عرفت أوروبا في عصر النهضة تطورًا كبيرًا ملحوظًا في مجال الفنون، وكانت الهندسة المعمارية حاضرة من خلال عدة مهندسين معماريين أمثال فيليبو برونليسكي وليوناردو دا فينتشي، ممن أبهروا العالم بعمارتهم الفريدة الأنيقة.

من جهة أخرى كانت الدّولة العثمانية في ذلك الوقت لا تقل تطورًا عن نظيرتها أوروبا، خاصة في مجال العمارة، فقد عرفت الدولة بناء أكبر وأجمل المساجد والقصور والمدارس والحمامات التي ما زالت إلى وقتنا تبرز القوة والتطور الذي كانت عليه هذه الدولة العظيمة، وكان ذلك بفضل معماريين أبهروا العالم بأسره بعمارتهم التي لم يكن لتقام لولا عبقريتهم وشدة ذكائهم. من هؤلاء المعمارين «المعمار سنان آغا» الذي كتب اسمه بعمارته في تاريخ الهندسة المعمارية العالمية حتى نال الإشادة من الجميع، قال المستشرق الروسي فاسيلي بارتولد: «فالمباني التي بناها المعمار التركي الكبير سنان -وهو رومي الأصل- ليست مطلقًا بأقل من آثار عهد النهضة المعمارية في أوروبا»[1].

من طفل طموح إلى معماري حاذق

ولد المعمار سنان عام 1495 بقرية «أغرناس» التابعة لمدينة قيصري، في عهد السلطان بايزيد الثاني، لأسرة نصرانية من أصل ألباني قبل أن يسلم، وكان منذ صغره معجبًا بالعمارة فكان يبني الأكواخ وحظائر الحيوانات ويشق مجاري المياه نحو الحدائق.

بعد أن بلغ 17 سنة من العمر جُلب إلى إسطنبول حيث تلقى تعليمًا راقيًا قبل أن يلتحق بأحد المدارس حيث تعلم النجارة وأتقنها واحترفها، ليعمل بعدها في تشييد الآثار المعمارية من مساجد وقصور ومدارس بإشراف أكبر الحرفيين وأمهرهم، ليتمكن بذلك من التعرف على خبايا الهندسة المعمارية عن قرب.

التحق المعمار سنان بعدها بالجيش وعمل جنديًا في عدة حملات على مناطق عديدة مما سمح له بمشاهدة الآثار المعمارية المختلفة، فأكسبه ذلك معرفة أشمل ونضوجًا أكبر بالهندسة المعمارية، فعمل على تحويل بعض الكنائس إلى مساجد كما حصل أثناء حصار فيينا عام 1529، يقول المؤرخ التركي يلماز أزتونا: زار سنان جميع الأقطار من إيران إلى المجر ودقق الآثار العمرانية منذ العصور الغابرة إلى عصره، التي ما زالت قائمة والتي اندثرت، من الناحية التكنولوجية ومن الناحية الفنية الجمالية[2].

كان أول عمل معماري يقوم به المعمار سنان بناء جسر لصالح الجيش العثماني، ففي الحادي والثلاثين من أغسطس (آب) عام (1538) اتجه السلطان «القانوني» بحملة على «قره بوغدان (مولدوفا)»، وعند وصولهم ساحل نهر «باروت» كان لا بد من جسر لعبور الجيش إلى الجهة المقابلة، فبذل المعماريون كل ما بوسعهم لإنشاء جسر، وعملوا أيامًا إلا أن الجسر لم يصمد وهوى بعد مدة قصيرة في الوحل، فأعيتهم الحيل وعجزوا عن بنائه، لأن المنطقة عبارة عن مستنقع، فرشّح الوزير «لطفي باشا» «سنانا» للسلطان قائلا:

«مولاي السلطان، يمكن بناء هذا الجسر لو تولى أمره خادمكم الضابط البحري المدعو سنانا، فلتأمر، وليتولّ العمل مع رفقائه، فهو معماري حاذق وماهر جدًا».

بناء على اقتراح الباشا، تم تكليف «سنان» ببناء الجسر بأمر من السلطان «القانوني»، ورغم أن الأرض كانت مستنقعًا، إلا أنه استطاع أن ينال إعجاب السلطان ببنائه جسرًا سليمًا على متن «نهر باروت» في مدة قصيرة لم تتجاوز ثلاثة عشر يومًا[3].

الطريق نحو العالمية

مات عميد المعماريين «عجم علي» وترك وراءه فراغًا كبيرًا، واحتار المسؤولون عن من يمكنه خلافة عجم علي، وكان حينها منصب الصدر الأعظم من نصيب «لطفي باشا» الذي كان يعرف إمكانيات وقدرات المعمار سنان، فعينه وأصبح بذلك عميد المعماريين وهو في حدود الرابعة والأربعين من عمره وبقي في المنصب لمدة خمسين عامًا، من عام 1538 إلى 1588.

لقد كان هذا المنصب مسؤولية عظيمة على عاتقه، ولكن في نفس الوقت مكنه من إبراز قدراته المعمارية الهائلة، لقد كان مسؤولًا عن إقامة الأعمال المعمارية من قصور ومدارس ومطاعم خيرية وسبل مياه وأضرحة[4] وحمامات وبيوت قوافل وغيرها. كما كان مسؤولا عن الأعمال المعمارية بالعاصمة إستانبول عن إصلاح وتعمير وترميم وشق شوارع وبناء أرصفة وقنوات للمياه. كما كان مكلفًا بمراقبة كل أعمال البناء في كل أرجاء الدولة العثمانية، وكذلك مراقبة المواد المستخدمة في البناء، كما أسندت إليه صلاحية هدم الأبنية المخالفة للنظام، والإشراف على أبنية القلاع.

كما أن الإشراف على المهندسين المعماريين في الخاصة السلطانية، كان من صميم عمل سنان وكانوا أهم شخصيات فنية في عصره، وأشهرهم: المعمار داود آغا (الذي بنى الجامع الجديد «بني جامع» في إستانبول وهو أثر معماري فخم). والمعمار محمد آغا الصدفكار (الذي بنى جامع السلطان أحمد المشهور بالجامع الأزرق في العاصمة العثمانية وأحد التحف المعمارية المعدودة في العالم) والمعمار قره شعبان آغا (الذي بنى قلعة نوارين)، وكذلك كان تحت إمرة سنان جميع الصناّع والنجارين والبنائين واللغميين في الدولة[5].

استطاع سنان من خلال ما يملكه من علم وإيمان بقدراته أن يحقق شهرة عالمية لا نظير لها، وكان منقوشًا على خاتمه «نقيب معماريي ومهندسي العالم»، ثم أصبح ينادى بـ«ممدوح العالم، المعمار الفريد سنان آغا»، وقد شهد بذلك أكبر المختصين في هذا المجال، فقد قال فيه المؤرخ بابنجر: «إن سنان هو ميكائيل أنجلو الأتراك»، وقال فيه كلوك العالم الألماني وأستاذ تاريخ العمارة في جامعة فيينا: «إن سنان يتفوق فنيا على ميكائيل أنجلو صاحب أكبر اسم فني في الحضارة الأوروبية»[6].

أشهر منشآته

1- جامع السليمانية (مسجد سليمان القانوني)

أنشأه المعمار سنان بأمر من السلطان سليمان القانوني عام 1558 بإسطنبول على حافة التل المطل على سواحل الخليج، يعتبر الأكبر في المدينة إذ يظهر شامخًا عظيمًا مستطيل الشكل بمآذنه الأربع التي تحد صحن (ساحة) المسجد من أطرافه، صحن واسع محاط بأعمدة لها أقواس يعلو الجميع قباب متماثلة، من الصحن يمكننا الدخول إلى قاعة الصلاة أين تؤدى صلاة الجماعة، بمجرد النظر إلى السقف يرى الرجل مشهدًا مثيرًا صنعه المعمار سنان بلعبه بأماكن القباب باستعمال قباب كاملة ونصف قباب.

إن القبة المركزية في هذا الجامع يسندها اثنان من أنصاف القباب كما في آيا صوفيا، ولكنها لا تدعمها الأقواس النصف الدائرية الكبيرة كما في هذه الأخيرة. بإيجاد حل لمشكلة تقوية القبة المركزية وتوازنها، كان سنان قادرًا على إزاحة العواميد والعوائق الأخرى من وسط الساحة في الداخل. وهكذا فإن التخطيط الهندسي للبناء في العرض، وإزالة العواميد من الوسط، أعطى المجال لصفوف المصلين العريضة، مع منظر الإمام والقبلة الواضح، بحيث لا يحجزه شيء[7].

2- جسر ماغلوفا

أنتهى المعمار سنان من تشييده عام 1562، يمر الجسر عبر نهر «علي بك» بمدينة إسطنبول بالقرب من حي السلطان غازي حاليًّا، دامت مدة تشييده ثماني سنوات، مبني بالحجر ويتكون من طابقين، يبلغ طوله 258 مترًا بعلو يقدر بـ36 مترًا.

يبدو لنا المقطع العرضي لجسر «ماغلوفا» كجذع شجرة، فهو بنيّة مخروطية، هذه الهيئة تجسّد أفضل طريقة لمواجهة أضرار الزلازل، وقوة الرياح، وقوة تدفق المياه، فسلامة هيكل الجسر ومتانته ليست محل نقاش، إذ تبرهن على نفسها بنفسها، أما ما نريد أن نؤكده، فأن الجسر كلّه مصمم على طراز سليم من الناحية الهندسية، واتخذت قواعده شكل مقدمة سفينة تشقّ المياه، وتم تصميمه كتمثال له بنية ثلاثية الأبعاد.

يمتد الجسر بهذا النحو أمام الناظرين كأنه جسم جمالي ديناميكي حيوي، وخلاصة القول أن الجسر ليس مجرد أداة وظيفية عملية فحسب، بل هو كيان جمالي يؤدي بنجاح وظيفة جمالية نفسية في الوقت نفسه[8].

3– مسجد السليمية

أنشأه المعمار سنان بأمر من السلطان سليم الثاني عام 1584 في أعلى ربوة في أدرنة. إذا كان مسجد السليمية له نفس عدد المآذن كمسجد السليمانية إلا أنه يختلف من ناحية مكان تواجدها ففي مسجد السليمانية المآذن الأربعة تحد صحن المسجد وفي مسجد السليمية فإنها تحد المسجد، مما يظهره للمشاهد أقل ضخامة ولكن أكثر علوا، الدخول إلى صحن المسجد يتم من خلال ثلاث أبواب، باب رئيسي في الواجهة الأساسية وبابين في الواجهتين الثانويتين، واحد على اليمنى والآخر على اليسرى، من خلال الصحن يمكننا الدخول إلى قاعة الصلاة التي تحتوي على ثمانية أعمدة كبيرة تحمل القبة العظيمة التي تعلو المسجد.

إن قبة جامع السليمية لا تزال تعد لحد الآن واحدة من أضخم القباب في العالم كما أن بساطة التصميم قد سمحت بتناسق معماري خارجي أكثر تأثيرًا من قبة جامع السليمانية، أما منبر المسجد فمنحوت من قطعة حجرية واحدة يفوق من حيث حجمه ورونقه وبراعة صنعة كل المنابر التي صنعت على نسقه والجدران المحيطة بالمحراب وخلفية المنبر وقلنسوته المخروطية وشراعات النوافذ السفلى كل ذلك تغطية البلاطات الخزفية ذات الزخارف الرائعة الجذابة وتعتبر الحشوات الخزفية الكبيرة الموجودة بحائط المحراب من الروائع المبهرة حيث التصميم وجمال اللون ودقة التّكوين[9].

وفاته

توفي المعمار سنان عام 1588 عن عمر يناهز 93 سنة، لقد ترك فراغًا رهيبًا في أرجاء الدولة العثمانية جميعها، ولكن ترك خلفه أيضًا تلاميذ نجباء واصلوا طريقه وساروا على نهجه منهم محمد آغا وكمال الدين، كما ترك خلفه مجموعة من أعمال معمارية ما زالت تشهد له بالعبقرية والذكاء والتميّز في التسيير، فقد شيد 79 مسجدًا، و34 قصرًا، و33 حمامًا عامًا، و19 ضريحًا، و55 مدرسة[10].

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

[1]- فاسيلي بارتولد، ، تاريخ الحضارة الإسلامية، ترجمة حمزة طاهر ، الطبعة الثانية، دار المعارف، مصر، 1952م، ص.115.
[2]- يلماز أوزتونا، ، تاريخ الدولة العثمانية، ترجمة عدنان محمود سلمان، الطبعة الأولى، المجلد الثاني، مؤسسة فيصل للتمويل، استانبول، 1990م، ص.539.
[3]- جان ألبجونج، ، بصمات خالدة في التاريخ العثماني، ترجمة عبير الشناوي، دار النيل، القاهرة، 2015، ص.99.
[4]- رحم الله المعمار سنان، فإن بناء الأضرحة أمر محرم في الإسلام، ففي صحيح مسلم عن جابر رضي الله عنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجصص القبر وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه.
[5]- محمد حرب، العثمانيون في التاريخ والحضارة، المركز المصري للدراسات العثمانية وبحوث العالم التركي، القاهرة، 1994م، ص.160.
[6]- محمد حرب، المرجع السابق، ص.157.
[7]- برنارد لويس، ، استنبول وحضارة الخلافة الإسلامية، تعريب سيد رضوان علي، الطبعة الثانية، الدار السعودية، جدة، 1982م، ص.138.
[8]- جان ألبجونج، المرجع نفسه، ص.112، 114.
[9]- نسيبة عبد العزيز، المعمار العثماني سنان، مجلة جامعة تكريت للعلوم الإنسانية، المجلد 17، العدد 2، ص.245.
[10]- منير البعلبكي، معجم أعلام المورد، الطبعة الأولى، دار العلم للملايين، بيروت، 1992، ص.243.
عرض التعليقات
تحميل المزيد