فى ليلة 11 فبراير 2011 توفي الفريق «سعد الدين الشاذلي» رئيس هيئة أركان حرب القوات المسلحة الأسبق بعد عمر حافل في خدمة الوطن، وأيضًا بعد صراع سياسي طويل مع النظام المصري منذ منتصف السبعينيات بدأ بنفيه سنوات طويلة، ثم سجنه بتهمة إفشاء أسرار عسكرية، وتجاهل تام طوال الوقت.

لم يكن الشاذلي سياسيًا متمرسًا، بل كان عسكريًا مستقيمًا، ولذلك فإنه ما أن دخل مستنقع السياسة البغيض والمقرف حتى تعامل معه باستقامة العسكري ومن منطلق وطني بحت يرى مصلحة الوطن بعينين مفتوحتين بعيدًا عن مراوغات السياسة وألاعيبها.

وطبقًا لكل المصادر فإنه كانت هناك ثلاث خطط عسكرية تم وضعها قبل الساعة الثانية وخمس دقائق يوم 6 أكتوبر 73 وتم اعتمادها من قبل القائد الأعلى والقائد العام للقوات المسلحة المصرية.

الخطة الأولى «بدر 1» وهي تقضي بعبور قناة السويس بقوة خمس فرق على ثلاثة محاور (الجنوبي والأوسط والشمالي) والتمسك برؤوس كَبَارٍ على الضفة الشرقية للقناة بعمق يتراوح بين خمسة إلى عشرة كيلومترات، والخطة الثانية «بدر 2» وهي تطوير الهجوم بعد صد ضربة محتملة من العدو – ناحية خط المضايق (الجدي ومتلا) وسط سيناء والتحكم بها كخط دفاعي مع سرعة نقل حائط الصواريخ للأمام حتى يتم توفير حماية للقوات المتقدمة.

والخطة الثالثة «الخطة 2000» وهي الاحتفاظ بفرقة مدرعة في غرب القناة حتى لا يستغل العدو نقطة المفصل بين الجيشين الثاني والثالث والقيام بعبور مضاد وتطويق القوات من الخلف.

وكان الذي حدث أن الخطة الأولى هي التي تم تنفيذها ثم فاجأ الرئيس السادات قواده بما أسماه «الوقفة التعبوية» ولم يتم تنفيذ الخطة الثانية ليلة 9 أكتوبر كما كان متفقًا، ورغم إلحاح القادة على ذلك إلا أن الرئيس أصر على الوقفة ولم يتم تطوير الهجوم.

وفيما تكشف بعد ذلك أن السادات كان ينتظر ردًا من هنري كسينچر على رسالة أرسلها له يتعهد له فيها أن «مصر لن تقوم بتطوير الهجوم ناحية المضايق» وكان كسينچر يماطل في الرد لإعطاء الجيش الإسرائيلي الوقت الكافي لتصحيح أوضاعه على الجبهتين الشمالية والجنوبية.

ولما لم يتلق السادات الرد الذي كان ينتظره فإنه أمر بتطوير الهجوم على أن يكون ليلة 13/12 ولكنه تأجل ليلة واحدة بسبب أمور فنية بحتة ليتم البدء فيه ليلة 14/13 وكانت إسرائيل مستعدة له بعد أن فرغت من الجبهة الشمالية وصدت هجوم مدرعات الجيش السوري وردتها لما بعد خط الهدنة وهددت باحتلال دمشق نفسها.

وبالطبع فشل الهجوم فشلًا ذريعًا وخسرت عددًا مهولًا من المدرعات والدبابات، لدرجة إصابة قائد الجيش الثاني «عبد المنعم واصل» بأزمة قلبية لما عرف حجم خسائر جيشه.

ونتيجة لذلك قررت قيادة الجيش الدفع بالفرقة المدرعة الرابعة (التي لم تعبر القناة طبقًا للخطة) لتعويض الخسائر وهو ما رصدته طائرات الاستطلاع الأمريكية وأبلغت إسرائيل التي قررت تنفيذ خطة «الغزالة» بالقيام بعبور مضاد من نقطة المفصل بين الجيشين الثاني والثالث وتوسيعه ومحاصرة مدينة السويس، وفي يوم 16 أكتوبر أعلنت «جولدا مائير» أن قوات جيش الدفاع تحارب الآن على «أرض إفريقية».

وفي تلك الليلة ذهب الفريق الشاذلي إلى الجبهة لدراسة الوضع على الأرض، وعاد وأبلغ المشير أحمد إسماعيل بخطته التي تقضي بسحب جزء كبير من الفرقة المدرعة الرابعة لغرب القناة مرة أخرى لمواجهة الثغرة، وهو ما رفضه المشير والرئيس معًا بدعوى أن ذلك سوف يؤثر على «الروح المعنوية» للقوات وهي ترى انسحابًا لبعضها للخلف مرة أخرى.

وفيما بعد كتب الرئيس السادات في مذكراته أن «رئيس الأركان عاد من الجبهة مصابًا بانهيار عصبي» وأنه قرر عزله عن منصبه، لكن الحقيقة وبشهادة الجميع – وأولهم المشير عبد الغني الجمسي رئيس العمليات أن الشاذلي لم يصب بأي انهيار أو فلتان أعصاب وإنما عرض خطته على وزير الحربية بهدوء الذي اتصل بالرئيس يرجوه الحضور لمركز القيادة لحسم الخلاف بينه وبين رئيس أركانه، وحضر بالفعل وانحاز لرأي أحمد إسماعيل ورفض مناقشة أي مقترحات لضرب وتصفية الثغرة، وكان من هذه المقترحات ضربها بالطيران أو ضربها بسلاح كيماوي أو جرثومي!

لا يعلم أحد لماذا ترك السادات الثغرة ولم يتعامل معها بالمستوى العسكري المطلوب وتركها حتى توسعت وحاصرت قوات الجيش الثالث كله؟ ولماذا رفض كل محاولات القادة – باستثناء وزير حربيته – لوضع خطط للتعامل مع وضع عسكري غير ملائم للجيش المصري؟

في لقاء تليفزيوني قريب قال الفريق سمير فرج رئيس الشؤون المعنوية الأسبق (وكان وقت الحرب ضابطًا ملحقًا بمركز القيادة) إنه من الناحية العسكرية البحتة كان رأي سعد الدين الشاذلي هو الأصوب والأسلم ولكن القيادة السياسية تجاهلته لاعتبارات لا نعرفها.

إن الخلاف العسكري – والسياسي فيما بعد – بين الفريق الشاذلي والرئيس السادات ووزير الحربية أحمد إسماعيل كان له جذور وأساس منذ زمن يسبق الحرب بسنوات، فالشاذلي لم يكن مقتنعًا برئاسة السادات للجمهورية، أو بتولية إسماعيل منصب وزير الحربية ورأيه في الاثنين شديد القسوة، ناهيك عن خلاف قديم بين الشاذلي وإسماعيل نشأ في الكونغو حين كانا مسؤوليْن عن الكتيبة المصرية هناك ضمن قوات حفظ السلام.

لكن في ظروف ما بعد وفاة عبد الناصر ومشاكل مراكز القوى وخلافات محمد أحمد صادق مع السادات، تعامل الرجل – من منظور وطني بحت – مع الأمر الواقع وركز كل جهوده – بحكم منصبه رئيسًا لهيئة الأركان – في تطوير خطط الحرب وتكثيف التدريب باستعمال ما تحت يده من سلاح، حتى جاءت لحظة الانفجار ووجد نفسه – وهو واضع الخطط – مطرودًا بلا تكريم أو كلمة حق لدوره.

وفيما بعد أخذته السياسة بعيدًا وإن كان البسطاء لم ينسوه وكرموه تكريمًا يليق به وببطولاته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

مذكرات سعدالدين الشاذلى
عرض التعليقات
تحميل المزيد