لم يأخذ الاتفاق الأمريكي الجديد مع إقليم كردستان نصيبه الكافي في الإعلام بالرغم من أهميته بالنسبة للكرد، ومن ناحية الوقت بالنسبة للحكومة العراقية المركزية في بغداد.

أبرم يوم الثلاثاء 12 يوليو (تموز) 2016 اتفاق عسكري في أربيل ستقدم واشنطن بموجبه مساعدات سياسية وعسكرية ومالية تقدر بأكثر من 450 مليون دولار لقوات البيشمركة، وقد تم توقيع الاتفاق بحضور رئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني، إذ وقعه من جانب الإقليم وزير البيشمركة بالوكالة كريم سنجاري فيما وقعه عن الجانب الأمريكي مساعدة وزير الدفاع لشؤون الأمن الدولي أليسا سلوتكين.

إن القوانين العراقية المتعارف عليها تنص على أن أي اتفاق من قبل الإقليم مع أي دولة يجب أن يكون من طريق الحكومة المركزية حصرًا، لكن هذا الاتفاق يعتبر الأول من نوعه في تاريخ كردستان كونه تم بشكل رسمي وبمعزل عن الحكومة المركزية وهذا ما تسبب بصدمة كبيرة لبغداد، جعلت من الصمت عنوانًا عريضًا للموقف، ولم يصدر عن بغداد حتى الآن أي تعليق رسمي على الاتفاق، الذي سيثير حفيظة بعض مسؤولي الحكومة العراقية الرافضين لمثل هذا التعاون المباشر بين الإقليم وواشنطن، والذي يعتبر بنظرهم تمهيدًا لانفصال كردستان عن العراق، الخطوة التي يسعى إليها أكراد العراق منذ عقود.

جاء توقيع الاتفاق عقب إعلان وزير الدفاع الأمريكي أشتون كارتر عزم واشنطن إرسال 560 جنديًا إضافيًا لمساعدة العراق في معركة استعادة الموصل، في إشارة واضحة إلى أن واشنطن ستعتمد بشكل أساسي على قوات البيشمركة الرسمية على حساب القوات العراقية وما تضمه من فصائل مسلحة خارج نطاق القانون والدستور، وأن مفاتيح الموصل سيتم تسليمها لقوات البيشمركة كونها الأكثر ثقة وحرفية بالنسبة للجانب الأمريكي.

لم يكن هذا الاتفاق وليد الصدفة بل إن حكومة إقليم كردستان عملت بصمت وذكاء منذ سنتين لولادة هذا البروتوكول الذي يلزم واشنطن بدعم أربيل لمحاربة الإرهاب، والتعاون المشترك في عملية تحرير الموصل، مركز محافظة نينوى الحدودية مع الإقليم ومعقل تنظيم «داعش» الرئيسي في العراق.

البروتوكول الأمريكي الكردي له أبعاد سياسية مهمة بالنسبة لرئيس الإقليم مسعود بارزاني من ناحية التوقيت كونه مرتبطًا بالوقت ذاته الذي يردد فيه البرزاني نيته لإجراء استفتاء على استقلال الإقليم عن الأراضي العراقية.

أما بالنسبة للبيت الكردي فقد أحرج البروتكول كلًّا من الاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة جلال الطالباني وحركة التغيير برئاسة نشيروان مصطفى، على أن تحالفهم الأخير بمعزل عن الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود البارزاني لا جدوى منه، ولا يحظى بأهمية لدى الجانب الأمريكي والمجتمع الدولي، حتى وإن كانت الأغلبية من نصيبهم.

إن توقيع الاتفاق العسكري بين واشنطن وكردستان، جاء بعد التطورات العسكرية الميدانية الناجحة لقوات البشمركة في حربها ضد تنظيم داعش، وذلك لسعي واشنطن لتحسين صورتها أمام الرأي العام العالمي بإظهار جديتها من خلال دعم الأكفاء الذين يحاربون التنظيم المتطرف بكل حزم، ولكي تبعد واشنطن التهمة عنها التي انتشرت منذ فترة وهي إضعاف تنظيم داعش فقط وليس القضاء عليه كليًا، من أجل استخدامه لمصالح إستراتيجية في منطقة الشرق الأوسط، فاختارت واشنطن التعاون المباشر مع قوات البيشمركة كون هذه القوات لا غبار عليها.

إن توقيع البروتوكول العسكري بين واشنطن وأربيل كفيل بجعل باقي الدول الكبرى تفكر جديًا في التعاون مع أربيل بشكل مباشر دون الحاجة للرجوع إلى بغداد، في الوقت الذي تشهد بغداد توترًا أمنيًا وسياسيًا واقتصاديًا بسبب سياساتها المبنية وفق نظرية المؤامرة.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد