تتباين الآراء حول هذا الدور السياسي الغائب للأحزاب، رغم كثرتها، في الحالة المصرية، وفي القلب منها نجد أحزاب الجنرالات، فما يعتبره بعضهم مزيدًا من العسكرة وانقضاضًا على ما تبقى من مدنية الدولة، يراه «متفائلون» -أو سمهم «معرضون»- حقًّا مشروعًا يكفله الدستور والقانون.

ظهرت الأحزاب ذات الخلفية العسكرية بعد ثورة 25 يناير (كانون الثاني) -هم لا يعتبرونها ثورة- وتكاثرت بعد 30 يونيو (حزيران)، جنرالات وضباط معاشات أصبحوا خارج الخدمة، لكن في الحقيقة لا يمكنك الاستغناء عنهم وعن خدماتهم الجليلة في مواجهة طقوس «البيروقراطية اليومية» ليكونوا لك عونًا في دهاليز الحياة، لن تمل من سماع آرائهم حول مصر «المختطفة» التي عادت بفضل جيشها منتصرة على المتأسلمين تجار الدين، وعليه وجبت الاستفادة من هؤلاء المخلصين بزيادة ليستكملوا المشوار.

إعلاميًّا، تراهم يحتلون الفضائيات، فمصر تحارب الإرهاب، وهناك حاجة إلى محللين استراتيجيين وخبراء عسكريين ليملأ هذا الفضاء، ولتكتمل الصورة فليس هناك غضاضة من إقامة أحزاب سياسية «غير مسيسة»، مؤيدة مستأنسة وإن أسموها زورًا «معارضة»؛ فهي تنكر ذلك تمام الإنكار، وتراه ذنبًا في حق الوطن يستلزم الاستغفار، إنها تؤيد النظام على الدوام للوصول بالبلاد إلى بر الأمان.

الطريق الآمن إلى السياسة

ومع زيادة الخوف من بطش النظام وارتفاع سقف القمع في الحياة العامة، وخروج الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية من المشهد السياسي، يلجأ رجال الأعمال أصحاب الرغبة «الحرام» في ممارسة السياسة إلى حضن النظام، فالوطن يعني «حضنًا» كما قال طبيب الفلاسفة، ويأتي الوئام بين المال والخلفية العسكرية.

تتكامل الرغبات، أصحاب مصالح يرغبون في عمل أحزاب لا تمارس السياسة، من باب الوجاهة -ربما- أو لزيادة النفوذ مفيش مانع، وعلى الجانب الآخر نظام يريد أحزابًا يأمن ولاءها، ولن يتحقق له ذلك إلا على يد أبناء المؤسسة العسكرية.

ومن فضائل الأحزاب العسكرية على النظام أنها:

  1. تحقق رغبة النظام في ملء الفراغ السياسي بـ«العدم»؛ فأحزاب العسكر يمكنها المشاركة بلا ضجيج.
  2. هي أحزاب للسمع والطاعة، ويحتاج النظام إلى هكذا «تمثيل» ومجرد «شكل» الأحزاب في دراما الديمقراطية، حبًّا عذريًّا، علاقة حميمية بلا ممارسة.
  3. تضمن هذه الأحزاب الكرتونية عبورًا آمنا للنظام من كافة الاستحقاقات الدستورية وتبريرًا لعدم وفائه بوعوده الفنكوشية.
  4. تحقق هذه الأحزاب هدفًا بعيد المدى يتمثل في المزيد من الهيمنة وسيطرة أبناء المؤسسة العسكرية وأحفادها على كافة مفاصل الدولة.

نماذج لأحزاب الخلفية العسكرية

بعد يناير يبرز حزب «مصر العروبة» الذي أسسه الفريق سامي عنان رئيس الاركان السابق، ليكون بوابته الرسمية إذا اراد الترشح للرئاسية أو المشاركة في الانتخابات البرلمانية. لم يكن عنان هو الأول؛ فقد سبقه لذلك مراد موافي، رئيس جهاز الاستخبارات السابق في سعيه إلى حزب سياسي، اختفى موافي ولم نجد من حزبه خلًّا وفيًّا يخبرنا بما حدث.

حزب «المصري» وهو للمهندس العميد السابق بالقوات المسلحة سيد الجابري وشهرته «اللواء سيد الجابري» صاحب مشروع قناة طابا العريش، التي تصل البحرين الأبيض بالأحمر، لكنها لم تصل بعد إلى موافقة أصحاب القرار، ويتكون مجلس الحزب «المصري» من قيادات أمنية واستخباراتية سابقة، ويرى الجابري حزبه في هذه الكلمات: «حزب ولد من رحم الشارع، بعد ثورتين غير مسبوقتين في التاريخ هما 25 يناير و30 يونيو، حزب ولد ليبقى، يؤمن ويمارس الديمقراطية بلا «حدود»، وله تصورات تتحول معها مصر إلى دولة عظمى».

حماة مصر.. وحماة الوطن.. وفرسان مصر

مجموعة أخرى من الجنرالات أقامت أحزابًا، منها حزب «حماة مصر» لصاحبه الفريق جلال هريدي مؤسس وحدة الصاعقة بالجيش المصري، والذي ما لبث أن أنجب لنا حزب «حماة الوطن»، بعد خلاف نشب بين هريدي واللواء مدحت الحداد رئيس نقابة العسكريين المتقاعدين. ثم وجدنا اللواء عبد الرافع درويش يخرج لنا بحزب ثالث هو حزب «فرسان مصر».

جنرالات المحروسة أصحاب كرامات تجدهم أنى اتجهت، يصلحون لكافة الأدوار، وزراء، محافظين، مديرين مشرفين، مستشارين وأصحاب شركات كبرى وتوكيلات احتكارية، ونصيحتي لك: «إذا أردت أن تستثمر فكرة أو تحلم حلمًا في أم الدنيا، فعليك بلواء سابق، أو أحد افراد عائلة جنرال حالي، لا تسأله في ذلك عن مقابل، فشرف البزة العسكرية أهم لديهم من حكم مصر، والأهم لديك نجاح المشروع».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد