صعد منتخب مصر لكرة القدم لكأس العالم بعد غياب 28عامًا، الشعب يهلل، لا يترك حيا أو ركنا دون أن يقف فيه، يصرخون حتى متتصف الليل، يشغلون الأغاني لمجهود المنتخب، ويأتي الرئيس السيسي بإصدار قرار بصرف مكافأة منه لكل لاعب قيمتها مليون ونصف المليون جنيه، كنوع من التشجيع والمشاركة والتكريم لمجهود الفريق، لكن هل يحتاج هؤلاء اللاعبون مليون ونصف المليون جنيه؟

ماذا عن الرياضات المهمشة، ماذا عن لاعب كرة القدم لذوي الاحتياجات الخاصة الذي يعد من أعظم لاعبي العالم الذي لا يجد حلا ليصرف على نفسه وأسرته سوى أن يبيع في السوق مع بائعي الخضروات والفاكهة، ماذا عن أبطال لا يجدون من يتحمل نفقة سفرهم لبطولة عالمية؟ ماذا عن أبطال لايجدون أي أمكانية توفر لهم حتى يقوموا باستكمال دورهم؟ ماذا عن ألعاب لا يصرف عليها جنيه واحد، وألعاب لا يحصل أحد فيها على قرش بل يصرف من حر ماله؟

ماذا عن الأسعار التي تضاعفت والبنزين الذي رفع سعره مرتين؟ ماذا عن الجنيه الذي صار ليس له قيمة؟

من فترة قريبة علمت بخبر مفاده أن الناشط السياسي المعروف أحمد دومة حبيس السجون المصرية ظلمًا وصلت حالته الصحية لدرجة أنه قريب من الوفاة بسبب عدم وجود أي رعاية صحية مناسبة له في الداخل. علاء عبد الفتاح حبيس السجون منذ فترة طويلة للغاية، ومن فترة قريبة صدرت أحكام بالإعدام ظلمًا.

حينما تولى رئيسنا الحكم أخبرنا أن نصبر شهورًا وها هي السنين تمر ونحن ننتظر تلك الشهور التي يجب أن نصبرها في أي عام وفي أي زمن هي؟

أعلن الرئيس دعوة وحملة للتبرع بجنيه لمصر، وقاموا بإنشاء صندوق قد تم التبرع له بالمليارات دون رقابة ودون استفادة منه، أخبرنا الرئيس ألا نتحدث نحن الشباب عن أي مشكلة اقتصادية دون دراسة، يجب أن نرى ملايين تصرف على الأرض وأسعار ترتفع في السماء وضرائب عديدة وناس تموت ظلمًا وناس تموت فقرًا، وناس تقضي يومها بخروج الروح، دون أنت نتكلم فنحن لم ندرس الاقتصاد، لم ندرس ولم نعلم كيف أن زيادة سعر كل سلعة في مصلحتنا، نحن الرعية لا نفقه شيئًا لا نعلم أن الملايين التي تعطى للاعبين لديهم ملايين ويأخذون ملايين هي في مصلحة الشعب ومصلحة الوطن، ستتقدم مصر وسنصبح أعظم الشعوب.

نحن لا يجب أن نتكلم عن بيع أراضي الوطن، نحن لا يجب أن نتكلم عن القضاء الذي يهان من الحكومة التي تطالبنا باحترامه.

يجب ألا نتكلم عن إعلام يشجع على مصالحة إسرائيل ومعاملتها على إنها صديقة، يجب أن لا نتكلم عن ذلك الإعلام المحلي الذي يخاطب الشعب المصري، يجب أن لا نتكلم عن زيادة تكلفة التعليم على الناس وانهيار الخدمات التي كانت منهارة في الأساس فصارت كالرماد.

يجب ألا نتكلم دون دراسة عن حق صديق أعلمه ذهب ليصلي فوجد نفسه في أحضان السجون، يجب ألا نتكلم عن صديق لي ذهب لبيته وفي الطريق قتل مع العديد من الناس من قبل قناصة الدولة، يجب ألا نتكلم عن قتل مشجعي كرة في ملعب الدفاع الجوي، يجب ألا نتكلم عن حقوق شهداء بورسعيد.

لكن كل هذا ليس خطأ أحد سوانا نحن الشعب الذي فرط في أرضه وفرط في دماء أصدقائه وأهله وفرط في حق ابنه بأن يعيش عيشة كريمة يتمتع بكرامته على الأقل.

نضال الإنسان ضد السلطة هو نضال الذاكرة ضد النسيان

-ميلان كونديرا

حينما نجد شعبًا يسخر من تأدية تحية العلم فهذا دليل كاف على أننا أستحققنا مصيرنا، عندما نجد شعبًا يحل دم المثليين ويدعو لحرقهم دون البحث عن علاج فنستحق ذلك، حينما نفرط في الدم ونفرط في كل شيء لنا فنحن نستحق.

منذ فترة شعرت باكتئاب شديد شعرت أني غريب لا يمكنني التحدث في السياسة لا يمكنني التحدث عن الثقافة لا يمكنني قول أني أساند هذا وأدعمه وأني أطالب بحقوقه، وكل يوم يضيق الخناق، فأجد رسائل تبعث لي مفادها بأني أستحق القتل وأني كافر وأني ملحد، وفي كل هذا أشعر باختناق لا يمكنني أن أقول أني اشتقت لشخص في السجن أو ميت أو معذب أو أن الله حرم قتل النفس بغير حق وأن لا يجوز حرق أو قتل المثلي ويجب البحث عن علاج نفسي أو أي علاج علمي أو توفير مراكز ويجب القيام بأبحاث علمية، كدت أموت حينما وجدت الشباب وأغلبية الشعب يسخر ويسب ويلعن لأن الدولة حيت العلم في الجامعة أول يوم دراسة، والمبرر لذلك الهجوم هو أننا كبرنا على تحية العلم ولسنا في الصف الثانوي.

نحن نملك ذاكرة السمكة ووطنية مشوشة وعقول أغلبها فراغ وحينما يملأونه يملأونه بالترهات والجهل والشعوذة ويصبون فيه الخمر ليسكر صاحبه أبد الدهر ولا يعي لشيء مما يدور حوله، نحن شعب لا يقرأ، شعب لا يحب أن يحصل أدنى درجات العلم، نحن شعب يسخر من دين غيره، ويهين الأقليات خاصة السود منها ويسخر منهم جسديا ولفظيًا ويقوم بالتنمر عليهم، نحن في بلد يقوم فيها أبناء الجامعات بصنع مقالب وتنمر وإهانة بعض الاشخاص والذي يصادف أنهم مرهقون في حياتهم الخاصة ويعانون لأقصى الدرجات لتجده مقبلًا على الانتحار.

تلك الأموال التي تهدر على الأرض يمكنها إقامة مشاريع تشغيل العديد من الكوادر المهمشة التي لا تجد فرصة، حل أزمات سكانية، بناء ولو مدرسة، بناء ولو مستشفى، يمكن فعل أي شيء يخدم الوطن والناس بحق.

لماذا وجيوب الدولة ممتلئة تسعون للحصول على آخر قطرة من دمائنا؟ لماذا ننسى الماضي ونتجاهل المستقبل ونغرف في الحاضر؟ أرى أن إجابة آخر سؤال هي سلوكنا نحو نفسنا ونحو غيرنا وكيف رخصنا نفسنا وكيف سمحنا لغيرنا بأن يسوقنا للجحيم بعينه.

إنه جحيم يتلوه جحيم

-محمد ربيع من رواية عطارد

علينا أن نبكى من أجل كل شيء، لكن ليكن بكاؤنا جيدًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد