ها قد سقط طاغية السودان ومجرم حربه عمر البشير عن عرشه بعد ثلاثين عامًا من الظلم والقهر، أو هكذا ظن السودانيون لوهلة. يبدو أن اجتثاث طواغيت منطقنا أصبح من سابع المستحيلات. فبعد يوم واحد من سقوط البشير المزعم خرج على الملأ الفريق عمر زين العابدين الذي عينه المجلس العسكري الانتقالي رئيسًا للجنة السياسية بالمجلس، خرج في مؤتمر صحفي سمى فيه عمر البشير بالسيد الرئيس، رغم مرور عدم أن حبر بيان عزل البشير لم يجف يعد. بعدها بساعات، وفي مساء نفس اليوم الجمعة، وفي اتصال هاتفي مع قناة مكملين الفضائية، سمى قائد قوات الدعم السريع، الفريق حمدتي البشير بالسيد الرئيس أيضًا.

تبًا لهم ألا يحاول هؤلاء حتى إخفاء مسرحيتهم القذرة ضد إرادة الشعب السوداني؟ ثم كانت الكارثة، بعد تسريب من قبل بعض قادة الجيش لتفاصيل الساعات الأخيرة في حكم البشير. فيزعم مسرب القصة أن البشير كان يصلي الفجر في يوم الخميس، عندما أبلغه وزير دفاعه بعزله، فما كان من البشير إلا أن قال: على بركة الله وأوصيكم خيرًا بالبلاد!

البشير الذي لم يغمض له جفن ومليشياته تقتل في السودانيين بالرصاص ودهسًا تحت مركبات جهاز أمنه وبالتعذيب داخل المعتقلات في الأربعة أشهر الماضية، لا لجرم اقترفوه بل لمجرد قولهم تسقط بس، يريدون إيهامنا أنه فجاة صار زاهدًا في الحكم، وخائفًا على مصالح العباد.

اليوم وبعد شهر من إسقاط البشير المزعوم، وإسقاط بديله ونائبه ووزير دفاعه من بعده، ما زال مكانه مجهولًا، وما زال رموز نظامه يصولون ويجولون، وما زالت مليشياته تطلق الرصاص على المعتصمين، فأي سقوط تتحدثون عنه. لكن الشعب السوداني كان وما زال أفطن من مؤامراتهم، وأقوى من كلماتهم، وأشرس من قمعهم. فما زال المعتصمون على حالهم، يرفضون كل الموعود الكاذبة التي سيقت إليهم، وكل الدعوات المعسولة التي قدمت بين يديهم.

قادة الجيش السوداني كانوا وما زالوا جزءًا أصيلًا من الطامة التي أخرجت السودانيين للشارع. فهذا الجيش لم يتوان عن توجيه رصاصه لشعبه طوال العقود الماضية، بعد أن كانت آخر رصاصة أطلقها ضد قوات أجنبية غازية كان في مارس 1941 تحت إمرة الملازم محمد نصر عثمان عندما تصدت الفرقة الأولى لمحاولة دخول القوات الإيطالية للسودان من حدوده الشرقية خلال الحرب العالمية الثانية. ومن يومها وجه الجيش رصاصة لشعبه في جنوب السودان وفي شرقه ودارفور في غربه.

وأخيرًا بعدما التفت لمعتد أجنبي، كان ذلك ضد إخوان الأمس من الجنوبيين في معركة هجليج عام 2012. إذا كان طاغية السودان المخلوع مجرم حرب بحسب محكمة الجنايات الدولية، فإننا نعلم أن البشير لم يذهب بنفسه إلى دارفور ليسفك الدماء، ويحرق الممتلكات، ويغتصب الناس، إنما نفذ تلك الجرائم بأيدي جيشه أو مليشياته التي غظ الجيش عنها الطرف. واليوم ترتزق قوات الجيش السوداني من المال السعودي والإماراتي في اليمن تقتل شعبه وتهدر مقدراته.
الجيش في السودان كان دومًا وما زال عدوًا للديموقراطية وإرادة الشعب، كيف وهو الذي لم يسمح لهذا الشعب في أن يحكم نفسه منذ الاستقلال إلى اليوم، في فترات متفرقة لم تزد في مجموعها عن 10 أعوام.

حتى في خلال ثورة الشعب الأخير، خرج الناطق الرسمي للقوات المسلحة أحمد الشامي قبل ساعات من تنحية البشير في عصر يوم الأربعاء، متوعدًا الشعب بفض اعتصامه ومنعه من أي مظاهر تظاهر أخرى، لأن السودان على قوله لن يقف أسيرًا لرغبات العاطلين والمجرمين. نعم سمى شعبه الثائر بالمجرمين قبل أقل من يوم من عزل البشير، واليوم يريد إيهامنا أنه عراب تطلعاتنا. ألم يقم الجيش بسجن ضباطه وأفراده الذين دافعوا عن المعتصمين ضد محاولات فض الاعتصام التي جرت فجر الأربعة أيام الأولى للاعتصام. تم سجنهم لأنهم خالفوا التعليمات وتصدوا لمجرمي جهاز الأمن ومليشيات البشير فهل هنالك خيانة أكثر من ذلك؟ وقبل أقل من أسبوع وفي مقابلة مع بي بي سي، قال عضو المجلس العسكري الفريق صلاح عبد الخالق أنه حتى لو وافق على مجلس انتقالي بأغلبية مدنية فإن ضباط الجيش لن يقبلوا بذلك ولا يمكن له أن يواجههم إذا قبل بذلك. لعمري إنها مهزلة، فمن أنت ومن ضباطك ليقبلوا أو يرفضوا؟ أنتم سودانيون كباقي السودانيين ولا أفضلية تعطيها لكم رتبكم العسكرية.

من المضحكات المبكيات أن رئيس المجلس العسكري الانتقالي الحالي، الفريق عبد الفتاح البرهان، كان قد استشير في أن يقبل بمنصب وال لإحدى الولايات بعد أن حل البشير كل الحكومات الولائية واختار عسكريين لمناصب الولاة. خرجت الأخبار وقتها أن البرهان لا يريد أن يدخل معترك السياسية وتركها لأهلها، ويفضل بقائه في مهامه العسكرية.

اليوم صار البرهان فعليًّا على رأس الدولة ورغمًا عن أنوف الملايين من السودانيين الذي ما زالوا يطالبون بمجلس رئاسي مدني. البرهان الذي قام بتعيين فلول النظام السابق في مناصب حساسة كرئاسة تلفزيون السودان، ورئاسة الهيئة العليا لمحاربة الفساد، ثم أقالهم بعد سويعات بعد أن تحرك الشارع ضد تلك القرارات، وبرر قراراته بكل سذاجة أنه لم يكن يعرف تاريخهم. ومن البرهان وصف رئيس المجلس الانتقالي السابق الفريق عوض بن عوف في يناير الماضي المتظاهرين بشذاذ الآفاق والمرتزقة الذين يريدون جر البلاد للفوضى، وتنفيذ مخطط غربي لتقسيم السودان، رغم أن تقسيم السودان للمصادفة لم يحدث إلا تحت حكم نظامه البائد البائس. ثم خرج علينا ابن عوف في بيان عزل البشير يتحدث عن تطلعات الشباب المتظاهر وأنه لأجل ذلك أقدم على ما أقدم من عزل للبشير.

رحم الله شهداء السودان الذي بذلوا الأرواح ضد الطغيان منذ يونيو 1989 وإلى الآن، ونقول لهم إننا لن نهادن ولن نخون، وإن دماءهم الطاهرة هي من تنير لنا دروب الحرية. وأختم بالمقولة السودانية الشهير: «حكم العسكر ما بتشكر».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد