامات والنكات التي أطلقها الرافضون لسياسة الجيش، فمنهم من أطلق هاشتاج «لبن العسكور» ومنهم من قال «من المدرعات إلى المرضعات»، ويعلم الله هذه المواقف لا تزيد القلب، إلا توجعا على حال جيش فرغه قادته من مضمونه إلى مضمونهم، وجندوا جنوده لتحقيق أهدافهم.

لم تكن أزمة اللبن إلا مسرحية ضمن سلسلة مسرحيات تعرض بجميع دور العرض الواقعية المصرية، وليس إسناد جامعة القاهرة للجيش الإشراف على  مطاعم خمس مدن جامعية عنا ببعيد؛ فالجيش يترك ميدانه الشرعي؛ ليتاجر بكل ما أوتى من قوة في أي «سبوبة» اقتصادية؛ وللحدود رب يحميها.

شغف الجيش الاقتصادي لا يقل عن بطشه السياسي بشباب مصر؛ فالجيش الذي قتل ما يقرب من 5000 شخص، واعتقل مع الشرطة ما يقرب من 100 ألف شخص، وأخفى قسريا بيد الشرطة ما يقرب من 3000 شخص، وهو الذي يحارب يوميًا الإرهاب الذي صنعه بسينا؛ هل لا يتأثر بكل ذلك اقتصاديًا؟ الجميع يخسر، إلا شركة القوات المسلحة التجارية الاستثمارية؛ ولم لا وشركات الجيش لا تدفع الضرائب، وعمالها جنود الوطن المرغمين على عملهم  بثمن بخس أقل من دراهم معدودة!

ولقد نشر فريق عمل موقع «ساسة بوست» مقالًا بعد بحثهم ودراستهم؛ وضحوا فيه أسماء الشركات التي يسيطر عليها الجيش مع ذكرهم لمهام أهم الشركات، ولقد نجح المقال – من وجهة نظري- في إثبات هيمنة الجيش على الاقتصاد المصري.

فإمبراطورية الجيش الاقتصادية التي لا تغيب عنها المكاسب تقف صامدة، بالرغم من انهيار اقتصاد الوطن؛ فهي شركة لا تخسر، ولعل قوة الجيش وجبروته وسيطرته على مفاصل الدولة في عهد السيسي، ساعد على إسناد أغلب المشاريع الهندسية في الآونة الأخيرة للجيش؛ مما شرد كثيرًا من عمال ومهندسي كثير من الشركات المدنية ؛ فالبرلمان نصب نفسه سمسارًا لمشاريع الجيش، ورئيس البرلمان المخول بمحاسبة الجيش، وغيره يرفض رفضًا تامًا الحديث عن الجيش تحت قبة البرلمان، وكأن هذا ينقض الجلسة! ووزارة الأوقاف سارعت هى الأخرى بتقديم فروض الولاء والطاعة لحماة الوطن؛ فأسندت للجيش بيع 10 آلاف فدان للمستثمرين، وكأن مزارع الجيش والـ21 شركة التابعة لمشروعت الخدمة الوطنية لا تكفى جيوب العسكر؛ فتدخلوا في أعمال الناس وعطلوا شركاتهم، فلقد أصبح التنافس مع شركات الجيش مستحيلًا؛ فالجيش يمتلك المال والعمال والتأمين والإعلام والسماسرة المحترفين أو السياسيين المنافقين، و«تسلم الأيادي».

فإن كانت كل هذه الوزارات لا تستطيع تدبير أمورها أو حل مشاكلها؛ فلُيعزل الوزراء، ولتُغلق الوزارات، وتُسند كل الأمور للشركة المسلحة – القوات المسلحة – فهي الخبيرة بكل خبايا الوطن! ورئيس مجلس إدارتها طبيب الفلاسفة!

لقد شرّع الجيش منذ «ثورة يناير» للآن من القوانين ما تحميه وتحمي تجارته، فلقد أصدر «عدلي منصور» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2013 قانونًا يسمح للحكومة بإسناد المشروعات لأية شركة دون عمل مناقصة إن لزم الأمر، وهل ستجد الحكومة أفضل من الجيش؟ وضباط الجيش في مأمن من متابعة المدنيين، وقبل ذلك أضاف المجلس العسكري في مايو (أيار) 2011 مادة تعطي النيابة والقضاء العسكري فقط الحق في التحقيق في الكسب غير المشروع لرجال الجيش، وبهذا فأسرارهم داخلهم.

إن الذي يتحدث عن الجيش وكأنه المخلص أو الدجال المنتظر أو المُلهمْ الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؛ لم يذق مر الجيش ساعة، ولم يقف مرغمًا في طابور طويل ليشتري من «كانتين» الجيش قبل نزول الإجازة خوفًا – كما يدعون- من فساد البضاعة! ولم يوقفه الضابط في حر الظهيرة مع أكثر من مائتي جندي بعد نهاية التدريبات؛ حتى تنتهي عصائر الكانتين الذي يشرف عليه الضابط وزبانيته! ولابد أن يعلم هؤلاء أن النائحة ليست كالثكلى؛ فكلنا نحب الجيش الذي يحارب ويخدم وطنه، لا الذي يحارب وطنه، ولا نكره المخلصين من الجيش – وهم قليل – بل نكره أفعال قادة الجيش الاستبدادية والانتهازية، ومؤكد أن بالجيش من ينكر هذه الأفعال، ولكن يخشى عاقبة الكلام في غابة لاترحم.

إن خلافنا مع الجيش ليس خلافًا اقتصاديا؛ فثورتنا ثورة قصاص لدماء الشهداء التي أراقها الجيش، ولسنين أضاعها الجيش على شباب دفعوا زهرة شبابهم في سجون الجيش وشرطته، ولدمعة أم مخطوف غيبه العسكر في مكان معلوم للجلاد فقط، ولدمعة طفل في ليلة عيد أغاب العسكر والده في غيابات السجون، أما أنتم يا كل من غنيتم «تسلم الأيادي»، وعدتم تهاجمون سياسة الجيش الانتهازية! فثوروا لاقتصادكم المنهار؛ يكفينا ثورتنا لكرامة الوطن المنهار؛ فنحن تُحركنا الآخرة لا الدنيا، ولن ننافق ونكذب كما تفعلون؛ فقد جعل الجيش جل طموحكم ألا نكون مثل سوريا والعراق، وكأن التفكير في الاقتداء بالدول المتقدمة والمنتجة حرام على عقليتنا التي احتلها العسكر.

فهل نغني «تسلم الأيادي» لجيش يسارع بالوطن إلى الهاوية، أم نغنى لكرامة المصري التي أهدرها جيشه وشرطته، فهل تريدون منا أن نكون كما قال الشاعر:

ونعيش عيش الذل عيش العبد عيش الأبكم

ونرى الحياة ذليلة ونقول يا مصر اسلمي

فرفقًا بوطن بات يشكو حكامه ومحكوميه؛ فلقد يأس الشعب من كل إصلاح على يديكم، فهلا أعطيتم الوطن فرصة للنهوض من كبوتكم يا رجال الجيش؟ فدومًا نتساءل: متى سينتهي حكم المافيا العسكرية؟ ومتى سنفيق ونجد الدبابة حامية لحدودنا لا فوق رؤوسنا؟

ومع كل ذلك تجد حُفاظ شعارات الجيش وعبيد البيادة يقولون لك «أتهاجم جيش بلادك!»، وما علم المساكين أننا نجاهد ليتطهر الجيش ويعود لبلادي، فقديمًا قالوا عنه «جيش لا يقهر»، بالرغم من انتصاره حديثًا مرة واحدة، أما هو الآن بعد تجارته في كل شيء – باستثناء السلاح –  بداية من المكرونة مرورًا بألبان الأطفال، حتى الوصول للطرق والمعمار، فقد أصبح شركة لا تخسر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد