المشهد الاقتصادي المصري منذ إطاحة الجيش المصري بالملك فاروق بتاريخ 23 يوليو عام 1952م، وإنهاء حكم الملكية الممتد لما يقرب من قرن ونصف، وتحكم الجنرالات بكامل الحياة السياسية والاقتصادية، نتج عنه عدد من الأمور التي جعلت مصر التي كانت تحتل أقوى تاسع اقتصاد في العالم عام 1950م، وكانت أكبر بورصة قطن في العالم موجودة بالإسكندرية، وأكبر مصانع الغزل والنسيج بالعالم كانت موجودة بمصر، وكانت القوة الشرائية للجنية المصري أقوى من الجنيه الذهب، والاسترليني، ويعادل أربعة دولارات، رغم الاحتلال الإنجليزي لمصر لما يقرب من 70 عاما.

والمشهد منذ عام 1952م، وحتى عام 2013م، شيء، ومنذ عام 2013م، وحتى الآن شيء آخر؛ فالاقتصاد المصري منذ عام 1952م، وحتى عام 2013م، كان يترنح ما بين المقبول والضعيف، والمترنح والممول ما بين معونات ومساعدات الاتحاد السوفيتي، خلال حقبة الخمسينات والستينات من القرن الماضي، وما بين المساعدات الأمريكية، عقب اتفاقية كامب ديفيد، خلال حقبة السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، وما بين مساعدات الخليج خلال حقبة التسعينات من القرن الماضي والألفية الجديدة.

وخلال الثلاثة أعوام الماضية شهد المصري تحت حكم العسكر بعد انقلاب 3 يوليو 2013م، العديد من الممارسات والسياسات الخاطئة، التي كان لها العديد من التداعيات الخطيرة، ليس فقط على حاضر هذا الاقتصاد، ولكن على مستقبله، وفي هذا الملف نرصد أهم ملامح هذه السياسات، وتلك التداعيات:

أولاً: التفريط في ثروة مصر من الغاز الطبيعي

تشير النشرة المعلوماتية للجهاز للتعبئة العامة والإحصاء عن نوفمبر 2015م، إلى أن إنتاج مصر من الغاز الطبيعي في سبتمبر 2014م نحو 3011 ألف طن، وتراجع في سبتمبر 2015م إلى 2686 ألف طن، أي أن قيمة التراجع بلغت 325 ألف طن خلال فترة المقارنة، وبنسبة تراجع بلغت 10.7%.

أما عن وضع الاستهلاك في مصر من الغاز الطبيعي فتشير نفس النشرة أيضًا إلى أن الاستهلاك بلغ في سبتمبر 2014م نحو 2962 ألف طن وارتفع في سبتمبر 2015 إلى 3071 ألف طن، أي أن الاستهلاك زاد بنحو 109 ألف طن، وبنسبة زيادة تصل إلى 3.6%.

والقراءة الأولية للفارق بين كميات الإنتاج والاستهلاك للغاز الطبيعي بمصر، قد لا توحي بوجود مشكلة كبيرة، ولكن الحقيقة التي تظهر حجم المشكلة في مصر، أن هذه الكميات المنتجة من الغاز الطبيعي بمصر، تواجه تحديين هما، حصة الشريك الأجنبي، والتي تصل إلى نحو 40%، وكذلك التزامات مصر السابقة بعقود تصدير لعقود طويلة الأجل، وهذان الأمران يمنعان مصر بشكل كبير من التمتع بحصتها من إنتاج الغاز على الرغم من ضآلة حجم الإنتاج مما يُلجئها لاستيراد الغاز الطبيعي.

حكم التعويض لصالح إسرائيل

بعد صدور حكم التحكيم حول توقف تصدير الغاز الطبيعي المصري لإسرائيل في فبراير 2012م، بنحو 1.7 مليار دولار، نجد أنه من المناسب تناول الأمر من عدة وجوه، وبخاصة أن هناك رواية مصرية تظهر حكم التحكيم كأنه والعدم سواء.

حيث تعتمد الرواية المصرية، على أن محكمة التحكيم في جنيف ليست معنية بالتحكيم في العقد محل النزاع، وأن المعني بهذا التحكيم حسب نصوص العقد، هو مركز التحكيم التجاري بالقاهرة، وأن إيقاف تصدير الغاز من قبل مصر لإسرائيل أتى في إطار تجاري بحت بعيدًا عن أية تداعيات سياسية، حيث إن قرار إيقاف تصدير الغاز المصري صدر خلال فترة المرحلة الانتقالية الأولى التي أدارها المجلس العسكري.

وأن سبب إيقاف تصدير الغاز، هو عدم وفاء شركة شرق المتوسط بالتزاماتها المالية، مما أعطى مصر الحق في اتخاذ قرار إيقاف تصدير الغاز.

ووفق هذا الرواية المصرية يتخوف من أن يكون الأمر بمثابة تهيئة للرأي العام، لقبول خطوة استيراد الغاز الطبيعي من إسرائيل، والذي سيبدأ بعد أربع سنوات من الآن، بواقع 9 دولار للمليون وحدة حرارية، في حين أن مصر كانت تصدر الغاز لإسرائيل بسعر يتراوح بين 1.25 – 2.5 دولار للمليون وحدة حرارية.

الأمر الثاني أنه في حالة قبول الطعن، سيظهر هذا الأمر السيسي على أنه بطل، وأنه استطاع أن يحقق انتصارا على إسرائيل.

أما إذا كان الأمر سينتهي إلى تثيبت حكم التحكيم، وتعويض إسرائيل بـ 1.7 مليار دولار، فإن التبعات الاقتصادية ستكون وخيمة على مصر، وبخاصة في ظل الأزمة التمويلية التي تعاني منها حاليًا، فدفع التعويض يعني تحمل الموازنة العامة 15 مليار جنيه مصر، أي نحو ثلث مخصصات الإنفاق العام على قطاع الصحة.

صفقة إسرائيل

إن كان شهر نوفمبر الماضي قد شهد الإعلان عن بدء التوقيع على مذكرة تفاهم بين شركة دولفنيوس الخاصة المصرية ومالكي حقل «لوثيان» الذي تسيطر عليه إسرائيل على شواطئ فلسطين المحتلة، فإن أزمة الطاقة عكست حرص الحكومة المصرية على التطبيع مع إسرائيل.

فبعد أن كانت مصر تصدر الغاز الطبيعي لإسرائيل منذ منتصف التسعينيات، أصبحت مصر هي من سيستورد الغاز في عام 2019/2020، بواقع 4 مليارات مكعب من الغاز سنويًا، ولفترة تمتد من 10 – 15 سنة.

وحسب ما نشر عبر وسائل الإعلام من أن الحكومة المصرية ليست طرفًا في هذه الصفقة، وأنها لا تمانع في استيراد الغاز من أية دولة بالعالم، بما فيها إسرائيل، إلا أن تجربة التسعينات تعكس خبرة مصرية في الالتفاف على الرأي العام وعلى البرلمان.

حيث ينص الدستور المصري على أن تُعرض الاتفاقيات الدولية قبل بدء العمل بها على البرلمان ليوافق عليها، ولكن الحكومة تخرج من هذه الإشكالية لتحيل العلاقة في شأن استيراد الغاز إلى شركة قطاع خاص.

وعلى الرغم من ضلوع الحكومة المصرية في تصدير الغاز الطبيعي للكيان لإسرائيل في التسعينيات عبر شركة شرق المتوسط المملوكة لرجل المخابرات السابق حسين سالم، فإن هذه العقود ظلت بعيدة عن البرلمان المصري، ولم يمارس بحقها دوره الرقابي، رغم إصرار المعارضة قبل ثورة 25 ينار على منع هذه الاتفاقية لاعتبارات قومية واقتصادية.

وثمة إشكالية قانونية أخرى ستكون عقبة أمام صفقة استيراد مصر للغاز من إسرائيل، وهي الخاصة بموقع الغاز الطبيعي بالبحر المتوسط، حيث تم توقيع اتفاقية بهذا الشأن بين مصر وقبرص والكيان الصهيوني، رسمت حدود مصر خارج منطقة حقل الغاز.

ولكن تبقى هذه الاتفاقية دون تفعيل، حتى يصدق عليها البرلمان، ولكن في ضوء طبيعة البرلمان المصري الذي انتخب أعضاؤه مؤخرًا، يمكن تمرير هذه الاتفاقية، وإن كانت ستحمل بين طياتها خسائر اقتصادية وأمنية كبيرة لمصر، ويُعد تمرير التوقيع على هذه الاتفاقية إبان فترة الرئيس المؤقت لمصر عدلي منصور، نوع من التسويق الدولي للانقلاب العسكري بمصر، عقب انقلاب 3 يوليو 2015م.

وكما فعلت مصر في التسعينيات بتصدير رجل الأعمال حسين سالم عبر شركة شرق المتوسط، يحدث هذه المرة نفس الفعل، حيث تصدر شركة دولفتيوس القابضة المصرية، المملوكة لمجموعة من رجال الأعمال، على رأسهم علاء عرفة، وهو رجل أعمال في مجال النسيج وأحد المستفيدين من اتفاقية الكويز التي تعمل على توطيد التطبيع مع إسرائيل.

والجدير بالذكر أن علاء عرفة هو نجل رجل الأعمال الراحل أحمد عرفة، وهو جنرال سابق في القوات المسلحة، وكان من المقربين من حسني مبارك. أي أن السلطة حريصة على إيجاد رجال أعمال يعملون في إطار مخططاتها.

 أزمة المستقبل

هناك إصرار مصري على غياب وجود استراتيجية قومية فعلية في مجال الطاقة، حيث تتم معالجة قضية الطاقة في إطار وقتي، مثل إتاحة تمويل للهيئة العامة للبترول لسداد مديونيتها للشركات الأجنبية، لينخفض من نحو 6 مليارات دولار إلى 2.7 مليار بنهاية عام 2015م، وذلك وفق البرنامج الحكومي، ولكن سداد هذه المديونية أتى من خلال تحويل المديونية من استحقاق للشركات الأجنبية إلى استحقاق لبنوك محلية مصرية.

كما تقوم الحكومة بالاستيراد من خلال تسهيلات ائتمانية من الحلفاء الخليجيين، أو من خلال التوسع في الدين الخارجي، وتناست الحكومة ما ساقته خلال أغسطس الماضي من اكتشافها لبئر غاز ضخم على سواحل البحر المتوسط من خلال شركة ايطالية.

إن استهلاك مصر من الطاقة يتزايد بنسبة 3% سنويًا، وفي ظل تراجع الإنتاج وزيادة الاستهلاك، ترشح هذه التقديرات للزيادة، في ظل أزمة تمويلية، يتوقع لها أن تستمر على الأقل في الأجل المتوسط.

فصفقة الغاز بين مصر وإسرائيل، التي يتوقع لها أن تدخل حيز التنفيذ بعد أربع سنوات، سيتم بموجبها السماح للقطاع الخاص للعمل في استيراد الغاز الطبيعي لنفسه، أو تسويقه للغير، وبذلك ترتفع تكاليف الإنتاج بشكل كبير في مصر، لتضيف عقبة جديدة أمام الصناعة والاستثمار، فوجود الحكومة في وظيفة مستورد الطاقة من شأنه أن يقلل تكلفة الإنتاج بهامش الربح الذي يضيفه القطاع الخاص.

ثانيًا: فشل سياسات العسكر في إنقاذ الجنيه المصري

ترك مبارك الحكم في فبراير 2011م، وقد بلغ سعر صرف الدولار 5.88 جنيه، وهو ما يعني انخفاض الجنيه في عهد مبارك بنحو 508 قرشا، بنسبة انخفاض 635%. ثم جاء المجلس العسكري بعد ثورة 25 يناير 2011م ليبدأ مرحلة استنزاف الاحتياطي من النقد الأجنبي، الذي كان يقدر بنحو 35 مليار دولار ليهبط مع نهاية حكم المجلس العسكري إلى 14.4 مليار دولار باستنزاف 20.6 مليار دولار.

حيث أضر محافظ البنك المركزي الأسبق فاروق العقدة بحق الوطن والمواطن من خلال حرصه على الحفاظ على سعر صرف الجنيه، دون أي اعتبار لقوى العرض والطلب، فلم ينخفض الجنيه سوي بنسبة 3% من قيمته بما يوازي 18 قرشا ليصل من 5.88 جنيها إلى 6.06 جنيها فاتحا الباب علي مصراعيه للصوص والمفسدين بتحويل أموالهم للخارج بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وهو ما مثل استنزافا للاحتياطي النقدي بالبنك المركزي بفعل الدعم الضمني في سعر الصرف الذي حصل عليه هؤلاء المفسدون بالفرق بين سعر الصرف الحقيقي وسعره المعلن من قبل البنك المركزي.

ثم جاء الرئيس محمد مرسي كأول رئيس مدني منتخب، واستلم مهامه في 30 يونيو 2012م، وكان سعر صرف الدولار 6.06 جنيها، وتم الانقلاب عليه في 3 يوليو 2013م، وقد بلغ سعر صرف الدولار 6.40 جنيها و 7.03 جنيها، بالسوق السوداء بانخفاض للجنيه 97 قرشا، وقد شهدت تلك الحقبة تآمرا واضحا بيد العسكر ودولتهم العميقة ومن استخدموهم لتحقيق مآربهم الرخيصة بإفشال مرسى بالحكم.

ومع مجيء عهد الانقلاب ليدير العسكر البلاد مرة أخرى من خلال الرئيس المؤقت عدلي منصور من 3 يوليو 2013م حتى يونيو 2014م لينخفض الجنيه المصري بنسبة 1.8% بمبلغ 12 قرشا، حيث وصل سعر صرف الدولار إلى 7.15 جنيه.

ثم جاء قائد الجيش الذي قاد الانقلاب على حكم الدكتور مرسى الجنرال عبد الفتاح السيسي ليتولي حكم البلاد، ومن وقتها والجنيه المصري يشهد انخفاضا مستمرا، رغم الدعم الخليجي الذي تجاوز 50 مليار دولار، والذي لم يعرف طريقه بشفافية إلى موارد الدولة الدولارية، وقد غلب على تلك الفترة، حتى يومنا هذا، غياب الاستقلالية للبنك المركزي، وغلبة القرارات العسكرية للحيلولة، دون انهيار الجنيه المصري.

فمع وصول سعر صرف الدولار الرسمي مع يناير 2015م إلى 7.59 جنيها، وضع البنك المركزي حد أقصى للودائع المصرفية الدولاية قدره 10 ألاف دولار يوميًا، وبما لا يزيد عن 50 ألف دولار في الشهر.

وقد حجمت تلك القيود من زيادة سعر الجنيه مقابل الدولار نوعا ما، ولكن لم يستمر الأمر طويلا فقد قام البنك المركزي بتخفيض قيمة الجنيه في عطائه الدولاري يوم الخميس 2 يوليو 2015م عشرة قروش، ثم يوم الأحد 5 يوليو 2015م بعشرة قروش أخرى، ليقفز السعر إلى 7.83 جنيه، ثم استمر التخفيض في 18 أكتوبر بعشرة قروش إضافية ليرتفع الدولار إلى 7.93 جنيه بالبنك المركزي، وإلى8.03 جنيه بالبنوك مقابل 7.93 جنيه قبل ذلك التاريخ.

وقفز سعر الدولار إلى8.40 جنيه بالسوق الموازية، واستمر في ارتفاعه حتى اقترب من التسعة جنيهات، وهو ما يعني انخفاض الجنيه المصري في السوق الرسمية بقيمة جنيه واحد، ونسبة انخفاض 14.2% منذ بداية الانقلاب، وفي السوق الموازية تجاوزت النسبة 20%.

وبعد إقالة محافظ البنك المركزي هشام رامز، وتعيين طارق عامر خلفا له قام البنك المركزي يوم 11 نوفمبر 2015م، بزيادة سعر الجنيه بعشرين قرشا، مقابل الدولار. وقد حملت هذه الزيادة علامات تعجب؛ فالواقع لا يؤيده والبيانات الاقتصادية ترفض تبريره، خاصة وأنه يمثل تبديدا لموارد مصر الدولارية.

ولم يكن ذلك سوى فرقعة إعلامية، وحرب نفسية، ونوع من المقامرة، ومحاولة يائسة لإرباك المتعاملين بسوق الصرف الموازية، والحيلولة دون الدولرة بتحويل أصحاب الأموال ما بحوزتهم من جنيهات إلى دولارات، وقد بدت النقطة الأخيرة واضحة في اتجاه البنوك المصرية بطرح شهادات ادخار بالجنيه المصري لمدة ثلاث سنوات بعائد 12.5% سنويا؛ للحيلولة دون الدولرة، والضغط على الجنيه المصري.

معالجة العرض وإهمال السبب

الحكومة الانقلابية حكومة ذات حول تنموي، فهي تترك أسباب المرض وتلقي بوجهها نحو أعراضه، وذلك باعتمادها على السياسة النقدية وحدها لعلاج مشكلة ارتفاع سعر صرف الدولار.

فانخفاض الموارد الدولارية نتاج طبيعي لانخفاض مصادرها، من صادرات وسياحة وإيرادات قناة السويس والاستثمار الأجنبي المباشر وتحويلات المصريين العاملين بالخارج، فضلا عن تحميل الاقتصاد بفاتورة التسليح التي تعدت 10 مليار دولار.

وفاتورة المشروعات قليلة العائد باهظة التكاليف، وفي مقدمتها تفريعة قناة السويس الجديدة التي تجاوزت مصاريف التكريك الخاصة بها 2.2 مليار دولار، وما ترتب عليها من سداد التزامات هيئة قناة السويس للأجانب، والتي لجأت فيها إلى الاعتماد على القروض المشتركة من البنوك، وقد وصلت تلك القروض خلال الشهرين الماضيين فقط 1.3 مليار دولار، وهو الأمر الذي يزيد من أعباء الهيئات الحكومية المقترضة والبنوك الحكومية المساهمة في تلك القروض على السواء.

والواقع يكشف أن الصادرات السلعية حققت أعلى ارتفاع لها في عهد الرئيس محمد مرسي في العام المالي 2012/2013 بقيمة 27 مليار دولار، مقابل واردات 57.7 مليار دولار، وانخفض عجز الميزان التجاري إلى 30.7 مليار دولار، بانخفاض 4.3 مليار دولار بمعدل 11.1% عنه في حكم المجلس العسكري حيث بلغ عجز الميزان التجاري 34.1 مليار دولار بصادرات 25.1 مليار دولار مقابل واردات 59.2 مليار دولار.

ومع الانقلاب العسكري عاود العجز في الميزان التجاري للارتفاع مرة أخرى ليصل في العام المالي 2013/2014 إلى 33 مليار دولار، كما وصل إلى نحو 38.8 مليار دولار في العام 2014/2015 حيث ارتفع العجز فى الميزان التجاري بنحو 4.7 مليار دولار بمعدل 13.9%، وذلك لتراجع حصيلة الصادرات السلعية بمعدل 15.5% لتقتصر على 22.1 مليار دولار.

كما استمر انخفاض الصادرات غير البترولية في أول تسعة أشهر من العام 2015 بنسبة 19.3%، وهذا نتاج طبيعي لعدم قدرة الشركات على استيراد متطلباتها اللازمة للإنتاج، ومن ثم التصدير خاصة، وأن الصادرات المصرية تعتمد بنحو 70% من مكوناتها على الاستيراد من الخارج.

وتشير بعض التقديرات إلى خروج استثمارات من مصر تقدر بنحو 13 مليار دولار خلال العامين الماضيين في الوقت الذي يكاد يقتصر الاستثمار الداخل على قطاع البترول.

وإذا أخذنا في الاعتبار الإيرادات السياحية منذ حكم المجلس العسكري فإن البيانات الرسمية تظهر أنها بلغت 9.4 مليار دولار في العام 2011/2012 (حكم المجلس العسكري) لتحقق أعلى ارتفاع لها (في عهد الرئيس مرسي) بمبلغ 9.8 مليار دولار في العام 2012/2013، ثم تحقق انخفاضا مع الانقلاب العسكري في العام 2013/2014 لتصل إلى 5.1 مليار دولار، ثم 7.4 مليار دولار في العام 2014/2015، أما اليوم فالسياحة في أسوأ حالتها على الإطلاق بعد سقوط الطائرة الروسية.

أما إيرادات قناة السويس فقد أظهرت بيانات هيئة قناة السويس أنها بلغت 5.2 مليار دولار في العام 2011/2012 ، ثم 5 مليار دولار في العام 2012/2013، ثم شهدت ثباتا لها عند مبلغ 5.4 مليار دولار في العام 2013/2014 والعام 2014/2015 ، ولكنها شهدت انخفاضا منذ إنشاء تفريعة قناة السويس الجديدة رغم إدعاء السيسي بأنها غطت ما جمع لها من أموال.

فقد انخفضت ايرادتها بمبلغ 47.9 مليون دولار ونسبة 9.4% في شهر أغسطس الماضي مقارنة بشهر أغسطس للعام السابق، واستمر الانخفاض للمرة الثانية في شهر سبتمبر من العام الحالي، لتصل الإيرادات إلى 448.8 مليون دولار، مقابل 462.1 مليون دولار في أغسطس بفارق 13.3 مليون دولار بنسبة انخفاض3%، ثم استمر الانخفاض للمرة الثالثة على التوالي في شهر أكتوبر من العام الحالي لتصل الإيرادات إلى 449.2 مليون دولار مقابل 482.3 مليون دولار بفارق 33.1 مليون دولار ونسبة انخفاض 7.4% عن نفس الشهر من العام الماضي وإن حققت زيادة طفيفة عن الشهر السابق قدرها 400 ألف دولار. أما إيرادات العاملين بالخارج فقد شهدت تراجعا بنسبة 8.9% خلال العام الحالي.

ثالثًا: إطلاق مشروعات وهمية لا تتوافق والأوضاع الاقتصادية

أعلن نظام عبد الفتاح السيسي عدداً من المشاريع العملاقة في مصر، خلال الفترة التي تلت انقلاب 3 يوليو/تموز عام 2013م الذي أطاح بالرئيس المنتخب الدكتور محمد مرسي، أبرزها بناء مليون وحدة سكنية لذوي الدخل المحدود، والعاصمة الإدارية، واستصلاح 1.5 مليون فدان، والشبكة القومية للطرق، ومثلث التعدين الذهبي، وتفريعة قناة السويس الجديدة، واكتشاف حقل الغاز العملاق في البحر المتوسط، إلا أن هذه المشاريع السبعة تحولت إلى مشاريع وهمية، ما دفع إلى تفاقم الأزمات المعيشية بشكل ملحوظ بعد أن تخلى النظام عن وعوده الوهمية، وتوقفت كل المشروعات التي أعلن عنها.

1 – المليون شقة وكان أول المشروعات العملاقة التي بدأ النظام العسكري بالإعلان عنها هو مشروع بناء مليون وحدة سكنية وتحديداً في شهر مايو/أيار من عام 2014م، قبل الانتخابات الرئاسية، عبر وزير الدفاع آنذاك عبد الفتاح السيسي، الذي كشف عن الاتفاق مع شركة آرابتك الإماراتية لبناء مليون وحدة سكنية لمحدودي الدخل خلال خمس سنوات مقابل 280 مليار جنيه (40 مليار دولار، حسب سعر الصرف آنذاك)، ولم تمر سوى ثلاثة أشهر، حتى قالت وزارة الإسكان المصرية إنها تسلّمت الملف بدلاً من الجيش.

وكان مقررًا تسليم المرحلة الأولى من المشروع بداية العام الجاري، إلا أن الخلافات تصاعدت بين الشركة والحكومة حول مصادر تمويل المشروع، بالإضافة إلى الوضع المالي المتأزم لشركة آرابتك، حيث تعرضت لخسائر وتغيرات إدارية خلال الفترة الماضية، ما عرقل تنفيذ المشروع.

ودخلت المليون وحدة سكنية في طي النسيان، قبل أن يعلن المسئولون عن نهاية هذا المشروع وفشله تمامًا، واكتفوا بمناورات كلامية بأن وزارة الإسكان ستتولى المشروع، ولكن سيتحول إلى إسكان متوسط تتجاوز فيه سعر الوحدة 300 ألف جنيه (الدولار = 7.83 جنيه)، أي أن أحلام الشباب ومحدودي الدخل في الحصول على وحدة سكنية بأسعار مناسبة انتهت لتواصل أزمة الإسكان تفاقمها. (فيديو: تصريحات السيسي عن بناء مليون شقة)

2 – العاصمة الإدارية أما المشروع الثاني في سلسلة أبرز المشاريع العملاقة للنظام العسكري، فهو ما أعلن عنه في مؤتمر شرم الشيخ (شمال شرق)، مارس/ آذار الماضي، ببناء العاصمة الإدارية على مساحة 60 كيلومتراً في طريق القاهرة/ السويس الصحراوي، وبكلفة تتجاوز 90 مليار دولار.

وتم الإعلان وقتها عن تولي شركة إعمار الإماراتية تنفيذ المشروع، إلا أن الشركة نفت في تصريحات لاحقة مشاركتها في المشروع. ولكن مجلس إدارة شركة إعمار، عاد وأعلن عن تأسيس شركة كابيتال سيتي بارك لتنفيذ المشروع، ثم تواصل الغموض حوله، حتى أعلن السيسي أن الموازنة لا تتحمّل بناء العاصمة الإدارية، واستمر تضارب التصريحات حتى الآن وتعرض المشروع للموت الإكلينيكي.

3 – شبكة طرق، وأما ثالث المشاريع الوهمية التي أعلن عنها السيسي، فكان إنشاء الشبكة القومية للطرق خلال عام واحد، حسب تصريحاته بعد توليه الرئاسة مباشرة العام الماضي، حيث قال: «إنني قادر على بناء شبكة طرق تمسك مصر كده، مشيرًا إلى قبضة يده، وأنا قادر على توفير التمويل اللازم».

ومر أكثر من عام، ولم تنفذ حكومة الانقلاب أية مشاريع طرق تذكر، بل تواصل تدهور البنية التحتية، وظهر ذلك في الأمطار التي أغرقت الإسكندرية والبحيرة والجيزة والعديد من المحافظات، وأدت إلى غرق قرى بأكملها وانهيار العديد من الطرق والكباري.

وكانت أبرز العقبات أمام تنفيذ هذا المشروع وغيره الأزمة المالية الطاحنة التي تمر بها البلاد، وبلغ عجز الموازنة العام المالي الماضي نحو 254 مليار جنيه، رغم المنح والمساعدات الخليجية التي زادت عن 40 مليار دولار (نحو 310 مليارات جنيه).

4- استصلاح 1.5 مليون فدان وتمثل المشروع الرابع في إعلان السيسي منذ نحو عام عن إطلاق مشروع استصلاح مليون فدان، إلا أنه تراجع متحججًا بعدم توافر التمويل، ثم أعلن مرة أخرى مؤخرًا عن إطلاق المشروع المستهدف بعد توسيعه إلى 1.5 مليون فدان خلال الأيام المقبلة، ما أثار دهشة خبراء الري الذين أكدوا أن مصر تعاني عجزًا مائيًا لزراعة المساحات الحالية، وبالتالي يصعب توفير مياه لاستصلاح المساحة الضخمة، وأشاروا إلى أن مصر مقبلة على أيام صعبة، في ظل تطورات بناء سد النهضة الذي وقع السيسي على اتفاقية أعطت الحق لأثيوبيا لاستكمال بنائه، وبالفعل بدأت إثيوبيا في تحويل مجرى النيل إلى ممرات بالسد الجديد، ولم تعط مصر أية ضمانات خاصة بحصة القاهرة المائية والبالغة نحو 54 مليار متر مكعب.

5- مثلث التعدين، أما المشروع الوهمي الخامس، فهو مثلث التعدين الذهبي في صحراء مصر الشرقية الممتد من منطقة إدفو، جنوب محافظة قنا، إلى مرسى علم، على ساحل البحر الأحمر شرقًا، إلى منطقة سفاجا شمالًا، الذي شهد إهمالًا ملحوظًا من حكومة الببلاوي، بل إن مشروع منجم ذهب السكري أحاطه الغموض، ولا سيما في ظل تضارب التقارير وغموض المعلومات حول الكميات المنتجة والمصدرة.

6 – حقل الغاز العملاق أعلنت الحكومة المصرية، في شهر أغسطس/آب الماضي أن شركة إيني الإيطالية حققت واحدًا من أكبر اكتشافات الغاز الطبيعي في العالم؛ وذلك بالمياه الإقليمية المصرية في البحر المتوسط، وتكهنت، أنه سيساعد في تلبية احتياجات مصر من الغاز لعقود مقبلة. وبحسب الشركة في بيان صحافي آنذاك، فإن الكشف الجديد يتضمن احتياطيات أصلية تقدر بنحو 30 تريليون قدم مكعبة من الغاز الطبيعي، وهو ما يعني أن الاحتياطيات تعادل حوالي 5.5 مليارات برميل من المكافئ النفطي، ويغطي مساحة تصل إلى 100 كيلومتر مربع. والكشف، الذي أطلق عليه اسم «الشروق»، يعد أكبر كشف غازي يتحقق في مصر وفي مياه البحر المتوسط، وقد يصبح من أكبر الاكتشافات الغازية على مستوى العالم، بحسب الشركة الإيطالية.

ووفقاً لإيني، فإن عملية تنمية الكشف الغازي ستستغرق حوالي 4 سنوات، ليسهم بشكل كبير في تلبية احتياجات الاستهلاك المحلي من الغاز الطبيعي. والمثير للانتباه أنه في الوقت الذي أعلنت فيه مصر هذا الاكتشاف ذهبت لتفاوض الاحتلال «الإسرائيلي» بشأن استيراد كميات من الغاز الطبيعي المُنتج من حقل «تمار» الواقع شرق البحر المتوسط، لصالح محطة الإسالة في محافظة دمياط، وذلك لمدة 15 عاماً، وهو مايثير تساؤلات حول حقيقة ما ادّعوه من أن حقل الغاز المكتشف هو أكبر كشف غاز في المنطقة.

– قناة السويس وكانت تفريعة قناة السويس الجديدة من أبرز المشاريع التي تبناها النظام الحالي، وأعلن أنها ستدر أكثر من 100 مليار دولار، حسب تقارير بالإعلام الرسمي، وتم جمع كلفة مرحلتها الأولى التي تبلغ 64 مليار جنيه (8.5 مليارات دولار)، عبر شهادات استثمار للشركات والمواطنين. وحسب خبراء، يشوب الغموض المشروع الذي لم تعد له دراسة جدوى، وتوقعوا أن يلقى مصير مشروع توشكي الوهمي الذي تبناه الرئيس المخلوع حسني مبارك الذي أطاحت به ثورة 25 يناير ، 2011م، بل كانت المفاجأة بتراجع إيرادات القناة في الشهور التي أعقبت الافتتاح في شهر أغسطس/آب الماضي.

رابعًا: الأمن القومي المائي وسد النهضة

بعدما دخل سد النهضة مرحلة التشغيل يتوقع أن يحجز هذا السد العملاق نحو70 مليار م3 من مياه النيل الأزرق. ويعتبر النيل الأزرق الرافد الرئيس لنهر النيل. فهو يمد النيل بنحو 86% من مياهه، أى ما يعادل نحو 72 مليار م3.

ويمكن تصور حجم الضرر إذا أخذنا فى الإعتبار أن كمية المياه الواردة لمصر والسودان تبلغ نحو 84 مليار م3. وبمعنى آخر، ملء خزان السد بالمياه يمكن أن يحرم مصر والسودان عاما كاملًا من مياه النيل الأزرق أو على أقل تقدير سيؤدي إلى استهلاك نحو ثلثي المخزون الاستراتيجي فى بحيرة ناصر.

ويتوقع أن يؤدي انخفاض منسوب النيل إلى تأثر توربينات السد العالى، وبالتالي تفاقم أزمة الطاقة التي تضرب البلاد.

وثمة توقعات بأن تقل نسبة الطاقة المتولدة من توربينات السد العالى بنسبة 37%؛ بسبب انحسار منسوب النهر وتذبذب معدل جريانه. هذا إلى جانب تأثر الثروة السمكية والملاحة النيلية، وما يتعلق بها من سياحة وتجارة داخلية.

ومما يزيد الأمر سوءً أن مصر دخلت بالفعل مرحلة الفقر المائي، حيث يقل نصيب المصري من المياه (630 م3) عن المعدلات الدولية، وهي 1000 م3 سنويًا. أضف إلى ذلك أن هناك حاجة ملحة لاستصلاح ملايين الأفدنة؛ لاستيعاب الزيادة السكانية المتفجرة، وسد فجوة الغذاء التي تستنزف العملة الصعبة.

فمصر الأولى عالميًا في استيراد القمح على مدار عقود، بالإضافة إلى استيراد اللحوم والألبان والزيوت والسكر والشاي. ويتوقع أن يصل العجز المائي في مصر إلى 80% بحلول عام 2030م.

مخاطر انهيار السد

والأسوأ من حجز مياه النيل هو مخاطر تعرض السد للتصدع والانهيار مما يؤدي إلى غرق بلاد النيل في مياهه وطمرها تحت طميه، كما حدث في حوادث مشابهة. فبخلاف السد العالي، تم بناء سد النهضة من الكتل الخراسانية مما يعرضها إلى خطر التصدع والانهيار بسبب الهزات الأرضية. فكما المنشآت العملاقة الأخرى، تتعرض السدود إلى مخاطر التصدع والانهيار؛ بسبب الزلازل أو ضغط الطمي المتراكم أمام السد أو الاندفاع الشديد للمياه؛ نتيجة الفيضانات العارمة أو الانهيارات الجبلبة أو تسرب المياه في بنية السد، والمنطقة الحاضنة لهن مما يؤدى الى انجراف التربة وما عليها.

هذا بالإضافة إلى مخاطر وجود عيوب في التصميم والتنفيذ والارتفاع المبالغ فيه. فسرعة اندفاع مياه النيل الأزرق تزيد فى بعض الأحيان على نصف مليار متر مكعب يوميا، وبارتفاع يصل أحيانًا إلى 600 م.

ومما يعزز المخاوف من انهيار السد هو تضارب المعلومات حول سعته ( كانت 18 مليار م3 في البداية) وارتفاعه وضعف الدراسات الجيولوجية والفنية له. أضف إلى ذلك، عدم وجود ضمانات أمان، وشيوع فشل المشروعات التنموية في أثيوبيا، علاوة على تجارب العالم القاسية من كوارث عظيمة من جراء انهيار السدود.

فقديمًا، انهار سد مأرب في اليمن، مما سبب هجرة معظم سكانها وتشتتهم بين شعوب المنطقة. وبالمثل، انهار سد مقاطعة هنان Henan فى الصين عام 1975م مما أسفر عن مقتل 171 ألف شخص، وتدمير 11 مليون منزل. كما انهار سد تيتون Teton بولاية أيداهو الأمريكية عام 1976م أثناء عملية ملء الخزان. وحديثًا، انهار سد قرب جاكارتا في مارس 2009م، مما تسبب في مقتل 67 شخصًا. وفي نفس الشهر من نفس العام قتل 50 شخصًا من جراء انهيار سد في أندونيسيا. وأحدث كارثة هي انهيار سد أليو في الهند في 12 يناير من العام الماضي أثناء اختباره للمرة الأولى.

حلول متأخرة وصعبة

ثمة عدد من الخيارات أمام حكومتي مصر والسودان للتعامل مع الأزمة: الخيار الأول هو خيار المفاوضات والاتفاق مع الجانب الأثيوبى على ضمان حقوق مصر والسودان التاريخية في النيل، والإشراف المشترك على التصميم والتنفيذ والصيانة، والتحقق من شروط الأمان وضمان عدم تذبذب جريان النهر، والبحث في مشروعات لحصاد المياه تعوض الفاقد نتيجة بخر المياه وتسربها فى الأرض أمام السد. وهذا المقترح بعض أجزائه فاتها الزمن، ولم يعد يصلح مثل الإشراف المشترك في التصميم والتنفيذ، فالسد الآن في مرحلة تجاوزت ذلك، وذلك في حيز التشغيل.

وبمعنى آخر، يجب الاتفاق على التحكم فى معدل جريان المياه، بحيث تضمن عدم تأثر احتياجات الزراعة والملاحة فى نهر النيل أو توقف توربينات سدود مصر والسودان، وذلك بالاعتماد على المخزون الاستراتيجي في بحيرة ناصر.

وبذلك يصبح مخزون بحيرة سد النهضة مكملًا لمخزون بحيرة ناصر، مع الأخذ في الاعتبار فقدان نسبة كبيرة من المياه نتيجة البخر والتسرب فى طبقات الأرض أمام سد النهضة. ومن شروط الأمان المقترحة تصغير حجم السد أو الاستبدال به عددا من السدود الصغيرة، بحيث لو انهار أحدها تكون أضراره محدودة. ويفضل أن تكون الاتفاقية موثقة ومضمونة دوليًا، ومتضمنة شروطا جزائية محددة، وهذا المقترح كذلك لم يعد ممكنًا، فسد النهضة اكتمل بناؤه.

كما يمكن للجانب الأثيوبى عرض بعض المقترحات لمشروعات حصاد المياه في أعالي النيل الأزرق لتعويض الفاقد الناتج عن البخر أمام السد وتسرب المياه في طبقات الأرض.

وفي المقابل، يمكن عرض حزمة من الحوافز على الجانب الأثيوبي والسوداني تشمل تكاملًا اقتصاديًا أوسع يتضمن اتفاقات للتبادل التجاري بين الدول الثلاثة، وربط شبكات الطرق والسكك حديد وشبكات الكهرباء. فأثيوبيا ربطت شبكتها بشبكة السودان، لكن لا يوجد ربط كهربائي بين مصر والسودان، وصعوبة هذا المقترح التمويل، الذي أصبح أزمة معضلة لمصر.

كما أن سلطات الانقلاب العسكري بمصر أدارت ظهرها للتكامل مع السودان، حيث جمدت افتتاح الطريق البري بين مصر والسودان، وأوقفت مشروع ربط شبكات الكهرباء بين البلدين، ومشروع استصلاح مليون فدان في السودان. لذلك ففرص التعاون مع السودان في ظل الحكومة الحالية ضعيفة؛ لتردد سلطات السيسى في الدخول مع السودان في أي مشروعات اقتصادية.

كما أنه سوف يتولد عن هذا السد العملاق حوالي 6000 ميجاوات من الكهرباء، وسوف تحتاج أثيوبيا إلى الربط الكهربائي مع مصر لتصدير هذه الطاقة، وطاقة سدودها الأخرى، إلى شبكة الدول الثمانية وقطاع غزة والاتحاد الأوروبي.

ويجب تذكرة الجانب المصري بإمكانية فرض رسوم على عبور الطاقة الكهربائية من أراضيها، كما الحال فى قناة السويس وكابلات الاتصالات البحرية. وبمعنى آخر: دور مصر محوري في نجاح سد النهضة؛ لأن غرضه الوحيد هو توليد الكهرباء بغرض التصدير.

ويمكن طلب مساعدة الدول العربية، ولا سيما دول الخليج بالنظر لمصالحها المشتركة مع أثيوبيا. فهناك عمالة إثيوبية في دول الخليج ويوجد استثمارات خليجية في أثيوبيا، كما تقدم هذه الدول مساعدات تنموية لأثيوبيا والدول الأفريقية، ومما يجعل هذا الأمر في غاية الصعوبة، اختلاف وجهتي النظر بين كل من مصر ودول الخليج حول الدور الإقليمي، فالصورة الآن هي صورة يحكمها الصراع بين الطرفين، وليس التكامل.

وهناك من ينادى باستخدام القوة للتعامل مع الأزمة. فاعتماد القوة أو حتى التلويح بها يمكن أن يبعث برسالة للأثيوبيين ودول حوض النيل الأخرى مفادها: أن مياه النيل خط أحمر، وأن الوضع السياسي المضطرب لن يثني الجيش عن تأمين منابع النيل.

فمثلًا، يمكن التلويح بالقوة عن طريق إرسال سرب من الطائرات المصرية المقاتلة لتصوير السد. لكن هذا الخيار صعب في ظل دعم السودان للسد. غير أنه يمكن جذب السودان إلى جانب مصر عن طريق عقد اتفاقية للدفاع المشترك مع السودان، وإجراء مناورات مشتركة، وإنشاء قاعدة عسكرية مصرية قرب الحدود مع أثيوبيا ومساعدة السودان في تخفيف الحظر الدولي عليها وكبح جماح المتمردين. وهذا المقترح ستقف دونه قوى دولية، تريد لمصر أن تبقى أسيرة ضغوط متعددة.

ويمكن تعزيز هذا الخيار بمنع السفن الأثيوبية من المرور بقناة السويس، حتى يتم الاتفاق حول السد.

كما يمكن التلويح بمنع سفن الدول الداعمة للسد من المرور أيضًا. ومما يعزز هذا الخيار أن دولًا مثل أمريكا وإسرائيل تستخدم الضربات الاستباقية بحجة حماية أمنها القومي.

فإن لم نستخدم قناة السويس كأداة ضغط على الدول المعادية فمتى نستخدمها! وإن لم يتحرك الجيش المصري لحماية النيل فمتى يتحرك؟

ما فائدة طائرات الرفال ومنظومات الصواريخ الروسية وحاملات الطائرات الفرنسية التي تم شراؤها مؤخرًا؟ ولكن المرور بقناة السويس تنظمه اتفاقية دولية، قد لا تمكن مصر من تنفيذه.

مع ملاحظة أنه لا يمكن ضرب السد بعد اكتماله؛ حيث إن تدميره بعد ملء الخزان سيغرق السودان. لذلك لابد من اتخاذ إجراء حاسم الآن، وليس الغد: إما الاتفاق والضمانات والتنسيق المشترك أو القوة والعقوبات. فنجاح السد أو انهياره يهدد وجود مصر والسودان، ويعيد تشكيل المنطقة عندما يسفر عن هجرة الملايين خارج وادى النيل. وبذلك فقد فوت الانقلاب العسكري على مصر العديد من الفرص وأوراق الضغط التي كان يمكن أن تمارسها على أثيوبيا لمنع إقامة سد النهضة.

خامسًا: تمويل مشروعات الشباب يورط البنوك المصرية

منذ وقوع الانقلاب العسكري بمصر، والإدارة الاقتصادية تشهد أداء خاطئا، إضافة إلى ما يعتريها من ضعف وغياب التنسيق بين مكوناتها. فمؤخرًا أصدر السيسي، قائد الانقلاب العسكري بمصر، أوامره أو تكليفه للبنك المركزي، بأن يدبر من خلال الجهاز المصرفي 200 مليار جنيه، لتمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة، التي يمكلها الشباب بسعر فائدة 5%، في الوقت الذي يتجه فيه سعر الفائدة بمصر ليلامس سقف 13% للمودعين، ويقترب من 18% للمقترضين.

وليست هذه هي المرة الأولى التي يتدخل فيها العسكر في الشئون الاقتصادية، ليخالف القواعد والأعراف الاقتصادية، فمشروع توسعة قناة السويس تم بموجب أوامر عسكرية، ولم تقدم فيه أية دراسات جدوى، ووظف فيها البنك المركزي المصري لترتيب أمر سندات دين على الهيئة العامة لقناة السويس بنحو 64% مليار جنيه مصري.

وكان أداء السيسي قائد الانقلاب العسكري بمصر أثناء مؤتمر شرم الشيخ الاقتصادي الذي عقد في مارس 2015م، صورة غير مقبولة لإدارة الشأن الاقتصادي، فأصحاب المشروعات والأفكار المعروضة، يرون أن تكلفة تنفيذها مقدار معين، فيطلب تنفيذها بتكاليف أقل، كما يعرضون فترات للتنفيذ 10 سنوات فيطلب أن تنفذ في 5 سنوات، كما فعل في مشروع تنفيذ توسعة قناة السويس، حيث كان مقدرًا لها فترة 3 سنوات بالمعدات الذاتية وما تملكه الشركات المحلية، فطلب تنفيذه في عام واحد، ليتم التعاقد مع شركات حفر وتكريك أجنبية، كانت سببًا في استنزاف الاحتياطي القليل من النقد الأجنبي.

ولا يغيب عن المشهد الاقتصادي بمصر سيطرة الجيش على المقدرات الاقتصادية بالبلاد، وأصبح الجيش ينافس قطاع الأعمال في إنتاج الغذاء ومواد البناء، بل امتدت هذه التجاوزات ليُسمح للجيش المصري المعني بحراسة الحدود، بأن يقيم شراكات مع المستثمرين الأجانب، فماذا بقى للمجتمع الاقتصادي المدني من مساحات للعمل؟

إن التوجه الأخير لما أعلنه قائد الانقلاب العسكري لمساعدة الشباب لتمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة الخاصة بهم، بسعر فائدة 5%، يورط الجهاز المصرفي في مشكلات اقتصادية تحد من دوره الاقتصادي، وتحمله بتكاليف، إن لم يكن خسائر لا قبل له بها، وفيما يلي نستعرض الآثار السلبية لهذا القرار، منها:

 الإساءة لاستقلالية البنك المركزي

اللغة العسكرية التي سيق بها تنفيذ هذا المشروع، تعد إساءة للبنك المركزي؛ فالبنك المركزي – بحكم الدستور والقانون – له استقلاليته، للمهمة التي أسندت إليه، وهي صناعة السياسة النقدية، والرقابة على البنوك الاقتصادية، وكان يمكن إخراج المشروع بشكل أفضل من هذا، في صورة برنامج حكومي، أو مشروع تتبناه أحد الوزارات، على أن يكون واضح المعالم، من حيث طريقة تدبير الأموال، وشروط الاستفادة من هذا المشروع، وما هو مصدر تحمل فارق التكلفة التي ستتورط فيها البنوك، التي ستقبل أن تدخل في هذا المشروع.

 خسائر فعلية للبنوك

متوسط سعر الفائدة الذي تدفعه البنوك للمودعين 10%، ويضاف إليه في حالة إعادة إقراض هذه الودائع للمستثمرين والمنتفعين بهذه القروض نحو 2% كمصاريف للتشغيل، وكذلك نسبة مماثلة كأرباح للبنك؛ حتى يستطيع أن يمارس أعماله.

وبذلك فالسعر الطبيعي هو ألا يقل سعر الفائدة للمقترضين من البنوك عن 14%، فمن أين ستتحمل البنوك هذا الفارق، والذي يقدر بنحو 10%، أي حوالي 20 مليار جنيه مصري؟ إذا تصورنا أن البنوك ستفعل المستحيل لتنفيذ هذا المشروع، فأول الخسائر يتمثل في العوائد التي كانت تذهب إلى الموازنة العامة للدولة نتيجة أرباحها، فلن يستطيع أي بنك أن يحقق أرباح في ظل العمل بمشروع تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة للشباب بواقع سعر فائدة 5%.

ولذلك فلن تقبل بنوك القطاع الخاص، أو البنوك الأجنبية بتمويل هذا المشروع.

 تعميق غياب المنافسة

من قواعد الاقتصاد السليمة، أن تكون هناك حالة من المنافسة الحقيقية بين الفاعلين الاقتصاديين بالسوق، وبهذا الاستثناء الذي أتى في إطار تكليف قائد الانقلاب العسكري، يرجع بمصر إلى ما قبل الاصلاح المالي والنقدي الذي نفذ خلال الفترة 1991/1992 – 1995/1996، حيث كانت هناك عدة أسعار مختلفة للاقتراض من البنوك.

وحتى تتضح مسألة غياب المنافسة بين المشروعات، أن تكلفة التمويل ستختلف بين العاملين في صناعة أو مجال واحد، فأحدهم يحصل على تمويل بسعر 5%، والآخر يحصل على تمويل بسعر 15%، فبلا شك أن من يحصل على سعر فائدة أقل، ستكون تكلفة إنتاجه للسلع أو الخدمة المقدمة للجمهور أقل من غيره، وبذلك تنعدم المنافسة، وتخلق حالات غير طبيعية للمنافسة في الاقتصاد المصري.

فتح باب جديد للفساد

في الثمانينيات من القرن العشرين، كان من أبواب الفساد أن كثيرا من نواب البرلمان، وغيرهم من مسئولي الدولة، يقيمون مشروعات وهمية غير حقيقية، ويتقدمون من خلالها بدراسات جدوى للبنوك المتخصصة، التي كانت تعطي سعر فائدة أقل من البنوك التجارية، بنحو 3% أو 4%، وكانوا يحصلون على هذه القروض، ثم يودعونها في البنوك التجارية؛ ليحصلوا على سعر فائدة أعلى، وحين يحل ميعاد سداد قروض البنوك المتخصصة يسددونها بالفعل، ولكنهم يكونون قد استفادوا من فارق سعر الفائدة، ويكون الخاسر هو الاقتصاد، بعدم وجود سلع أو خدمات حقيقية، فضلًا عن الخسائر التي كانت تتحملها الموازنة العامة للدولة في ذلك الوقت من خلال دعم سعر الفائدة للبنوك المتخصصة.

ومن الطبيعي، في ظل دولة الفساد الكبرى، في مصر الآن، أن تمارس نفس التجربة، وبخاصة أن الفارق مغرٍ، ويساعد على استنزاف أموال البنوك، أو المصدر الذي سيدفع الفارق بين سعر الفائدة الطبيعي، وسعر الفائدة المفروض من قبل قائد الانقلاب العسكري.

غطاء لأزمة السيولة بمصر

الملاحظ أن هناك أزمة سيولة لدى الجهاز المصرفي المصري، الذي لديه حوالي 1.8 تريليون جنيه كودائع، منها نحو تريليون تسحبها الحكومة سنويًا في شكل أذونات وسندات لخدمة أعباء عجز الموازنة العامة للدولة.

ونظرًا لواقع هذه المشكلة، والتي تتبلور في مزاحمة الحكومة للقطاع الخاص في الاقتراض من الجهاز المصرفي، لجأت البنوك لرفع سعر الفائدة للحصول على المزيد من الودائع ووجود مساحة من الودائع الجديدة، فرفعت سعر الفائدة إلى 12.5%، وبعضها رفع سعر الفائدة لنحو 13%.

وحقيقة الأمر من وجهة نظرنا، أن النظام أراد أن يخفض الاحتياطيات الإلزامية للبنوك لدى البنك المركزي، ولكن من خلال حجة مقبولة، وهي إعفاء المبالغ المقرضة للمشروعات الصغيرة والمتوسطة للشباب من نسبة الاحتياطيات الإلزامية، فيكون ذلك غطاءً طبيعيًا لهذه الخطوة.

فحسب إحصاءات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، فإن نحو 98% من المنشآت العاملة في مصر، هي منشآت صغيرة ومتوسطة، وبالتالي سيكون من السهل العبث بسجلات الملكية، للمشروعات القائمة بالفعل لاستيفاء الشروط، والتحايل للحصول على هذه القروض المخفضة.

لذلك حول الجيش المصري البلاد إلى معسكر مدمر، سواء اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا، ويعد الأمر خطير جدا؛ لأن الحلول أصبحت معدمة، والاقتصاد أصبح منها، والديون الداخلية اقتربت من حاجز ثلاثة آلاف مليار جنيها، والدين الخارجي تعدى الخمسين مليار دولار، وهو وضع مخيف، كما أن احتياطي البنك المركزي، الذي أعلنه البنك 16 مليار دولار، احتياطي وهمي، حيث يعتبر ودائع لدول قطر وتركيا والسعودية والكويت ليبيا، ومصر لا تملك غير ثلاثة مليارات دولار عبارة عن احتياطي الذهب ، والحكومة العسكرية لا تملك حلولا لحل أزمة عدم وجود الدولار، وارتباط السلع والخدمات التي تستورد مصر منها ما يقرب من 70 مليار دولار سنويا، لذلك اتجهت الحكومة إلى الاستدانة من الداخل والخارج، وفرض ضرائب كثيرة على الشعب والتجار والمستردين من أجل توفير سيولة نقدية، وهو ما يمهد لاحتجاجات، وغضب شعبي كبير؛ بسبب الانهيار الاقتصادي الشديد الذي قد يصل بالأمور إلى الانفجار الكبير في وجه الحكم العسكري المباشر للجيش المصري بقيادة الجنرال عبد الفتاح السيسي، والذي سيصل حتما بحكم التاريخ والسنن الكونية والجغرافيا إلى إنهاء حكم أكثر الأنظمة الحاكمة استبدادا وفشلا في تاريخ مصر والمنطقة الحديث.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد