يعتقد معارضو الرئيس التركي «رجب طيب أردوغان» أن «أتاتورك» لو عاد إلى الحياة مرة أخرى، فلن يعجبه ما حدث للبلد الذي أسسه. وعندما تسأل أحدهم عن السبب، يعدد لك أسبابا ليس بينها على الإطلاق وضع الاقتصاد، على الرغم من أنه العامل الأهم في عالمنا المعاصر، لتحديد نجاح أو فشل الحاكم. ولكن دعونا نلق نظرة أعم وأدق على ما قد يحدث في «تركيا» البلد الأهم في منطقة الشرق الأوسط، والتي ستشهد بعد عامين تقريبا، أهم انتخابات في تاريخها المعاصر.

في عام 2013 شهدت «تركيا» احتجاجات شعبية، تلتها عدد من التفجيرات في 2015، ثم اختتمت بمحاولة الانقلاب العسكري الفاشلة في 2016. وعلى الرغم من كل هذا، ظلت قيمة الليرة التركية جيدة. بعدها وجهت «تركيا» أصابع الاتهام إلى «فتح الله جولن» المقيم في الولايات المتحدة والذي تطالب بتسليمه لها بأي ثمن، بينما ترفض الأخيرة ذلك. ثم جاءت دراما القس الأمريكي «برونسون» الذي كان يقوم بالتبشير بالمسيحية في «تركيا»، والذي تم إلقاء القبض عليه في مدينة «إزمير» في 2016 بتهمة التجسس لصالح حزب العمال الكردستاني و«فتح الله جولن». وعندما طالبت الحكومة الأمريكية بإطلاق سراحه، عرض «أردوغان» استبداله بـ «جولن». رفضت الولايات المتحدة، وهدد الرئيس «ترامب» بفرض عقوبات كبيرة على «تركيا» ما لم تطلق سراحه فورا. لكن المحكمة التركية وضعت القس رهن الإقامة الجبرية ولم يغادر «تركيا» إلا بعد قضاء نصف المدة. وهذا أغضب الولايات المتحدة، فقامت بفرض عقوبات اقتصادية على «تركيا». كانت نتيجتها تدهور ملحوظ في قيمة الليرة التركية ما زالت تعاني منه حتى الآن.

الناتج المحلي الإجمالي مؤشر نجاح

فاز حزب «العدالة والتنمية» بانتخابات 2002 الحاسمة مع مرشحه «رجب طيب أردوغان» رئيس بلدية إسطنبول منذ عام 1994. وبعدما أصبح رئيسًا، حسّن «أردوغان» اقتصاد البلاد بشكل كبير، إذا حكمنا على الناتج المحلي الإجمالي من خلال زيادته إلى 950.6 مليار دولار من 311.8 مليار دولار. ومع ذلك، منذ عام 2013، لم يزد الناتج المحلي الإجمالي، بل لقد تراجع، ففي بيانات عام 2019 بلغ 755 مليار دولار. نعم لقد بدأ الاقتصاد التركي يستعيد بعض عافيته في الربع الأخير من 2020 بنسبة تصل إلى 5%، ولكن وحش التضخم ما زال موجودًا ويؤثر بشدة في المواطنين. صحيح أن «أردوغان» أعلن مؤخرًا نبأ معجزة العثور على كميات هائلة من الغاز الطبيعي في البحر الأسود، وقد تؤثر مثل هذه الأحداث في الناخبين (من خلال منحهم آمالًا بشأن التعافي من الأزمة الاقتصادية)، رغم أنه في هذه المرحلة بالذات، من الصعب حقًا تحديد ما سيحدث مستقبلا بالضبط.

لماذا ينتخب الأتراك «أردوغان»؟

لكي تفهم سبب تصويت الأتراك لـ«أردوغان»، عليك أن تنظر إلى الصورة بأكملها بدلاً من التركيز على العشرين عامًا الأردوغانية الماضية. لم تكن «تركيا» قوية -عسكريًّا واقتصاديًّا- في تاريخها مثلما هي في عهد «أردوغان». لقد مرت البلاد بالعديد من الانقلابات العسكرية، وما تلاها من سيطرة الجيش على المقدرات الاقتصادية، فأنتج ذلك العديد من الممارسات الفاسدة، والتي أدت إلي تهور اقتصادي حاد. الناس الذين عاشوا عصر ما قبل «أردوغان» -وأنا منهم- لديهم ذكريات سيئة عن الليرة ذات الستة أصفار، وعن الفقر المنتشر، وعن الطوابير الطويلة لشراء الخبز، وعن التضخم المجنون، وعن أكوام القمامة في كل مكان، وما يتبعها من أمراض. مع وضع هذا في الاعتبار، لو ألقيت نظرة على معدل التضخم في «تركيا» منذ عام 1965، ستجد أن الوضع الاقتصادي منذ عام 2000 أفضل بكثير مقارنة بالتضخم الذي عاشته «تركيا» قبل «أردوغان».

وكان لدى غالبية الأتراك ذكريات عن عدم تمكنهم من الالتحاق بالجامعات وهم يرتدون الحجاب، أو عدم قدرتهم على أخذ فترات راحة للصلاة، وما إلى ذلك. جاء «أردوغان» فمنحهم كل هذه الحقوق وقام بترسيخها للناس في «تركيا». ومن ثم، يمكن أن تؤثر ذكريات الماضي هذه في الناخب فيخاف من التصويت لصالح حزب ربما كانت أفكاره مسئولة عن معاناة الماضي.

كما أن النظام البرلماني الجديد يتطلب أن يحصل الرئيس على أكثر من 50% من الأصوات من أجل الفوز في الانتخابات. هذا يعني أنه حتى لو لم يحصل «أردوغان» على 50% في البداية، فسيخوض انتخابات الجولة الثانية مع الشخص الذي حصل على ثاني أكبر عدد من الأصوات من الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية. في مثل هذه الحالة، لا أرى مرشحًا بقوة «أردوغان»، على الرغم من أن الكثير من الناس يشيرون إلى «أكرم إمام أوغلو» للقيام بذلك. ولكني أتوقع أن «أوغلو» لن يترشح ضد «أردوغان»، فهو أذكى من أن يقع في فخ منافسة «أردوغان» القوي. لذا أعتقد أن «أوغلو» سيفضل أن يكون حاكمًا لإسطنبول مرة أخرى، ثم يترشح للرئاسة في عام 2028، حيث سيكون من الأسهل بكثير التغلب على خليفة «أردوغان».

ماذا سيحدث لتركيا إذا خسر أردوغان عام 2023؟

إذن، فالتوقعات تقول إن «أردوغان» سيفوز في الانتخابات بسهولة. ولكن إذا حدث العكس وخسر، ماذا سيحدث؟. بكل ثقة أقول لن يحدث تغيير كبير في السياسات التركية، لماذا؟. لأن الغالبية العظمى من الأتراك، بمن فيهم أنصار حزب الشعب المعارض، يدعمون سياسة «أردوغان» الخارجية إما كليًا أو جزئيًا. ومن المرجح أن تستمر التغييرات التي بدأها «أردوغان» طويلا، بغض النظر عن نتيجة انتخابات 2023. فتركيا لم تعد ترغب في أن تكون مقيدة من قبل القوى الغربية التي تتدخل في المنطقة. لقد تصدوا لخطر الأكراد على طول الحدود السورية وقضوا عليه، وأعلنوا عزمهم على السيطرة على حصتهم المشروعة من المسطحات المائية في البحر المتوسط. وضربوا القوى المناهضة للشرعية في ليبيا، بتحجيم سيطرة حفتر والدول الداعمة له. وأخيرا حققوا انتصارًا باهرًا في أذربيجان ضد الاحتلال الأرمني باستخدام طائرات بدون طيار تم تطويرها محليًا. ومن غير المحتمل أن تنتهي هذه السياسات طالما شعرت «تركيا» أن حقوقها تُداس وتوضع التهديدات بشكل استراتيجي على حدودها على وجه التحديد لاحتوائها. إنها مسألة فخر وطني. لقد حكم الأتراك الشرق الأوسط لقرون حتى أوائل القرن العشرين، والكثيرون يعتقدون أنه قد حان الوقت لهم للعودة لتاريخهم الساطع. والشيء الذي يجب ملاحظته هو أنه لا يوجد مرشح قوي يدير البلاد بقوة ويمتلك كاريزما القائد، مثل «رجب طيب أردوغان». وحتي إذا خسر الانتخابات، فالسؤال هو، كم من الوقت سيستغرق ولادة زعيم جديد بحجم «أردوغان»؟. وبرغم هذا دعوني أضع احتمالية خسارته لانتخابات 2023. فكونك بطل حرب، لن يساوي شيئًا مع اقتصادٍ مهترئ، فالاقتصاد هو الذي يفوز أو يخسر في الانتخابات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد