في البداية نوضح ما هي العنصرية؟ هي تفاوت طبقي في المعاملة، وبالتالي حدوث تمييز لطبقة، أو عرق، أو جنس معين، ومن ثم تعامل هذه الفئة الفئات الأخرى باستعلاء، وتحصل على حقوق كاملة لا يحصل عليها الآخرون، وتكون موجودة في الدول التي تتعالى فيها فئة على أخرى، وتحصل على حقوق لا ينالها الغير، مثلما حدث مع الأفارقة في الولايات المتحدة حتى بدايات منتصف القرن العشرين، وفي جنوب أفريقيا حتى نهاية القرن العشرين.

فكانت في المدن أحياء خاصة بالسود لا يحق لهم الدخول لغيرها، ولهم المدارس الخاصة والنوادي والأعمال التي ليس من حقهم أن يتولوها، مهما كانت قدراتهم العلمية والفكرية ليس إلا لأن بشرتهم سمراء، وأن عرقهم أدنى من العرق الأبيض حتى تغير الوضع الآن.

ولكن في الدول الديكتاتورية يحدث أن العسكريين هم الذين يصبحون العرق الأعلى والأحق بكل الخدمات، ولا يحصل عامة الشعب على شيء؛ فليس من حقهم شيء سوى الصمت.

فيجري اختيار الفرد في البداية لينضم للكليات العسكرية من شباب فشلوا في دراستهم، ولم يحصلوا على تقدير مقبول في الشهادة الثانوية، بل لا بد أن يكونوا أولاد عسكريين أو دفع أهله أموال ورشاوى لكي ينضم ابنهم لهذه الكليات العسكرية، ليكون من صفوة الدولة. فيكون هذا سبب بداية الفساد والعنصرية؛ فقد اختير الفرد العسكري من الفاسدين والفاشلين والجهلة.

ثم يبدأ تنمية العنصرية بالعسكري طوال أيامه بالكلية العسكرية، على عدم الاختلاط بأفراد الشعب، وعدم ركوب المواصلات العامة، بل عدم التعامل مع أي أحد على حد قولهم؛ فلا بد أن يكون لهم هالتهم الخاصة. ومن ثم الألقاب التي قد ألغيت بانقلاب 23 يوليو (تموز) 1952 العسكري لا يحصل عليها سوى العسكريين كالباشا أو البيه. الضباط لا يصح أن ينادوا برتبهم العسكرية، وإنما بألقاب البهوية والباشاوية التي كانت وقت الملكية تمييزًا للفاسدين والعنصريين وأصحاب الألقاب المتعالين على الشعب.

ثم يغريه بالأموال والامتيازات والمناصب التي تعليه طبقيًّا عن باقي أفراد الشعب، فبهذا يكون الفرد العسكري أصبح مهيأ لكي يكون عنصريًّا وفاشيًّا ومتعاليًّا على باقي أفراد الشعب، ومتقبلًا لكل الظلم والفساد الذي تفعله الدولة الديكتاتورية ذات الحكم العسكري.

فتجد أن العسكريين تتمادى عنصريتهم بالحصول على النوادي الخاصة بهم، التي لا يحق لأحد الالتحاق بها من أفراد الشعب، وكأنهم عرق أعلى، وتجدهم يحصلون على مستشفيات عسكرية بها خدمات كاملة لا توجد بالمستشفيات الحكومية، التي لا يوجد بها أسرّة نظيفة حتى، ومن ثم يحصلون على خدمات تعليمية أفضل، بل الحصول على النجاح الزائف لمجرد أنهم أبناء لواءات وعسكريين ثم عند التخرج مباشرةً تجدهم يحصلون على رواتب وبدلات لا يحصل على ثُمنها خريجو الطب والهندسة والحقوق إلا بعد عمر طويل، وقد يمر العمر دون أن يحصل عليها. هذا غير الشقق والسيارات التي تدعمها لهم وظائفهم العسكرية. وتجدهم يحصلون على القروض بفائدة أقل من أي أحد من أفراد الشعب، رغم رواتبهم العالية وتدني رواتب أفراد الشعب.

ثم بعد كل هذه الرواتب والامتيازات، لا يدفع العسكري في المواصلات العامة الحكومية، كالقاطرات، ثمن التذكرة مثل باقي أفراد الشعب في وقت ألقى رئيس القطار شابين من القطار وهو يسير بسرعة عالية من أجل سبعين جنيهًا ثمن التذكرة.

ثم بعد انتهاء خدمتهم والحصول على معاشهم التقاعدي، الذي هو بالبديهي أعلى من أي معاش لأي مواطن يحصل على امتيازات أخرى ليس من حقه الحصول عليها، وهي امتلاك قطعة أرض من أراضي الدولة المسيطرة عليها القوات المسلحة، ومن ثم التسهيلات المادية لها أو الحصول على منصب مدني لم يكن له فيه أي علم سابق أو دراسة أو حتى فهم للحياة المدنية، والعمل المدني الذي هو مختلف عن العمل العسكري من حيث الإدارة وتقبل الخلاف والنقاش وغيره، فيحصل على مرتب ومن ثم معاش للمناصب المدنية التي يتولاها غير المعاش العسكري.

ويكون لهم الحق في هذه المناصب وليس لغيرهم، من أجل الاستمرار في تأييد النظام العسكري الحاكم؛ فيتولوا مناصب كمحافظين ووزراء أو مستشارين للوزارات، وهم بعيدون كل البعد عن هذه الممارسات والأعمال المدنية.

فيكونون بهذا طبقة وفئة أعلى من باقي الشعب الكادح، الذي لا يستطيع أن يحصل على قوت يومه، ولا يستطيع أن يضمن حقه أو حتى يعبر عن رأيه، ولا يستطيع ولا يحق له أن يصل لأي منصب مهما بلغت قدرته التعليمية وكفاءته العلمية، ليس إلا أنه ليس ابن عسكري، وما هو إلا مواطن عادي أصبح مواطن درجة ثالثة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد