تعتبر مصر والجزائر قوتين سياسيتين وعسكريتين قاطرتين، تجران خلفهما باقي الدول العربية والإسلامية، تمتلك كلاهما الرغبة في السيطرة على المشهد القاري والإقليمي، ويترابطان في الدماء، فقد شاركت مصر في حرب الرمال دفاعًا عن الجزائر ضد المغرب، الذي أراد آنذاك أخذ تراب الجزائر المستقلة حديثًا، الضعيفة عدة وعتادًا.

ومن المفارقات العجيبة أن حسني مبارك، الرئيس المصري الراحل، كان طيارًا وأسر هو وطائرته بالمغرب، حتى أن السكان آنذاك ربطوا طائرة مبارك بالحبال إلى شجرة، وسجنوه قبل أن يتدخل الحسن الثاني لفك أسره، وقاما بجولة بالطائرة الملكية رغبة من الحسن الثاني في التكفير عما حدث.

تتوالى السنوات، وتشارك الجزائر مصر في الحرب العربية ضد الكيان الصهيوني، مرسلة أبرز أبنائها ومعظم عتادها لنصرة الإخوان ضد العدوان، وكان من بين المشاركين الفريق الراحل أحمد قايد صالح، أما سياسيًا فتكفلت الجزائر بشراء السلاح السوفيتي يومها واهبة إياه لمصر، بعد أن رفض الاتحاد السوفيتي أن يبيعها الأسلحة بعد الضغط الذي مورس عليه من طرف اللوبي الصهيوني.

قصة بمفارقات غريبة تجمع البلدين، من قاهرة المعز لراديو صوت العرب الذي كان صوت ثورة الجزائر من القاهرة، وما زال الشعب يتذكر مقولة «هنا صوت الجزائر المستقلة من قلب القاهرة»، وكانت أول جملة سمعناها وهللنا لخروج صداها من بلد كبلدنا، قاوم كل أشكال العدوان ليحافظ على أرضه وعرضه ودينه ولغته.

أما عن اللغة، (وقد كنت الآن أخط آخر السطور في نهاية هذا الحديث قبل أن أعود هنا لصدر المقال، حيث المكان المناسب لألقي ما تذكرته، فاللغة التي أحدثكم بها الآن وأكتب بها إليكم لم نكن نحن الجزائريين من متقنيها، بحكم الاستعمار الفرنسي الذي مارس سياسة طمس الهوية لدمج الجزائر بفرنسا، وهو ما فشل فيه كما هو معلوم نتيجة للعمل الذي قامت به الزوايا والمدارس القرآنية، وما قام به الإخوان المصريون بعد الاستقلال من إرسال بعثات أساتذة لتدريس الجزائريين.

لكن.. ما حال الجزائر ومصر اليوم؟

سؤال يطرح فيسيل معه الكثير من الحبر، وتكتب لأجله العديد من مقالات الفلسفة والجدل في السياسة، والأمن، والاقتصاد، وعلم الاجتماع.

انتقلت مصر من الحكم الملكي للحكم العسكري الذي دام لعقود طويلة، قبل أن تقوم قائمة شعب ثائر، فخلع حسني مبارك مقيمًا انتخابات كانت الغلبة فيها لصوت الشعب، صوت لم يدم طويلًا، قبل أن يخفت نهائيًا بقوة انقلاب عسكري، تلته أحداث رابعة فاستشهد العديد وجرح الآلاف وانقاد الناس كرهًا لا طوعًا لبيوتهم مخافة تفاقم الأوضاع وإزهاق عدد أكبر من الأرواح، فقد كان جيشًا لا يرحم، وكأنه من بلاد أخرى، ومن جنسيات غير التي يحملها المتظاهرون، لقد لعب الجيش المصري آنذاك دور المرتزقة، عوضًا عن دور حامي المواطن والوطن الموكل إليه.

حكاية تعود بنا لسنوات التسعينات، وأولى حملات التغييرات السياسية التي تدخل العالم العربي من بوابة الجزائر، التي فتحت التعددية الحزبية، وكانت مقبلة على ديمقراطية، كانت تبدو من النظرة الأولى أنها ستقود البلاد لترسو على شاطئ الدول الديمقراطية الحقيقية، فتأسست الأحزاب وفتح الإعلام العمومي للجميع دون إقصاء ودون مقص رقابة، قبل أن يأتي الحزب الإسلامي المحظور حاليًا في الجزائر، «الجبهة الإسلامية للإنقاذ»، التي فازت بالانتخابات التشريعية كما فاز الإخوان بكل شيء في مصر. فما كان للجيش الجزائري إلا التدخل لإيقاف المسار الانتخابي مدخلًا الجزائر حربًا أهلية ضروس، نتيجة تطور الصراع بين قيادة الحزب المنحل، وقيادة الجيش ليدفع الشعب ثمن عناد المعسكرين المتصارعين على السلطة في البلاد، فراح من الضحايا 250 ألف، وفقد مثلهم، أو يزيد.

كان يمكن اجتناب ما حدث، لكن الجزائري معروف في تكوينته الاجتماعية أنه لا يعود للوراء، إما أن يأخذ ما يريد أو ينكسر، وهو ما نشهده حاليًا في زماننا الحاضر من تواصل للمظاهرات السلمية التي تدخل عامها الثاني منادية «لا للحكم العسكري، ونعم للحكم المدني».

في مقاربة تاريخية توفي منذ أيام حسني مبارك، فأقيمت له جنازة عسكرية مهيبة، وفي الجزائر، توفي القايد صالح، فكان له جنازة عسكرية تشابه جنازة هواري بومدين – رحمه الله – إلى حد بعيد. (بالرغم من أن الجزائريين منقسمين فيما بينهم، فهناك من يرى القايد صالح بطلًا، وهناك من يراه معطلًا للمطالب الشعبية ومماطلًا).

أما بوفاة الرئيس المدني مرسي – رحمه الله – فلم يحدث شيء، وعام الجميع في العتمة، من إعلام مرئي وسمعي ومقروء وأقلام حرة إلا قليلًا، فلا زال العسكر سيد القرار، بالرغم من التضحيات الجسام المقدمة في سبيل تمدن البلدان وتطوير السياسات لتتماشى وما يتطلبه العالم اليوم، وفي الجزائر الأمثلة كثيرة على رجال ذوي قامات عظيمة، دفنوا ولم نر لجنازتهم فيديو أو وثائقيًا، ولا أي نوع من الاحترام، ولكم في مصالي الحاج وفرحات عباس عبرة، فالعديد من الجزائريين يجهلون حتى في أية مقبرة دفنوا، بالرغم من كونهم من عرابي الثورة الجزائرية الذين توفوا بعد الاستقلال بسنين طويلة.

هنا يظهر مما لا يدع مجالًا للشك أن الأبطال الحقيقيين يوارون الثرى في غير علم، حتى لا يصنع منهم العامة قدوة، في حين تصدح الحناجر بأسماء بعض من خان الشعب والوطن والأمانة، حتى يزين للعامة أن ما كان مقدمًا عليه هذا الشخص هو الحكمة بعينها، بالرغم من أن العاقل يدرك أنها الخيانة في أبهى حللها.

يطول الحديث وتكثر الأمثلة عن الماضي والحاضر المتشابهين لحد بعيد بين مصر والجزائر، عن قسوة المعيشة ولُؤم الظروف عن معاناة الشعوب وترف الحاكم.

يحز في نفس القاطن بهذين البلدين ما آليا إليه، بالرغم مما يزخران به من موارد طبيعية وبشرية، ولو استُثمر في عقول البشر لكان حال الجزائر ومصر مغايرًا لما هما عليه اليوم، لكن شاءت الأقدار أن يعاني الشعبان من الظلم والذل والهوان، شاءت الأقدار أن تنتهي كل صحوة بغفوة، وكل انتصار بخيبة، وكل إقلاع بارتطام، وكل ركضة بكبوة، لكن لا يمكن لأية قوة فوق الأرض أن تقف في وجه فكرة حان وقتها.

إن حبل الكذب قصير وما طال يومًا، وإن طال فإن الحقيقة لآتية ولو بعد حين. فعندما تركب الكذبة المصعد تأخذ الحقيقة السلالم، لكنها تنتهي بالوصول. سيستفيق الشعب وتنقلب الآية وينتصر الحق على الباطل. فمن ثار أمسُ ضد أُمَمٍ، سيثور اليوم ضد بقايا قُمَمٍ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد